دعاء الراهبة لمقاتلي حزب الله في لبنان.. جدل ووجهات نظر متناقضة إليكم أبرزها

عربي بوست
تم النشر: 2024/04/01 الساعة 13:15 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2024/04/02 الساعة 06:11 بتوقيت غرينتش
جنود إسرائيليون يقفون بالقرب من دبابة بالقرب من حدود إسرائيل مع لبنان/ رويترز

اتهمها البعض بأنها "تغسل أدمغة الأطفال" بينما أثنى البعض الآخر على موقفها. إنها راهبة مسيحية طلبت من تلاميذ في لبنان الدعاء لمقاتلي حزب الله الذين يقاتلون إسرائيل، فما القصة؟

كان مقطع فيديو لراهبة لبنانية تقف أمام مجموعة من الطلاب الصغار في مدرسة مسيحية وتطلب منهم الصلاة من أجل "رجال المقاومة" في جنوب لبنان، قد انتشر على الإنترنت خلال شهر مارس/آذار 2024، مثيراً حالة من الجدل في الفضاء الإلكتروني اللبناني.

وكالة The Associated Press الأمريكية تناولت القصة في تقرير لها رصد حالة الجدل الكبير بعد انتشار مقطع الفيديو للراهبة وهي تصلي من أجل مقاتلي حزب الله، فالراهبة مسيحية وحزب الله مسلمون شيعة.

مسيحية تصلي من أجل حزب الله الشيعي

الراهبة اللبنانية اسمها مايا زيادة، ورجال المقاومة الذين أشارت إليهم هم مقاتلو جماعة حزب الله الشيعية اللبنانية، التي تخوض اشتباكات مع إسرائيل على طول الحدود المضطربة منذ ما يقرب من 6 أشهر، وقد أصبحت الجماعة طرفاً ذا تأثير حاسم في مسار المنطقة، لا سيما في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة.

ومع انتشار مقطع الفيديو على شبكة الإنترنت، ثار غضب بعض الناس الذين اتهموا مايا زيادة بـ"غسل أدمغة" الأطفال وفرض آرائها السياسية، إلا أن آخرين احتشدوا لدعمها، وأثنوا على موقفها ووصفوه بالموقف الشجاع والمشرِّف.

وأبرزت هذه الحرب الكلامية شيئاً من الخلافات الكبيرة والغائرة في لبنان بشأن حزب الله، واشتدت هذه الانقسامات الآن بسبب الاشتباكات الحدودية بين لبنان وإسرائيل، والمخاوف من احتمال جر لبنان -المأزوم بالفعل- إلى حرب شاملة، بحسب تحليل الوكالة الأمريكية.

انقسامات في لبنان

نقلت الوكالة الأمريكية عن سامي نادر، مدير معهد العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف في بيروت، قوله إن "هناك انقسامات (سياسية) حادة بشأن سلاح حزب الله"، و"على الرغم من الدعم الواسع للقضية الفلسطينية، فإنه توجد خلافات بشأن درجة هذا الدعم، ووسائل تقديمه".

وزعمت "أسوشيتد برس" أنه على الرغم من أن حزب الله لديه تحالفات مع شخصيات وطوائف دينية أخرى في لبنان، فإن قاعدة تأييده ترتكز إلى الطائفة الشيعية في المقام الأول، ويتهم كثير من اللبنانيين المسيحيين والسنة الجماعةَ باختطاف البلاد.

لبنان
البرلمان اللبناني- الأناضول

لكن في الوقت نفسه، نشرت مجموعة الأزمات الدولية أواخر مارس/آذار تحليلاً للموقف على الحدود بين لبنان وإسرائيل، خلصت فيه إلى أنه على الولايات المتحدة أن تزيد من جهودها الدبلوماسية بهدف منع اندلاع حرب شاملة، ستكون مدمرة تماماً بالنسبة للبنان ولإسرائيل على حد سواء، وسوف تشعل تلك الحرب فتيل مواجهة أشمل يبدو أن مؤشراتها باتت حاضرة بقوة في المنطقة، عبر الهجمات التي تتعرض لها القوات الأمريكية والرد الأمريكي على تلك الهجمات.

ماذا قالت الراهبة للأطفال؟

ومع ذلك، أثار خطاب الراهبة مايا زيادة اهتماماً كبيراً، وغضباً لدى بعض الناس، لأنه جاء من شخصية دينية مسيحية. إذ قد دعت الراهبة في مقطع الفيديو إلى الدعاء لـ"أطفال الجنوب، ولأهالي الجنوب، ولأمهات الجنوب، و… لرجال المقاومة"، و"إذا لم نصل لهم، نكون خونة".

وقد أثار هذا الوصف مخاوف لدى كثيرين، وأشار بعضهم إلى صغر سن المخاطبين، إلا أن آخرين رأوا أن في خطابها رسالة محبة، لا سيما في دعوتها للصلاة من أجل أهالي جنوب لبنان.

وقالت الراهبة للأطفال: "في الجنوب، تلاميذ في مثل سنكم يقولون: (ليست لدينا أحلام سوى حماية أرضنا)".

أنطونيوس طوق، الناشط المسيحي اللبناني المناهض لحزب الله والمُوالي لحزب القوات اللبنانية، انتقد الراهبةَ في تغريدة على موقع إكس (تويتر سابقاً)، ودعا البطريركية المارونية إلى "أخذ التدابير اللازمة، لأن أطفالنا يتعرضون لغسل الأدمغة".

ترحيب واعتباره دعماً للمقاومة

في المقابل، قال جبران باسيل، رئيس حزب التيار الوطني الحر، أبرز حلفاء حزب الله من الأحزاب المسيحية، في تغريدة، إن الراهبة مايا زيادة حين طلبت من تلامذتها أن يصلوا للجنوب برجاله ونسائه وأطفاله وشهدائه، "إنما هي تطبق بذلك تعاليم السيد المسيح".

ويقول مسؤولون في حزب الله إن الضربات التي تشنها الجماعة اللبنانية عبر الحدود هي دعم لغزة، وإشغال لجزء من قوات الاحتلال الإسرائيلية التي كانت ستسلط كامل قوتها على المقاومة الفلسطينية في غزة لولا هذه الاشتباكات.

وقالت رندا سليم، الزميلة البارزة في "معهد الشرق الأوسط" الأمريكي، إن منتقدي حزب الله في لبنان يرون أن مشاركة الحزب في القتال تذكير لهم بأن سلاح الجماعة "ليس فقط تهديداً للسلام الداخلي، وإنما هو أداة تمنح حزب الله احتكاراً لقرارات الحرب والسلام خارج هياكل الدول اللبنانية. فهذه قرارات وجودية للشعب اللبناني، ومع ذلك لا يُشارك ممثلوه في صنعها".

وقالت لينا الخطيب، الزميلة المشاركة في مركز تشاتام هاوس البريطاني للأبحاث، حتى حلفاء حزب الله بين المسيحيين غير مرتاحين لما وصفته بـ"القرار الأحادي الجانب من الحزب بإثارة معركة مع إسرائيل"، "لكن هذا لم يُترجم إلى انقسام بين حزب الله وأبرز حلفائه من الأحزاب المسيحية".

هل يحمي سلاح الحزب لبنان؟

يرى باسيل، زعيم التيار الوطني الحر، أن قوة الردع التي يتمتع بها حزب الله تمنع إسرائيل من شن حرب شاملة على لبنان. لكنه قال أيضاً إنه يعارض موقف حزب الله الذي أعلن فيه أنه لن يتوقف عن مهاجمة المواقع الإسرائيلية إلا عند الاتفاق على وقف لإطلاق النار في غزة.

قالت الوكالة الأمريكية إن الشيعة اللبنانيين في الجنوب كانوا أشد الناس تضرراً من الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان الذي دام 18 عاماً، وتقول إسرائيل إنه انتهى في عام 2000. لكن لبنان يقول إن إسرائيل لا تزال تحتل المنطقة المتاخمة لما يُعرف بالخط الأزرق على الحدود، ومزارع شبعا، وتلال كفرشوبا، والقسم الشمالي من منطقة الغجر، ونفق الناقورة.

هجمات الاحتلال على لبنان
الاحتلال شن غارات واسعة على لبنان/ الأناضول

وقال حسين خليل، وهو صاحب شركة سياحية شيعية، إنه يعتقد أن ضربات حزب الله عبر الحدود كانت ضرورية، ليس فقط لدعم الفلسطينيين، ولكن لأنه "ما أن تفرغ إسرائيل من حربها على غزة، فإنها كانت ستتجه نحو لبنان، لو لم يتدخل حزب الله". وقال إن أعماله قد تضررت، إلا أنه يرى مثل هذه الخسائر أذىً قصير المدى.

وأوضح خليل: "أنا لا أدعم حزب الله فقط، بل كل من يدافع عني وعن كرامتي وحقوقي، ما داموا قادرين على هزيمة العدو الإسرائيلي وحماية اللبنانيين"، إذ إن "إمكانات الدولة (اللبنانية) محدودة".

إسرائيل وحربها على غزة

من جهة أخرى، انتقد كثير من اللبنانيين السُّنة حزب الله على مر السنين، ومع ذلك، يقول كثيرون منهم إن الهجوم الإسرائيلي على غزة ومحنة الفلسطينيين أكبر من مخاوفهم من سلاح الحزب، ولذلك فهم يقفون مع حزب الله على أرضية مشتركة من الحرب على غزة.

وقال عابد نخلة، وهو لبناني من أحد أحياء بيروت ذات الأغلبية السنية، إن "المجازر التي ارتكبها العدو الإسرائيلي والدمار الذي يحُدثه لا بد أن تتوقف. ربما أخالف حزب الله في أمور، لكنني معه في هذه القضية". وعلاوة على ذلك، انضم بعض المقاتلين السنة إلى مقاتلي حزب الله على الحدود.

الحرب على غزة
آليات الاحتلال المتوغلة في قطاع غزة- الأناضول

إذ يخشى كثير من اللبنانيين من أن إسرائيل إذا ما تمكنت من القضاء على المقاومة في قطاع غزة، سيكون الدور على حزب الله، وهذا ما يعبر عنه كبار المسؤولين في تل أبيب علناً. لكن تعرض القوات الأمريكية في المنطقة لهجمات متكررة واضطراب الملاحة في البحر الأحمر بسبب فرض الحوثيين في اليمن حصاراً لمنع السفن من التوجه إلى إسرائيل، ربما تكون عوامل ضغط على واشنطن كي تكبح جماح إسرائيل وتتوقف الحرب قبل أن تتحول إلى مواجهة أعم وأشمل.

وكان هجوم الأردن الذي أسفر عن مقتل 3 وإصابة أكثر من 30 من قوات أمريكا قد وضع الرئيس جو بايدن في مأزق من العيار الثقيل، مع اقتراب السيناريو الكارثي الذي تقول إدارته، منذ البداية، إنها حريصة على تجنبه، بحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية.

لا أحد يريد حرباً شاملة

أدى القتال على طول الحدود إلى نزوح كثيرين من جنوب لبنان ومن مستوطنات الشمال الإسرائيلية، وتسببت هجمات إسرائيل في سقوط ضحايا وأضرار واسعة النطاق في البلدات والقرى.

وقالت لينا الخطيب، من مركز تشاتام هاوس البريطاني، إن أغلبية كبيرة من اللبنانيين "لا يريدون اندلاع حرب شاملة بين حزب الله وإسرائيل"، وهي ترى أن هذا الرأي يتجاوز الاختلافات الطائفية.

في غضون ذلك، قال الأب يوسف نصر، أمين عام المدارس الكاثوليكية في لبنان، إن بعض أهالي الأطفال في قرية غبالة الجبلية، اشتكوا من خطاب الراهبة مايا زيادة، لكنه نفى التقارير التي زعمت أنها أقيلت من العمل بالمدرسة، وقال لوكالة "أسوشيتد برس" إن الراهبة تقضي بعض الوقت في الدير طلباً للعزلة والتأمل.

وقال نصر إن وسائل الإعلام بالغت في تناول الواقعة، وأشار إلى أن المدرسة تحترم حرية الرأي، "لكننا نفضل ألا تُناقش في أوقات الدراسة أي أمور خلافية قد يوافق عليها بعض أولياء الأمور ويرفضها آخرون".

تحميل المزيد