برنامج قراءة ثانية.. في جدلية النص الفقهي والواقع الإسلامي

عربي بوست
تم النشر: 2019/07/16 الساعة 15:14 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2019/07/16 الساعة 15:14 بتوقيت غرينتش
البرنامج التلفزيوني قراءة ثانية

في مساء كل أربعاء يعرض على شاشة التلفزيون العربي  برنامج  يقدمه الدكتور الفاضل علي السند، بعنوان "قراءة ثانية".

بحسب القائمين على هذا البرنامج فإن الفكرة الرئيسية هي تقديم نقاشات فكرية "إسلامية/ إسلامية" يستضاف فيها عدد من الباحثين المختصين في العلوم الإسلامية لمناقشة قضايا شاغلة غير محسومة، يقدم الأول القراءة المألوفة التقليدية ويدافع عنها، أما الثاني فيحاجج بقراءة أخرى مغايرة للسائد وكلها في حدود أو من داخل الفكر الإسلامي وبنفس الأدوات المعرفية، إلا أنه بالطبع هناك اختلاف جذري في النتائج! 

كان الداعي المحرك لهذه الفكرة أنه و بعد موجة "الربيع العربي" وخصوصاُ بعد صعود الإسلاميين إلى سُدة الحكم في بعض الدول، اشتبكت كثير من قضايا الفكر الإسلامي مع الأحداث وصارت محل اختبار حقيقي مع الواقع، نتج عنه وجود ثغرات أثارت تساؤلات كثيرة!  

بدا من فكرة البرنامج أنه اعتراف ضمني بوجود أزمة حقيقة داخل الفكر الإسلامي، وعن عدم ملاءمة تلك "الأفكار السائدة" أو "القراءة الأولى" لواقع شديد التعقيد.

فبالتالي هنالك ضرورة لازمة لقراءة بديلة، سواء كانت "قراءة ثانية" وربما ثالثة أو رابعة إلخ..

لعل وعسى أن تسد تلك "الفجوة" بين قضايا الفكر الإسلامي والواقع.

أثارت تلك النقاشات ضجة واسعة كما هو متوقع

مع أن كل تلك القضايا الجزئية ليست بجديدة على الساحة المعرفية وبعضها قد قُتل بحثاً منذ قرون عديدة ومازال الجدل قائماً عليها، كسؤال "الدولة في الإسلام" وغيرها من القضايا الاجتماعية والسياسية، ومن المفارقات أنه في حلقة حد الرجم كان الضيفان الكريمان من أبناء مدرسة فقهية واحدة بل وتلاميذ مقربين لشيخ واحد وهو العلامة الشيخ القرضاوي حفظه الله، يرى الشيخ الأول بالقتل رجماً بينما يرى "الشيخ "عصام تليمة" صاحب القراءة الثانية العكس تماماً، لكنه في الحلقة الثالثة والتي كانت عن المواريث  وأحكامها عاد الشيخ تليمة إلى مقعد القراءة الأولى مدافعاً عنها مقابل القراءة الثانية! ولكل واحد منهما نص يستدل به على الآخر وتصحيح وتضعيف "نسبي" وادعاء ورمي مبطن بأن الآخر لم يفهم النص ودلالاته اللغوية والشرعية كما ينبغي!.

يُحسب للبرنامج توقيته المهم وذلك لهز فكرة "اليقين المتوهم"، بأن مخّرجات القراءة السائدة هي الحصرية فقط أما غير ذلك فغير مسموح به، ولعل بعض ردود الأفعال المتشنجة ضد أطروحات البرنامج دليل على ذلك!

في هذا الكم الكبير من التضاربات سرعان ما يتبادر إلى الذهن تساؤلات عدة، هل من الممكن  لهذا الجدل الكبير أن يُحسم أم محتم عليه أن يمتد إلى قيام الساعة ؟ وهل كلا الطرفين على صواب أم على خطأ او أن أحدهما مخطئ، وماذا عن ترسانة النصوص وأدوات التشريع التي يستند كل واحد منهما عليها؟ أم إن الموضوع أوسع من أن يكون أزمة نص ويتحول الى أن يكون اضطراباً في منهجية التعامل مع النص والواقع، نتج عنه هذا المشهد الذي لا يكاد أن يحسم؟

"صراعات العقل البياني"

في دراسته التحليلية والنقدية العميقة لنظم المعرفة ومناهج العلوم الإسلامية يرى الفيلسوف والمفكر الكبير يحيى محمد  في كتابه المهم "علم الطريقة" أن ما يظهر من هذه الحوارات المفصلية المشتغلة بالجزئيات كحد الردة وحد الرجم وسؤال الدولة والخلافة والمرأة وغيرها من القضايا السياسية والاجتماعية، ما هي إلا قشور فوقية في مشكلات الفهم الديني ولا تعبر عن حقيقة الصراع الجوهري، وأنها ليست إلا انعكاساً لصراع أعمق في النظام الكلي لفهم الخطاب الديني، فهي إذاً أزمة في البنى التحتية العميقة لتلك المناهج المعرفية، التي يرى أنها تفتقد للتفكير المنهجي "الإبستيمي" المتعلق بدرجة الصحة المنطقية واستُبدل بمنهج تفكير مذهبي جزّمي، وبذلك وقع في مغالطة الدور أو Circular Reasoning.

أي البرهنة على المسألة بنفسها

(س) صواب لأن (ص) صواب

و(ص) صواب لأن (س) صواب.

ولذلك فإنه لا يمكن حسم هذه النقاشات دون إصلاح العطب الموجود في عمق هذه المناهج التي ربما قد لا تكون واضحة حتى للمتحاورين أنفسهم.

ويرى أستاذنا يحيى محمد:

إن تضخم مشكلات هذه الأدوات المعرفية المنتجة لهذا النوع من الخطابات الدوغمائية يعود إلى سببين رئيسين

أولهما غياب "ممارسة النقد الذاتي" وذلك لعدم إحساسهم بالصدمة المعرفية مما ساعد على التوظيف الإيديولوجي للصراع الفكري.

وأما الثاني فالإحساس بالوضوح والاكتفاء والدوغمائية والفهم المفصل.

هذا بشكل عام في نظم المعرفة المعيارية

أما معضلة العقل البياني "خاصة"

فلأنه جعل للنص مرجعية تكوينية وتقويمية ولعدم وضع أي اعتبار للمصادر الأخرى ما لم يتم عرضها على مرجعية النص.

فآلية الاجتهاد عند العقل البياني هي آلية لغوية تبدأ بالنص وتنتهي إليه، وقاعدة الفهم العرفي عندهم تتضمن كُلاً من المعنى اللغوي الحرفي والمعنى المستخدم عرفاً، أي المعنى الشرعي، أو بعبارة أخرى وهي لمحمد عابد الجابري:

 "إن العقل البياني فاعلية ذهنية لا تستطيع ولا تقبل ممارسة أي نشاط إلا انطلاقاً من أصل معطى نص أو مستفاد من أصل معطى (ما ثبت بإجماع أو قياس..)" فالخلاف داخل الدائرة البيانية حول إشكالات البحث في السند والدلالة فقط دون أي اعتبار للواقع وتحدياته.

فكما هو واضح أن هذا الجدل البياني/ البياني

ينطلق من النص وينتهي إليه، مع إهمال أو تجاهل كبير لقوة الواقع ومدى تأثيره على تغيير الأحكام ونسخ بعضها وما إلى ذلك، فالواقع عند البيانيين هو موضع تنزيل للأحكام وليس موضع تغيير وتأثير عليها، ودون وضع أي اعتبار للواقع كفاعل أساسي مساهم مع النص في إنتاج الحكم الديني لا يمكن التبشير إلا بمزيد من التيه والتعقيد وحالة اللاوصول ولن تحسمه قراءة ثانية أو حتى عاشرة!.

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
محمد أمان
طالب جامعي في بريطانيا
محمد أمان طالب بجامعة كينت في إنجلترا، مهتم بالفكر الإسلامي والعلوم الإنسانية وبالأخص مشروع الأستاذ يحيى محمد
تحميل المزيد