لمحبِّي الحكايات والسفر.. لماذا عليك أن تقرأ مثلي كتاب أسعد طه؟

عربي بوست
تم النشر: 2019/11/08 الساعة 11:46 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2019/11/08 الساعة 11:46 بتوقيت غرينتش
لا تخبِّئ أفكارَك، إذا خبَّأتها فستَنسى فيما بعد أين وضعتها

يحكى أنّ: ترَكَ ندبة في الذات والحرب والثورة في كتابه "يحكى أن".. أقنعني أسعد طه بأن للأماكن أرواحاً، واكتشفت أيضاً أن للكتب أرواحاً، يسافر بك في جولة حول العالم، يجعلك تتعرف على بلاد لم تسمع عنها قط، وأخرى سمعت عنها ولكن لا تعرفها إلا اسماً، في أغلب أماكن الحرب التي غطّاها ضمن عمله كصحفي يتساءل الناس: "هل يعرف شعبك عنا شيئاً؟".

يسرد بطريقة لطيفة سلسة، من شدة جمال السرد تتمنى ألا ينتهي الكتاب، وتتشبَّث بآخر الصفحات..

سرده قريب من القلب يعزف على وتر الحنين؛ الحنين للأرض، للحرية، للوطن.

وحتى في غلاف الكتاب ترك لمسته الخاصة؛ الصفحات متلاصقة مع بعضها البعض، يتركك تفتحها بنفسك، ولكن يجب أن تكون حذراً للغاية لكي لا تؤذي الحكاية، وليس الصفحات، بين كل حكاية وأخرى يُبكيك ويُضحكك، يجعلك تسرح، ويذكرك دوماً: إذا ما مرَّت بك حكاية فلا تتركها تمرّ. 

عندما تم اعتقاله، وهم يريدون ترحيله وأصدقائه لأحد السجون تفاجأوا عند وصولهم بأنه ممتلئ، لذا قرَّر العساكر أن ينقلوهم إلى سجن غيره، فيما لم يتوقفوا عن إطلاق النكات طوال الطريق إلى معتقلهم الجديد، وقال أحدهم بروح مازحة لا تتناسب مع جدية الموقف: كان يجب عليهم الاتصال وحجز مهجع قبل قدومنا.

يقول إن أفضل مَن يصنع المقاومة والمعارضة -حتى الإرهاب- هم رجال الأمن في معامل الاعتقال. من المواقف الطريفة أن أحد المسنين المتدينين في السجن طلب من شخص من المحكوم عليهم بالمؤبد أن يصلي، فردَّ الرجل سريعاً: "لا يا مولانا أنا مش عايز أروح في داهية"، وأي داهية أكثر من حكم بالمؤبد عليه! ويضيف: "السجن مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق، نعَم.. السجن مدرسة عافانا الله منها".

ثمَّ مواقف مرَّ بها يصفها بقوله: "هناك مواقف أصعب من مواجهة رصاصة أو قذيفة، هنالك حكايا أشد…"

وهاهو صديقي صبري يجسد إحدى هذه الحكايا، فيختصر ثلاث سنوات في سجن نظام الأسد "عندما كنت أصلي دعوت ربي دعوة واحدة: يارب لماذا لم تُمتني؟ دعني أرتاح يا رب"، بعد خروجه من السجن يقول: "بقي السجن معي، وأتعبني أكثر من فترة السجن ذاتها".

يوصينا بـ: "حفظ حكايا المظلومين، حكايا الشهداء، بتوثيق ثورتنا، الإخفاقات والنجاحات، الأبطال والخونة، صعِّبوا عليهم تزوير التاريخ، أغرِقوهم بالحقائق، دعوا أولادكم وأحفادكم يردِّدون حكاياتكم، لا تستصغِروا فعلَكم، لا تحتقروا معروف وثيقة، وكما يمكن أن ينجينا من النار شق تمرة، يمكن أن ينجينا شق عدسة، وشق كلمة".

كان يعشق بعض الأماكن، فكتب يوماً: "عليك أن تعمل الصالحات حتى تدخل الجنة في الآخرة، أما في الدنيا فيمكنك الذهاب إلى (سراييفو)؟" و كان أكثر ما يحب في المدن دائماً أحياءها القديمة، ربما لأنها تشبهه.. قديمة.

طريق ثورات الربيع العربي لَحبٌ واضح، لن تنصاع لصُور كاذبة، ما ضر لو تودعنا مع أوطاننا وألقينا السلام! يعدنا بالعودة لأوطاننا كما عاد "تتار القرم" الذين هجَّرهم ستالين، 250 ألف تتاري تم تهجيرهم خلال 3 أيام بواسطة قطارات تُستخدم لنقل الحيوانات، وقضى خلال عملية التهجير تلك 46.2% منهم، نتيجة المرض والجوع والظروف المعيشية والمعاملة السيئة، يقول: "لا تضيعوا المفاتيح، ولا الصكوك، صحيح أنه قد يطول زمن الطغاة، لكنهم دوماً يسقطون، اسألوا أهل (القرم)"، سلام على هذه الأرواح الطاهرة، وعلى الظالمين لعنة الله.

يُربِّتُ على أكتافنا بأن كل الذين قاوموا ربما أثخنتهم الجروح، لكنهم عاشوا، وكل الذين استسلموا ماتوا وإن ظلوا أحياء.

ويُردف قائلاً: "في بعض معارك الحياة يكون كل ما عليك هو أن تبدأ، وأن تُصلح مسارَك وأنت تسير، لا تنتظر دعماً من أحد، ولا معطيات مثالية، المسألة ببساطة هكذا، الحلم مثل الحب، لا ينتظر تأجيلاً ولا تسويفاً".

قال الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف: "لا تخبِّئ أفكارَك، إذا خبَّأتها فستَنسى فيما بعد أين وضعتها"!

أعرف منذ زمن بعيد أن البقاء لله، لكن هأنذا أعرف من جديد أن "السند" لا بقاء له، عندما فارقت الحياة أخته.

يترك أثراً لا يُنسى عن الموت "الموت مجهول، مهما أخبرتنا عنه الكتب فإنه مجهول لا نعرف عالمه ولا مفرداته، ولا يمكن أن نراه هنالك، أحقٌّ ما يقال من أنك ستجد نفسَك فجأة تعلو وتعلو وتنظر، فترى جسدك مسجى وقد أحاط به محبوك يبكونك وأنت لا تستطيع الحِراك؟ هل ستلتقي حقاً بمن تحب، فيستقبلك استقبال العائد من السفر، ثم تجلس فتحكي لهم آخر أخبار الدنيا؟ لا أحد يعلم، ولا أنا، وعندما أعلم لن أستطيع هذه المرة أن أعود (فأحكيها حكايات)". 

ويختم كتابه بهذه الأمنية "أمنيتي الأخيرة أن أفعل فعل النسر، فإنه إذا ما شعر بدنو أجله حلَّق عالياً إلى أن يأتيه الأجل محلّقاً".

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
إياد السمعو
مدون وطالب جامعي
درست الاقتصاد لمدة عامين في جامعة حلب، ثم انتقلت إلى تركيا، وبدأت دراسة نظم معلومات إدارية، في السنة الرابعة حالياً، كتبت في «ساسة بوست» و«مدونات الجزيرة» و«مقال كلاود»، مهتم بالقراءة والكتب وثورات الربيع العربي، وخصوصاً الثورة السورية، لأنها مَن صنعتني، وإليها الجهد كله.
تحميل المزيد