به وثائق ومخطوطات تاريخية يفوق عمرها 100 عام.. لماذا يستهدف الاحتلال مواقع الأرشيف المركزي بغزة؟

عربي بوست
تم النشر: 2023/12/22 الساعة 13:45 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2023/12/22 الساعة 13:48 بتوقيت غرينتش
سرقة الإحتلال لمخطوطات فلسطين

 يسعى الاحتلال الإسرائيلي، منذ بداية العدوان الذي يشنّه على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023، إلى محو كل ما يشير إلى تراث الفلسطينيين في أرضهم، من قصور تاريخية، ومتاحف، وآثار وحتى المباني الأرشيفية، على غرار الأرشيف المركزي بغزّة ومركز رشاد الثقافي ومكتبة بلدية غزة، وهي منشآت تضم وثائق ومخطوطات تاريخية يفوق عمرها 100 عام.

وتقدم إسرائيل على اغتيال هذا التاريخ في انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي، وهدفها طمس مراحل التطور العمراني لمدينة يصفها المؤرخون بـ"بنت الأجيال" من شدة عراقة تاريخها، الضاربة جذوره في القرن الخامس عشر قبل الميلاد.

الأرشيف المركزي بغزة 

في نوفمبر الماضي، قصفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي مبنى الأرشيف المركزي،

الذي كان "يحتوي على آلاف الوثائق التاريخية التي يعود تاريخها إلى أكثر من 150 عاماً، وهي وثائق تاريخية قيّمة للمجتمع"، بحسب رئيس بلدية غزة "يحيى السرّاج".

تدمير الأرشيف المركزي بغزة |مواقع التواصل
تدمير الأرشيف المركزي بغزة |مواقع التواصل

وذكر المصدر ذاته أنّ الأرشيف المركزي الذي يمثّل جزءاً لا يتجزأ من التاريخ والثقافة الفلسطينية "يحتوي على مخطوطات لمبانٍ أثرية ذات قيمة تاريخية ووثائق بخط يد شخصيات وطنية معروفة".

معتبراً أنّ ذلك يُعد "محاولة من الاحتلال لتدمير كل ما هو جميل، وفرض سياسة التعتيم على الإنسان، وجعل المدن الفلسطينية غير صالحة للسكن".

مركز رشاد الشوا الثقافي 

قام جيش الاحتلال الإسرائيلي أيضاً بتدمير مركز "رشاد الشوا" الثقافي في 25 تشرين الثاني/نوفمبر الواقع بحي الرمال بمدينة غزة شمالي القطاع.

وقد أنشئ المبنى سنة 1985 من تصميم المهندس المعماري السوري سعد مغفل، كما جاء في صحيفة 

THE ARCHITECTS NEWSPEAPER 

ويتبع المركز الثقافي لبلدية مدينة غزة، حيث سمي نسبة إلى رئيس بلدية غزة السابق رشاد الشوا، بحسب الموقع الإلكتروني للبلدية.

مركز رشاد الشوا قبل التدمير |وسائل التواصل
مركز رشاد الشوا قبل التدمير |وسائل التواصل

ويضمّ المركز مكتبة وقاعة اجتماعات ومساحة للمعارض، ومن المعروف أن رئيس جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا، قام بإلقاء محاضرات فيه، كما استضاف المركز قبل نحو 25 عاماً محادثات السلام بين ياسر عرفات وبيل كلينتون.

ويُشار إلى أنّ المركز وقع استخدامه من قِبل النازحين الذين هُدمت منازلهم في غزة خلال العدوان الإسرائيلي، لكنهم لم يكونوا بداخله حين تمّ قصفه، حيث كانوا قد نزحوا باتجاه جنوب القطاع. 

وقد وصفه لويس بريهوني، في أعقاب الهجوم عليه، في صحيفة "فلسطين كرونيكل"، بأنه "منارة للحيوية الثقافية لأكثر من عقدين من الزمن، ومكان للأداء والشعر والموسيقى والفن والمشاركة المحلية".

مكتبة غزة التاريخية

تُعرف بمكتبة بلدية غزة، تأسست عام 1999 من خلال اتفاقية توأمة مع مدينة دونكيرك الفرنسية وبتمويل من البنك الدولي. 

تتكون المكتبة من طابقين وطابق سفلي. وتضمنت مقتنياته 10.000 مجلد باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، وفق الموقع الإلكتروني للبلدية.

ويحتفظ مقر البلدية، الذي يقع وسط المدينة في ساحة فلسطين، بأرشيفات تاريخية تعود إلى أكثر من 150 عاماً، والتي تحتوي على وثائق أساسية عن التطور الحضري للمدينة، بما في ذلك الدراسات الهندسية لشبكات المياه والصرف الصحي بحسب THE NEW ARAB.

مكتبة غزة التاريخية |مواقع التواصل
مكتبة غزة التاريخية |مواقع التواصل

وعن تدمير المكتبة قال رشاد الشوا رئيس بلدية غزة إنّ: "طائرات الاحتلال استهدفت مبنى (المكتبة العامة)، وحوّلته إلى رُكام، وتسبّب القصف بحرق وإعدام آلاف الكتب والعناوين والوثائق التي توثّق تاريخ المدينة وتطوّرها، بالإضافة إلى تدمير قاعة دورات اللُّغات في المكتبة ومرافق أُخرى تابعة لها"، وفق مصدر سابق. 

 كما صرّحت المتحدّثة باسم وزارة الثقافة بثينة حمدان لأحد الوكالات الإخبارية الفلسطينية بأنّ هذه الوثائق تعتبر مراجعاً لتاريخ العمل البلدي للمدينة وتفاصيل هذا العمل، خاصة لما تحتويه مدينة غزة من بلدة قديمة، وأحياء قديمة معروفة ومشهورة مثل حي الزيتون وحي الدرج، وهي شاهدة على تاريخ المكان وحضارته، وتواجد الشعب الفلسطيني فيه منذ ما قبل الاحتلال.

وتظهر الصور التي التقطتها البلدية تدمير مبنى المكتبة الرئيسي من الداخل بشكل كامل، تتناثر الكتب على أرضه التي يغمرها التراب والحطام، كما لم تسلم غالبية الرفوف من أثار القصف.

 محاولات لتزوير تاريخ النضال من 1948 إلى اليوم..

 خطّة اختطاف الأرشيف الفلسطيني

في مقال كتبته رونا سيلا، المخرجة والباحثة الأوروبية المناهضة للصهيونية ونشرتها هارتس بعنوان "لماذا يتم دفن عدد لا يُحصى من الصور والأفلام الفلسطينية في الأرشيف الإسرائيلي؟"، تتحدث فيه عن الوثائق التاريخية والمخطوطات التي يقوم الاحتلال الإسرائيلي بتخزينها في أرشيفاته ومتاحفه..

حيث يُذكر أنّه منذ احتلال فلسطين عام 1948 حتى اجتياح بيروت في 1982 قام جيش الاحتلال الإسرائيلي بسرقة ما يقارب 38 ألف فيلم، و2.7 مليون صورة، و96 ألف تسجيل، و46 ألف خريطة وصور جوية من أرشيف الفلسطينيين، ووضع بعضها في أرشيف "الجامعة العبرية".

"الممتلكات المتروكة" لشعب لا يزال يقاوم المحتلّ..

وقد استولى الاحتلال على عديد المكتبات التي تعود ملكيتها للكتّاب والأدباء الفلسطينيين، منها المكتبة الخاصة لخليل السكاكيني، ومكتبة آل نشاشيبي، وكذلك مكتبات ووثائق الهيئات الفلسطينية العامة، والمدارس والكنائس.

فضلاً عن جمع 30 ألف كتاب وصحيفة ومجلة تشمل موضوعات القانون والأدب والشريعة والعلوم من قبل عمال "المكتبة الوطنية الإسرائيلية" تعود ملكيتها لسكان القدس بين مايو/أيار 1948 وحتى نهاية فبراير/شباط 1949.

المكتبة الوطنية الإسرائيلية |وسائل التواصل
المكتبة الوطنية الإسرائيلية |وسائل التواصل

جميع هذه الممتلكات الفلسطينية تم حفظها في مخازن "المكتبة الوطنية الإسرائيلية" في القدس، التي تحتوي على أكثر من 8000 كتاب، وُضع عليها الحرفان AP، اختصاراً لعبارة "ممتلكات متروكة" (Abandoned Property).

 الكتب النادرة والمخطوطات الثمينة في قبضة الاحتلال

لم تتردّد إسرائيل كذلك في سرقة جميع محتويات "مركز الأبحاث الفلسطينية" الذي أسسه الدكتور فايز صايغ في شباط 1965 بقرار من "اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير" لتغطية الصراع العربي الصهيوني بدراسات علمية ومعلومات صحيحة، والعمل على جمع الوثائق المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

ويحتوي هذا المركز على مقتنيات الأرشيف التي تشمل ملفات وأشرطة "ميكروفيلم" وآلات تصوير وأجهزة تسجيل التاريخ الشفوي لأعلام الثقافة الوطنية الفلسطينية ومقتنيات مكتبة مركز الأبحاث، بما تحويه من كتب نادرة ومخطوطات ثمينة وقعت كلّها في قبضة الاحتلال..

من مخطوطات المسجد الأقصى |وسائل التواصل
من مخطوطات المسجد الأقصى |وسائل التواصل

وذكر موقع MIDLE EAST MONITOR أنّ إسرائيل عندما سُئلت عن غارات القصف التي كانت توجهها نحو مباني الأرشيف والمكتبات التاريخية، لم يتطرق الجيش الإسرائيلي إلى ما إذا كان قد ضرب المكتبات، واكتفى بالقول إنه "يتبع القانون الدولي ويتخذ الاحتياطات الممكنة للتخفيف من الأضرار التي تلحق بالمدنيين".

لكنّ هذه الحرب في حقيقتها أداة معلنة لهدف الإحتلال على القضاء على ما تبقى من أرشيف الفلسطينيين كطريقة مثلى -وفق ما يعتقده الإحتلال- لاغتيال الذاكرة الفلسطينية التي تؤرخ لهويّة الفلسطينيين وتاريخهم النضالي، وتشرّع لأحقيّتهم بالأرض، غير أنّ إسرائيل لم تفلح إلى اليوم وبعد مرور ما يزيد على 75 عاماً في محو الهوية الفلسطينية، وما زال التراث الفلسطيني بأرشيفه وذاكرته البصرية حاضراً وخصباً في الوعي الجمعي، ليس للشعب الفلسطيني فقط، بل عند جميع الشعوب الأخرى.