يغيّر جغرافيا الجنوب السوري.. مصادر تكشف تفاصيل عن حزام عسكري جديد يبنيه الجيش الإسرائيلي على امتداد القنيطرة 

عربي بوست
تم النشر: 2026/08/13 الساعة 10:45 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/08/13 الساعة 10:45 بتوقيت غرينتش
حزام عسكري في الجنوب السوري تقيمه إسرائيل لفرض وقائع جديدة / عربي بوست

أفادت مصادر ميدانية لـ"عربي بوست"، بتفاصيل عن شروع إسرائيل بناء حزام عسكري في الجنوب السوري، جديد، على امتداد محافظة القنيطرة من جبل الشيخ إلى اليرموك، يغير جغرافيا المنطقة.

الحزام العسكري الجديد، يتجاوز التحصينات الحدودية التقليدية، عبر مشروع هندسي طويل يمتد من سفوح جبل الشيخ شمالاً باتجاه حوض اليرموك جنوباً، ويجمع بين طريق عسكري وخنادق وسواتر ترابية ونقاط مراقبة ومواقع انتشار، في تحول يفرض واقعاً أمنياً مختلفاً على الجانب السوري من الجولان.

المشروع المعروف إسرائيلياً باسم "سوفا 53″، بدأ جيش الاحتلال تنفيذ أجزاء منه قبل سنوات، لكن وظيفته توسعت بصورة واضحة منذ بدء الاجتياح الإسرائيلي للجنوب السوري، إذ أصبح يتكامل مع انتشار إسرائيلي داخل المنطقة العازلة ومحيطها، ومع شبكة من المواقع العسكرية المستحدثة على طول الجبهة، بحسب المصادر.

تشير المعطيات الميدانية إلى أن المشروع يمتد لمسافة تقارب 70 كيلومتراً، وأن نحو 80% من أعماله باتت منجزة، فيما تتركز الأجزاء المتبقية بصورة أساسية باتجاه جنوب القنيطرة. 

ويتفاوت عمق الأعمال داخل الأراضي السورية بحسب طبيعة المنطقة، من مئات الأمتار في بعض المواقع إلى نحو كيلومتر في مواقع أخرى.

حزام عسكري في الجنوب السوري: من جبل الشيخ إلى الجنوب

تكمن أهمية المشروع أساساً في جغرافيته، فهو يبدأ من بيئة جبلية شديدة الحساسية في محيط جبل الشيخ وعين التينة، ثم يمر بريف القنيطرة الشمالي باتجاه جباثا الخشب، قبل أن ينتقل إلى المناطق الأكثر انفتاحاً في وسط المحافظة، خصوصاً بريقة وتل عكاشة وصيدا الجولان، وصولاً إلى محيط حرش كودنا في الجنوب.

من هناك تصبح المرحلة المتبقية أكثر حساسية، إذ يقترب المسار من الرفيد والمناطق المتصلة بحوض اليرموك، وصولاً إلى الجغرافيا القريبة من المثلث السوري–الأردني–الإسرائيلي.

هذا الامتداد يمنح المشروع قيمة تتجاوز إنشاء حاجز على الحدود، ففي الشمال، توفر مرتفعات جبل الشيخ مجال مراقبة واسعاً باتجاه القنيطرة وريف دمشق الغربي، بينما تمنح التلال المنفردة في وسط المحافظة، ومن بينها تل عكاشة، نقاط إشراف على الطرق والأراضي المفتوحة. 

أما جنوباً، فتزداد أهمية المسار مع الاقتراب من شبكة الطرق والممرات المؤدية إلى حوض اليرموك والحدود الأردنية.

أفاد مصدر عسكري سوري مطلع على الوضع في المنطقة الجنوبية لـ"عربي بوست" بأن أهمية المشروع بالنسبة إلى إسرائيل "لا تكمن في الخندق بحد ذاته، وإنما في ربط التضاريس المرتفعة بالمواقع العسكرية ومحاور الحركة ضمن منظومة واحدة".

بحسب المصدر ذاته، فإن القراءة السورية بالنسبة للتحركات الإسرائيلية "تقوم على أن حكومة نتنياهو تعمل على بناء نطاق أمني متدرج غرب القنيطرة، يسمح لها بمراقبة الحركة من مسافة أبعد، وليس فقط حماية السياج المقابل للجولان".

ماذا تبني إسرائيل فعلياً؟

يتكون المشروع في أجزاء منه من طريق عسكري يصل عرضه إلى نحو ثمانية أمتار، ترافقه سواتر ترابية يصل ارتفاع بعضها إلى قرابة خمسة أمتار، إلى جانب خنادق بعمق مماثل في بعض المواقع، لكن العنصر الأكثر أهمية عسكرياً هو ارتباط هذه المنشآت ببعضها.

فالخندق يعرقل حركة المركبات والأفراد، والسواتر تفرض مسارات محددة للحركة، فيما تؤمن المواقع المرتفعة المراقبة، ويسمح الطريق العسكري بتحريك الجنود والآليات بين القطاعات المختلفة دون الاعتماد على الطرق المدنية.

تشير المعلومات الميدانية من هناك، إلى وجود نحو 11 موقعاً عسكرياً إسرائيلياً على امتداد المنطقة المحاذية للجولان ضمن الانتشار الجديد، وهو ما يحول الطريق والتحصينات تدريجياً إلى شبكة عسكرية مترابطة بدلاً من مجموعة مواقع منفصلة.

يشرح ضابط سوري مطلع على جغرافية المنطقة لـ"عربي بوست" أن "الجمع بين العائق الهندسي ونقطة المراقبة وطريق الإمداد هو العنصر الأهم في المشروع"، مضيفاً أن بعض التلال التي سيطرت عليها إسرائيل أو عززت وجودها حولها "تكتسب قيمة أكبر من مساحتها لأنها تكشف طرق الحركة في محيط واسع".

جنوب القنيطرة.. الجزء غير المكتمل

تتركز الأنظار حالياً على القطاع الجنوبي، حيث وصلت الأعمال إلى محيط حرش كودنا، بينما ما تزال مناطق بينها الأصبح والعشة والرفيد وصيدا والمعلقة خارج الجزء المنجز من المشروع، وفق المعلومات الميدانية المتوافرة.

تشير تقديرات محلية إلى وجود نحو 12 قرية لم تصل إليها الأعمال بعد، ما يجعل اتجاه المرحلة الأخيرة عاملاً أساسياً في تحديد الحدود الفعلية للنطاق العسكري الجديد.

يقول مصدر عسكري سوري لـ"عربي بوست" إن الجانب السوري يتابع بصورة خاصة التقدم باتجاه الجنوب، لأن وصول البنية العسكرية بصورة متصلة إلى حوض اليرموك يعني إنشاء محور يمتد عملياً على معظم الجبهة المقابلة للجولان، من جبل الشيخ وصولاً إلى المنطقة القريبة من الحدود الأردنية.

ويضيف المصدر أن السؤال بالنسبة إلى دمشق لم يعد متعلقاً فقط بحجم التوغل الإسرائيلي الحالي، بل بما إذا كانت المواقع والتحصينات التي يجري بناؤها ستتحول إلى بنية دائمة، تستخدمها إسرائيل لاحقاً لفرض شروط أمنية في أي مفاوضات مستقبلية.

آلاف الدونمات خلف السواتر

بالتوازي مع البعد العسكري، أحدث المشروع تغييراً مباشراً في حياة سكان القنيطرة، خصوصاً المزارعين ومربي المواشي.

ففي عدد من المناطق لم تُصادر الأرض بالمعنى التقليدي، لكنها أصبحت خلف السواتر أو ضمن نطاقات عسكرية لا يستطيع أصحابها الوصول إليها.

تحدثت مصادر محلية لـ"عربي بوست" عن نحو سبعة آلاف دونم متضررة في منطقة جباثا الخشب، إضافة إلى آلاف الدونمات في الحميدية والحرية ومحيطهما. 

وتذهب تقديرات أوسع إلى أن مجموع الأراضي التي تأثرت بالمشروع وبالقواعد والنقاط العسكرية الإسرائيلية المستحدثة يصل إلى عشرات آلاف الهكتارات من الأراضي، دون إمكانية التأكد من مواقعها بدقة.

ولا تقتصر الخسارة على المساحات التي تمر فوقها التحصينات مباشرة. فإغلاق طريق زراعي قد يعزل حقولاً كاملة، والسيطرة على منطقة رعي ترفع كلفة تربية المواشي، بينما أصبحت بعض الأشجار المثمرة ومصادر المياه خلف السواتر أو داخل مناطق يصعب على أصحابها الوصول إليها.

وتكتسب هذه التداعيات أهمية خاصة في القنيطرة بسبب اعتماد نسبة كبيرة من سكان الريف على الزراعة وتربية المواشي، ما يعني أن تغيير الجغرافيا العسكرية ينتج بالتوازي تغييراً اقتصادياً واجتماعياً في القرى المحاذية للمشروع.

التحركات الإسرائيلية في الجنوب السوري في يونيو 2026 / عربي بوست
التحركات الإسرائيلية في الجنوب السوري في يونيو 2026 / عربي بوست

إسرائيل تتحضر لتهديد مستقبلي

الرؤية الإسرائيلية المعلنة للمشروع تقوم على بناء منظومة قادرة على إبطاء أي قوة تحاول الاقتراب من الجولان، ودفعها نحو ممرات يمكن مراقبتها والسيطرة عليها بالنيران، بحسب مصادر عسكرية سورية.

لكن اللافت أن التخطيط الإسرائيلي لا يرتبط بخصم محدد، والتصريحات العسكرية الإسرائيلية المنشورة حول المشروع تشير إلى أن الجيش يبني ترتيباته انطلاقاً من القدرات التي يمكن أن يمتلكها أي طرف على الجانب السوري مستقبلاً، وليس فقط من هوية القوة الموجودة هناك حالياً، بحسب تقرير نشره مراسل صحيفة "يديعوت أحرنوت" الإسرائيلية.

ويقول مصدر دبلوماسي سوري مطلع على الملف لـ"عربي بوست" إن دمشق تنظر إلى الإجراءات الحالية باعتبارها محاولة لتأسيس "وقائع ميدانية يمكن تحويلها لاحقاً إلى أوراق تفاوضية"، خصوصاً أن إسرائيل تنفذ أعمالاً هندسية وتثبت مواقع عسكرية في منطقة ظل وضعها محكوماً لعقود باتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

هل يتغير خط 1974؟

يشكل اتفاق فض الاشتباك السوري–الإسرائيلي المرجعية الأساسية للوضع العسكري في الجولان منذ عام 1974، إذ أنشأ منطقة فصل وحدد قيود الانتشار وأسس لمهمة قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك "أندوف".

لكن الواقع الميداني الحالي أصبح مختلفاً، متمثلاً بوجود عسكري إسرائيلي داخل مناطق سورية، مواقع جديدة، طرق عسكرية، خنادق وسواتر، ومساحات أصبح وصول السكان إليها مقيداً.

ويقول إن الأولوية السورية تتمثل حالياً في منع تحول الانتشار الإسرائيلي إلى واقع دائم يمكن تثبيته لاحقاً في أي تسوية سياسية أو أمنية.

ويضيف المصدر أن دمشق تميز بين المطالب الإسرائيلية المتعلقة بأمن الحدود وبين "إعادة رسم المنطقة الأمنية من جانب واحد"، وترى أن استمرار بناء المنشآت وربط المواقع ببعضها يجعل العودة لاحقاً إلى ترتيبات ما قبل سقوط النظام السابق أكثر تعقيداً.

لا تمتلك دمشق حالياً هامشاً عسكرياً واسعاً لتغيير هذا الواقع، في ظل إعادة بناء المؤسسة العسكرية وتعدد الملفات الأمنية الداخلية، ومكافحة تنظيم الدولة، ولذلك يتركز التعامل السوري في هذه المرحلة على المسارين السياسي والدبلوماسي وعلى التمسك باتفاق 1974 كمرجعية لأي ترتيبات مستقبلية، بحسب المصدر الدبلوماسي السوري ذاته.

وبذلك، لا تبدو معركة "سوفا 53" مرتبطة بخندق بطول 70 كيلومتراً فقط، بل بالسؤال عن الجغرافيا التي ستستقر عليها الحدود السورية–الإسرائيلية مستقبلاً.

ويتابع: "إذا اكتمل ربط جبل الشيخ بوسط القنيطرة ثم حوض اليرموك عبر شبكة من المواقع والطرق والتحصينات، ستكون إسرائيل قد بنت على الأرض نطاقاً أمنياً جديداً من دون الإعلان رسمياً عن منطقة عازلة جديدة، وهذا تحديداً ما تخشى دمشق أن يتحول، مع مرور الوقت، من إجراء عسكري فرضته مرحلة استثنائية إلى أمر واقع يدخل لاحقاً في أي مفاوضات حول مستقبل جنوب سوريا".

تحميل المزيد