بين حانات وفتيات الحي الأدنى في باريس.. كيف تصبح الحياة بعد الهجرة غير الشرعية؟ عن رواية “سان دني”

عربي بوست
تم النشر: 2020/08/04 الساعة 10:20 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2020/08/04 الساعة 11:22 بتوقيت غرينتش

الغربة حكايات[1]

منذ السّطور الأولى، علمت أنّني مقبل على رواية عظيمة. وخاصة حين قرأت اسم المؤلف: علي مصباح. هذا الكاتب الذي عرف أوّلاً بترجمته الرّائعة لـ"نيتشه". بل وصفه البعض بأنّه أفضل من ترجم أفكار عبوة الديناميت الألمانيّة إلى العربيّة. ذلك أنّه يترجم من اللغة الأم للفيلسوف. عكس غيره من يترجمون المترجم فيضيع المعنى أثناء النقل والتحوير حتّى ينقلب إلى شيء آخر غريب بعيداً عمّا عناه وأراده الكاتب الأصلي، ناهيك عن هوامشه الّتي يؤثث بها ترجماته فتساعد من استُعصي عليه المعنى وتقربه له، فيحقق ربّما ما نشده جاك دريدا، تعميم الفلسفة[2]، في كتابه "عن الحق في الفلسفة".

هذا علي مصباح المترجم، أمّا علي مصباح الرّوائي في تجربته الثانية، "سان دني " بعد تجربة أولى ناجحة بشهادة النّقاد، في حارة السفهاء[3] ، يتناول موضوع الهجرة باستعمال الحكي والتخييل بعد سنين أمضاها يتعلم كيف يطوّع حرفه ويسوّغه.

الروائي علي مصباح

يفتتح الكاتب الرّواية بمقاربة تاريخيّة لأولى الإجراءات التي اتّخذتها فرنسا الكوليانيّة في رسالتها المزعومة "نشر الحضارة" بين الشّعوب الإفريقية وغيرها. ثمّ عودة الشعوب لممارساتها القديمة بعد جلاء الاستعمار كنوع من التشفّي، التمرّد والثورة على ما أراده الرّجل الأبيض "مهزومة هي الفاجرة الآن في عقر دارها".

عن طريق التّذكر تارة والسرد تارة أخرى، يمضي الرّاوي في حياكة روايته فيراوح بين ألسن شخصياته، فيخوض في قضيّة اجتماعيّة وعرة المسالك: "الهجرة" على طريقة الطّيب صالح في خالدته "موسم الهجرة إلى الشّمال" ومن خلال شخصيّة "طالب"، تسوقه أحلامه للبحث عن حياة ورديّة سمع عنها الكثير، فيحطّ الرّحال في "باريس" طامعاً أن ينال منابه في "مملكة الخير والرّفاه". يهدم الكاتب بمطرقته، التي استلفها من نيتشه، كلّ الأحلام والأساطير التي حيكت حول "جنّة الله الموعودة" ما يحيلنا إلى أفول للأصنام التي طالما أسالت لعاب الحالمين من شباب أجّل حياته وآماله إلى ما وراء البحر.

يصف علي مصباح مشاعر الخوف والانقباض مختلطين بالنشوة والترقّب والتفاؤل التي تختلج داخل المهاجر، من خلال مجموعة من الأحداث الّتي يمرّ بها مجموعة من الشّباب التونسيين في رحلتهم نحو العاصمة الشّقراء "باريس". يكتفي الكاتب بالوصف تاركاً للقارئ التّحليل فيوفي بذلك للمدرسة النّيتشويّة، والدولوزيّة[4] إن صحّ التّعبير، والّلتين تنبذان التّحليل النفسي وترفضانه لما فيه من علاقة فوقيّة شبه-كهنوتيّة، حيث يقوم المحلّل النفسي محلّ الرقيب والمحاسب للحالة موضوع التحليل.

على امتداد الرواية، يوزّع الكاتب البطولة بين مجموعة من المهمّشين في بلاد "الغربة"، بين الطالب "عادل" (الرّاوي) الذي يهيم على وجهه طالباً رزقه، وعلي التّومي، الذي يشابه في أوصافه الكاتب نفسه، والّذي اتخذ من ضاحية "سان دني" مستقرّاً "ديناميكيّاً" له، فيعيش في حالة حركة دائمة يخوض من خلالها معركة الهويّة والانسجام وفرض الذّات من جهة، والانتقام من الآخر (الفرنسيين/المرأة/المجتمع) من جهة أخرى.

تتوالى الفصول في الرّواية بين نقاشات مجموعة من الطّلبة اليساريين في المبيت الجامعي، المنقسمين بين ماويين وتروتسكيين، وبين غواية الشقراوات والشوارع تضيع الأحلام التي كانت "حقاً مشاعاً للجميع"، ثمّ يذوب أبطال الرّواية في شوارع باريس الذهبيّة بين مناكفات الرّفاق والنقاشات الدّاخليّة الحادّة التّي يرويها الرّاوي ما يحيل إلى ما تعيشه النخب المهاجرة من تخبّط وضياع بين وطن يمدّ يده مستجدياً وبلاد ظنوّها جنّة فإذ بها تشقلبهم في حاناتها أعواماً دون أن ينالوا منها شيئاً. ممّا يمكن أن يفهم أنّه محاولة من الكاتب لتفكيك أزمة الهويّة عند المهاجرين العرب، والتي تناولها كثيرون غيره، ويحاول أيضاً تحديد أصول الصّراع المتواصل إلى اليوم بين نخب اليسار العربي (وهي انعكاس لأزمة ماي 68 وما نتج عنها). وبين كلّ هذا تمضي السّنون بعادل (الطّالب الرّاوي) الذي يمتهن عدّة مهن من أجل معركة البقاء الّتي صارت واقعاً محتوماً بعد أن انتهت كلّ الأحلام.

ينهل الكاتب من العالم السفلي لباريس أثناء سرده الذي يضمّنه تأمّلات فلسفيّة وقراءات سوسيولوجيّة نلمسها خاصة من خلال إعادة صياغة بعض الأفكار والمشاهد: كمشهد معانقة فتيات الفرانسيس للشبّان أو جلوس الرّاوي على الكرسي الخشبي في الحديقة وهي عادة فلسفيّة يعتمدها نيتشه أيضاً، مع الاستدلال بأقوال وأفكار فلاسفة عظام كألبير كامي، ثم أخيراً قراءات وصفيّة (ربّما إتنوغرافيّة) لمواقف وحوادث يمرّ بها المهاجرون في رحلتهم بين طالب وباحث عن عمل وباحث عن ذات.

رواية "سان دني" تتناول قضيّة مسّت جيلاً بأسره، في المنطقة العربية (خاصة شمال إفريقيا)، هو جيل الكاتب ممن كانوا يمرّون بالجمارك ويركبون البواخر التي يلقون منها أحذيتهم (إشارة لللاعودة)، و يكوّنون فيها صداقات كتلك التي جمعت أبطال الرواية مع الرفرافي الذي غادرها سريعاً منذ البداية بعد أن رفضت تأشيرته فقط لأنّه "عامل يومي". وكأن لا يحقّ له حتّى التّظاهر أنه "توريست = سائح"، ناهيك عن ممارسة السياحة إن استطاع لها سبيلاً. ربّما يعود الرّفرافي[5] مع الجيل الموالي ليكمل قصّته ويحقق "حلمه" بسيّارة فخمة و"شقراء" إلى جانبه. لكن هذه المرّة عبر "قوارب الموت" بعد أن أغلقت في وجهه الأبواب "الشّرعيّة". هل سيجد هو ورفاقه ممّن تقطّعت بهم السّبل في الوطن المسلوب، من يوثّق مأساتهم ويعالجها كما فعل "علي مصباح" مع رفاقه السّابقين؟ ربّما سيوثقونها بأنفسهم، لو عاشوا!

المراجع:

[1] عنوان أغنية شعبيّة تونسيّة تتناول معاناة الرغبة خارج الوطن.

[2] الحق في الفلسفة للجميع

[3] "حارة السفهاء".. ملهاة في التاريخ التونسي الحديث

[4] نسبة إلى جيل دولوز، فيلسوف فرنسي عاش في النصف الثّاني من القرن الماضي.

[5] شخصيّة في الرّواية

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

هيثم المدّوري
مهتم بالأدب والفلسفة والتاريخ
مهندس تونسي، درستُ هندسة الميكاترونيك وأعمل حالياً مع شركة ألمانية متخصصة في صناعة كوابل السيارات، لديَّ اهتمام بالأدب والفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع. أقرأ لنيتشه وهشام جعيط، ومحمد عابد الجابري، وبيير بورديو، وجورج باتاي، وجيل دولوز، وأخيراً: البشير خريف. أكتب المقالة السياسية والثقافية، وأقوم بمراجعات للكتب، كما أحضر بانتظام في الندوات الثقافية والمحاضرات.
تحميل المزيد