فيلم «الباباوان».. محاولة ناجحة لتحسين سمعة الكنيسة الكاثوليكية

عربي بوست
تم النشر: 2020/01/01 الساعة 10:23 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2020/01/01 الساعة 14:30 بتوقيت غرينتش
فيلم الباباوان نموذج فريد للبروباغندا الناجحة

فيلم The Two Popes أشبه بسيرة ذاتية، لكن في إطار سياسي تاريخي مليء بالدراما، إذ تدور قصته عن الكواليس في سياسات الفاتيكان، وسيرة ذاتية مصغرة عن بابا الفاتيكان الحالي فرانسيس.

ويتناول الفيلم، حسب صحيفة The New York Times الأمريكية، كيف بحث البابا بيندكت مع خليفته المرتقب فرانسيس عن مسارات جديدة في الحكم تصلح لنظام حكم داخل الكنيسة الكاثوليكية.

الفيلم من إخراج فيرناندو ميريليس وسيناريو أنتوني مكارتين، تبدأ أحداثه في عام 2005، عقب وفاة البابا جون بول الثاني، حين اجتمع كرادلة الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في كاتدرائية القديس بطرس البابوية لانتخاب من يخلُفه. 

واستقروا على جوزيف راتسينغر (الذي يلعب دوره في الفيلم الممثل أنتوني هوبكنز)، الذي سيصبح البابا بنديكت السادس عشر. وفي المقابل حصل الكاردينال خورخي بيرغوليو (الذي يلعب دوره الممثل جوناثان برايس) على عدد أصوات أقل من نظيره راتسينغر. بيرغوليو هو قس أرجنتيني حلَّ محل بنديكت بعد ثماني سنوات، ليصبح البابا فرانسيس الأول بابا الكنيسة الكاثوليكية، في تحول دراماتيكي لم تشهد الكنيسة مثله منذ 700 عام تقريباً.  يرصد فيلم "The Two Popes" انتقال السلطة من البابا بنديكت إلى البابا فرانسيس بانتباه دقيق جداً للتفاصيل.

في عام 2013، يسافر بيرغوغليو، من شوارع بوينس آيريس إلى روما ليطلب من البابا الإذن في التقاعد. لكن بنديكت، الذي يستقبل زائره في المقر الصيفي البابوي في مدينة كاستل غاندلفو بالعاصمة الإيطالية، يحمل في جعبته خططاً أخرى، على الرغم من أنها لم تكن واضحة في البداية.   

الإعلان التشويقي لفيلم الباباوان

يكره بيرغوليو خطاب بنديكت المتشدّد بشأن القضايا الاجتماعية والثقافية، ويحتج أنَّ الكنيسة يجب أن تستخدم نفوذها المعنوي لمعالجة قضايا مثل تغير المناخ وعدم المساواة الاقتصادية ويجب أن توقف سلسلة الفضائح الجنسية التي تحدث في أروقتها.  وفي هذا الحوار الشيق، يجسد البابا بنديكت السلطة والتقاليد. فما يراه بيرغوغليو تغييراً ضرورياً، يعتبره بنديكت تنازلاً مدمراً، والباباوان كلاهما ليسا محايدين تماماً في هذا النقاش، الذي يدور على خلفية فضيحة وأزمة التحرش الجنسي في الأروقة الكنسية.

 يستخدم الفيلم مقتطفات من الأخبار والتعليقات التلفزيونية من أشخاص عاديين لتذكير المشاهدين بفضائح الاعتداء الجنسي والمخالفات المالية التي عصفت بالكنيسة، مع عدم التركيز على هذه المشاهد بشكل جوهري.

يريد صناع الفيلم أن يسلطوا الضوء على أن الجوانب الإنسانية والصراعات النفسية الداخلية للرجلين مع محاولة إبراز بيرغوليو كرجل عادي يأكل البيتزا ويشاهد كرة القدم، رجل واجه إخفاقاته بتواضع، وبداخله رغبة عارمة للتغيير، ورغم ذلك فهو لا يرى نفسه على الكرسي البابوي، وبصعوده في النهاية إلى أعلى الهرم الكنسي يُبشِر المخرج والمؤلف بفجر عهد من الإصلاح والتجديد والتغيير.

جمود متناغم

عندما يجتمع بنديكت وبيرغوليو يستعرض الممثلان الأبعاد الروحية والنفسية لشخصيتيهما بتفاعل وتناغم لطيف، الأمر الذي يراه بعض النقاد على أنه استعراض فلسفي يشوبه بعض الجمود، وأنه لو صور الفيلم رجلان كبيران يتحدثان معاً بانسيابية دون أن تقطع المشاهد لقطات من الماضي تؤرخ لسنوات بيرغوليو السابقة لخرج المشهد كقطعة فنية.

هذه الرحلة داخل السيرة الذاتية لبيرغوليو التي سردت حياته حين كان عالماً شاباً دُعي للانضمام إلى القسيسية، وشغل منصب رئيس النظام اليسوعي في الأرجنتين خلال حكم الديكتاتورية العسكرية في سبعينيات القرن الماضي،  ليست بعيدة الصلة عن محور الفيلم -فهي توضح وجهات نظره السياسية وقابليته للخطأ أيضاً. 

بروباغندا "الباباوان": دليلك لغسل العار  

بمجرد انتهاء الفيلم تشعر بتعاطف عارم مع كلا الرجلين على حد سواء، مع حب أكثر للرجل الذي يمثل الخير والتغيير والتجديد، البابا فرانسيس. ومع ذلك فإنك تتعاطف مع البابا بنديكت أيضاً، لأنك صرت قادراً على فهم وتفسير أفعاله ومواقفه التي اتخدها. عندما يصبح كل شيء مفهوماً ومبرراً بشكل أو بآخر تختفي مشاعر الغضب والثورة والاحتجاج وتحل محلها مشاعر التفهم والتعاطف حتى وإن لم يبلغ الحب مبلغاً كبيراً. يكفي ذلك المشهد الذي يتخلى فيه البابا بنديكت عن بابويته لدقائق ويؤدي طقوس الاعتراف أمام الكاردينال بيرغوليو الذي يمنحه الغفران. لكن المخرج والمؤلف لم يخبرانا بما اعترف البابا بنديكت، خصوصاً أن الحوار كان يدور قبلها حول فضائح الاعتداءات الجنسية التي طالت الكنيسة. وهل يحق لبيرغوليو أن يغفر عن جرائم لم ترتكب في حقه هو؟ أم تراه كان يعترف عن جرمه بتأييد النازية؟ يغسل الفيلم كل عار وفضيحة طالت الرجلين في أي نقطة في حياتهما، يقربك منهما بدرجة يستحيل معها أن تتمالك مشاعرك أو يكون فيها عقلك مسيطراً على مشاعرك، إذ يصور لك الفيلم الرجلين بلا أقنعة، يخبرك كيف أصبحا الرجلين اللذين هما الآن، ليقول لك إن كلنا بشر وكلنا نذنب ونخطئ ونستغفر ونتوب، حتى وإن كنت البابا نفسه. لينادي صوت داخلك: من كان منكم بلا خطيئة، فليرمها بحجر.

البابا فرانسيس يميناً، والبابا بنديكت يساراً

ويكشف الفيلم عن الوجه الآخر لكل من البابا بنديكت والبابا فرانسيس. فبعد عرض الوجه الكريه المتزمت والمتشدد الساعي لتكريس السلطة الكنسية والمحافظ على التقاليد التي عفا عليها الزمن، يكشف الفيلم، رويداً رويداً، الوجه الجميل الآخر للبابا بنديكت. فهو رجل لديه الكثير من الشكوك والأسئلة التي احتار فيها ولم يجد لها إجابة بعد وهو أيضاً عازف البيانو الفذ والمستمع الأصيل لفرقة بيتلز الموسيقية. في المقابل، ينكشف رداء النقاء والصلاح والثورة شيئاً فشيئاً عن وجه البابا فرانسيس. ويأخذنا الفيلم في رحلة سريعة حول ماضيه المظلم. باستعراض دوره في مساندة الديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين والسكوت عن جرائمها التي طالت المقربين منه، وشعوره المستمر بالذنب الذي يحمله دائماً رغم محاولته التكفير عن ذلك ليس فقط عن طريق حياة التقوى، بل عن طريق وعيه بدور الكنيسة الاجتماعي في حياة الفقراء والأقليات والقضايا السياسية. ما قدمه لنا كل من المخرج البرازيلي فيرناندو ميريليس وكاتب السيناريو والحوار أنتوني مكارتين هو عملية "أنسنة" ناجحة للباباوَين. جرعة كبيرة من الصراحة الإنسانية الموجهة نحو قلب المشاهد مباشرة، ومن الصعب جداً عدم الوقوع في حب الحالة التي يسوقنا إليها الفيلم. لكن، وبضجيج أقل بكثير من جرعة الصراحة، تتسلل بعض الأفكار الحساسة وتترسخ الكثير من المفاهيم في عقل المشاهد دون أن يكون على وعي كامل بذلك.


ما يترسخ في عقل المشاهد هو أن الكنيسة قد تغيرت بالفعل، وتطهرت من الدنس الذي لطخ سمعتها عقوداً طويلة. وذلك لأن الكنيسة قد تم اختزالها في الباباوين، وتم بعد ذلك تطهير الكنيسة من كل جرم وصورة ذهنية سلبية باعتراف كلاهما بجرمه وذنبه الذي أثقل كاهله سنيناً طويلة. وكأنهما الكنيسة التي أثقلتها الفضائح الجنسية المتتالية والصمت المطبق حيال اختفاء العدالة الاجتماعية من العالم وغضها الطرف عن استخدام الدين المسيحي كذريعة وأيديولوجية محرضة على شن الحروب وارتكاب جرائم اجتماعية وسياسية. وللصدفة، فإنها ذات الذنوب التي اعترف بها كلا الباباوَين في الفيلم. لكن سريعاً ما يمنحان بعضهما البعض صك الغفران عما سبق في مشهد قد يخطف من المشاهد دمعة أو دمعتين. وبالحصول على الغفران يتبرأ الرجلان، والكنيسة ضمنياً، من كل الجرائم التي ارتكبتها وتسقط عنها كل الاتهامات ولا يعود للانتقادات الموجهة ضدها أي معنى، لأنها تابت وأنابت.
يقول الكاتب شادي لويس في مقالته حول الفيلم: "يقدم "الباباوان" نموذجاً بديعاً لبروباغندا الإنسان الساقط، المفهوم الكاثوليكي الأصيل، في عمل قادر على إثارة حزمة من المشاعر المتناقضة وبعض الدموع والكثير من الضحكات التي تغسل القلب، وفي الوسط من كل هذا أو تحته، يتم ضمنياً ترسيخ المؤسسة القائمة جمالياً وغسيل جرائمها بهدوء ولطف يصعب مقاومته"

إعادة إحياء الكنيسة 

"الكنيسة هي واحدة من أعظم المؤسسات العالمية ومصيرها يرتبط بمصير العالم بشكل عام، وهذا تحديداً ما أيقظ اهتمامي بالكنيسة. أظن أنه إذا تمكنت الكنيسة من إيجاد طريق ما لجمع الناس سوياً، فهناك أمل في هذا العالم".

– كاتب الفيلم أنتوني مكارتين

أنتوني مكارتين مؤلف فيلم الباباوان

أعتقد أن تصريح مكارتين هذا يفصح عن الهدف الرئيسي من البروباغندا البديعة التي صنعها رفقة المخرج ميريليس في فيلم الباباوان. يحاول مكارتين إعادة إحياء الكنيسة وسلطتها في قلوب محبيها ومنتقديها على حد سواء، بتقريبها إليهم مصوراً قادتها كبشر عاديين بعيداً عن الأجواء الرسمية والخلافات والصراعات التي تحيط بالمناصب التي يشغلونها. يعتقد مكارتين أن العالم يحتاج أن تكون الكنيسة مؤسسة نزيهة وقوية كي تعطي العالم بعض الأمل في المستقبل. وإن كان ذلك صحيحاً، فإن مكارتين لا يقوم بذلك عن طريق سبر أغوار الكنيسة وكواليس الفاتيكان وصراع القوى الطاحن داخله، وفضح طرق ارتكاب الجرائم  سواء بيدها أو باسمها، أو كيف ولماذا يتم التستر على هؤلاء المجرمين. عوضاً عن ذلك  يختزل الفيلم الكنيسة في شخصين، يعريهم أمامنا لنرى ذنوبهم وزلاتهم، ثم يطهرهم، ثم يغفر لهم وللكنيسة بالتبعية. وكان من الأولى أن يتتبع الفيلم الخط الذي رسمه في البداية حول المسائل الاجتماعية والسياسية التي تتجاهلها الكنيسة حتى صارت تسبح في ملكوت وحدها بعيداً عما يشغل عامة البشر. وأن يكشف ما الذي يعيق الفاتيكان ومؤسسة الدين المسيحية عن التجديد الحقيقي والانضمام إلى ركب الحداثة والنزاهة والانفتاح على العالم الخارجي عن طريق الاشتباك الفعال والمثمر مع ما يحيره من أسئلة ويواجهه من مشكلات.

ما تخبرنا به بروباغندا فيلم الباباوان الممتعة هو أن الكنيسة ما زالت قادرة على أن تستمد شرعيتها وسلطتها من نفسها دون أن تبرر لأحد أي شيء أو أن تدافع عن نفسها وتدرأ الاتهامات الموجهة لها بجدية أو تعاقب أعضاءها على ما اقترفت أيديهم من جرائم. وأنه يكفي أن يجلس على كرسي البابا رجل "منفتح وحداثي" ليُغفَرَ للكنيسة ويعود الشعب المسيحي إلى أحضانها.
ويخرج هذا من إيمان عميق يكشف عن عوار كبير في فهم الواقع، وهو الإيمان بعدم الحاجة إلى تفكيك مؤسسة الكنيسة وإعادة بنائها بتصميم يجيب عن كل الأسئلة التي يطرحها العالم الاجتماعي المتغير عليها، سياسياً واجتماعياً ومعرفياً.   

ومع ذلك، فإنه ينبغي رفع القبعة لطاقم عمل الفيلم بأكمله على ما قدموه من بروباغندا سلسة وانسيابية، لا تصيب المشاهد بالإحباط أو تشعره بالتوجيه.

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
حذيفة حمزة
كاتب ومحرر
محرر، وباحث في علم الاجتماع الرياضي
تحميل المزيد