بانسحاب قواتها من العراق، تطوي الولايات المتحدة مهمة عسكرية استمرت 12 عاماً، لكنها تحتفظ بعلاقات ومصالح تتجاوز وجود القوات. فبين الروابط المالية والتعاون الأمني ومصالح الشركات، تبدأ مرحلة جديدة في علاقة واشنطن ببغداد، يتركز السؤال فيها على ما بقي لأمريكا من أدوات تأثير، وحدود دورها بعد الانسحاب.
وفي 30 سبتمبر/ أيلول 2026، اكتمل خروج القوات الأمريكية من قاعدة أربيل، لتنتهي المهمة العسكرية للتحالف في العراق ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش). ومع ذلك، أكدت واشنطن استمرار التدريب والدعم الاستخباري للشركاء العراقيين، بينما تواصل قوة المهام المشتركة عملها الإقليمي من مقرها في الأردن.
⭕️ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد #ترامب، أن آخر القوات الأمريكية تغادر العراق، قائلاً: "يسرني أن أعلن أن آخر القوات الأمريكية تغادر #العراق اليوم".
— عربي بوست (@arabic_post) September 30, 2026
⬛️ وأضاف ترامب أن واشنطن تغادر العراق في ظل وجود من وصفه بـ"رئيس وزراء رائع"، مشيراً إلى أن أمامه خياراً بين استمرار القوات الأمريكية… pic.twitter.com/tuWhAOn5Qu
ويمهد الانسحاب للانتقال إلى شراكة أمنية ثنائية، كانت تفاصيل اتفاقها الدفاعي الجديد لا تزال قيد التفاوض في سبتمبر/ أيلول. لكنه يرافق أيضاً مخاوف لدى محللين أمنيين من أن يتيح فراغاً تستفيد منه الفصائل المدعومة من إيران أو خلايا داعش.
فكيف تبقى العلاقة المالية أداة تأثير لواشنطن؟ وأين تظهر حدود الدور الأمريكي المتبقي، وما هي التحديات الأمنية بعد الانسحاب، خصوصاً مع بقاء ملف سلاح الفصائل دون حسم؟
كيف يبقى الدولار أداة نفوذ أمريكية؟
تحتفظ واشنطن بعد انسحاب قواتها من العراق بأداة تأثير مالي ترتبط بعائدات النفط العراقي، التي لا تزال مودعة لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وتكتسب هذه العلاقة أهميتها من اعتماد بغداد على النفط، الذي يوفر نحو 90% من ميزانية الدولة، ومن حاجتها إلى الدولار لتمويل التجارة والواردات.
وقد ظهر البعد السياسي لهذا الارتباط عام 2020، عندما طالبت الحكومة العراقية بخروج القوات الأمريكية. ففي ذلك الوقت، تردد أن واشنطن هددت بتقييد وصول بغداد إلى أموالها لدى الاحتياطي الفيدرالي. وتورد رويترز الواقعة مثالاً على النفوذ الذي يمنحه الترتيب المالي للولايات المتحدة، رغم اكتساب العراق سيطرة أوسع على شؤونه المالية مقارنة بالسنوات الأولى للاحتلال.
لكن استمرار هذا الترتيب يرتبط أيضاً بالمزايا التي يوفرها للعراق. فبحسب مسؤولين عراقيين تحدثوا لرويترز، ساعد النظام في ترسيخ الاستقرار المالي وحماية المالية العامة، ووفر ثقة دولية في إدارة عائدات النفط. كما يسهل الحصول على الدولار، ويحمي الإيرادات من مطالبات الدائنين والدعاوى القضائية والصدمات المالية، ويدعم استقرار سعر الصرف والثقة في الاقتصاد.
⭕️ كشفت مصادر عراقية لـ"عربي بوست" أن بغداد تبحث عن 3 مسارات بديلة لتصدير النفط بعيداً عن #مضيق_هرمز.
— عربي بوست (@arabic_post) October 1, 2026
⭕️ وتشمل المسارات خط كركوك–جيهان، ومسار حديثة–بانياس وربما طرابلس، ومشروع البصرة–حديثة–العقبة.
⭕️ وقالت المصادر إن أياً من هذه المسارات لا يستطيع حالياً تعويض الصادرات التي… pic.twitter.com/7qx5tuIOQz
وتتيح القيود المرتبطة بالنظام أيضاً التصدي لمحاولات جهات، بينها جماعات متحالفة مع إيران، تخفيف القيود على وصولها إلى الدولار. وفي عام 2025، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على مصارف عراقية وأفراد اتهمتهم بغسل الأموال لصالح طهران.
وفي المقابل، أسهم تشديد القيود على إمدادات الدولار في ظهور سوق موازية غير رسمية، وظهور تفاوت بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية. ويمثل هذا الفارق، وفق رويترز، علاوة مخاطرة للتعامل خارج القنوات الرسمية.
وكان البنك المركزي العراقي يوفر الدولار عبر مزادات يومية تشتري فيها المصارف وشركات الصرافة العملة الأمريكية مقابل الدينار. لكن بغداد أنهت النظام رسمياً مطلع 2025، بعد ضغوط أمريكية لمكافحة تهريب الدولار إلى كيانات خاضعة للعقوبات، خصوصاً إيران. ومع انتهاء المزادات، بقيت عائدات النفط في نيويورك، ليستمر ترتيب يوفر للعراق مزايا مالية، ويُبقي لواشنطن نفوذاً على المشهد الاقتصادي العراقي.
ماذا عن العلاقات العسكرية؟
في المجال الأمني، أكدت واشنطن استمرار تقديم تدريب محدد ودعم استخباري للشركاء العراقيين، وفق ما نقلته رويترز عن البنتاغون. وقدم البنتاغون ذلك باعتباره دعماً لجهد تقوده المؤسسات العراقية؛ ولم تورد الوكالة في إعلان الانسحاب تفصيلاً لأعداد العاملين في البرامج أو مواقع تنفيذها.
وهذا الانتقال كان مقرراً منذ اتفاق 2024. فبحسب مجلس العموم البريطاني، اتفق البلدان على إنهاء مهمة التحالف في العراق والانتقال إلى علاقة أمنية ثنائية. ويورد الموجز أن الاتفاق الدفاعي الجديد كان لا يزال قيد التفاوض في سبتمبر/ أيلول، وأن بغداد تتوقع الاحتفاظ بالتعاون الاستخباري وتبادل المعلومات وبرامج التسليح.
أما على المستوى الإقليمي، فأكدت القيادة المركزية الأمريكية أن قوة المهام المشتركة لعملية "العزم الصلب" تظل عاملة، وأن مقرها أصبح في الأردن، فيما تواصل القوات الأمريكية مكافحة داعش في سوريا إلى جانب شركاء التحالف والحكومة السورية. وقال قائد القيادة، براد كوبر، إن القوات الأمريكية وقوات التحالف المنتشرة في المنطقة ستبقى مستعدة للاستجابة لتهديدات التنظيم.
وإلى جانب التعاون الثنائي، يوجد إطار استشاري متعدد الأطراف تشارك فيه الولايات المتحدة ضمن حلف شمال الأطلسي. فبحسب الناتو، تسهم دوله الأعضاء الـ32، إلى جانب النمسا، في مهمة العراق التي تعمل بصورة منفصلة عن التحالف. وقد نُقل جميع أفرادها من بغداد إلى نابولي في مارس/ آذار 2026، لمواصلة المهمة من هناك استجابة للوضع الأمني الإقليمي.
هل تنتهي صلات التسليح والدعم الفني؟
تقدم وثيقة أمريكية مثالاً على التعاون الذي يجري بحثه بعيداً عن مهمة التحالف. ففي إخطار أُرسل إلى الكونغرس في 14 يناير/ كانون الثاني 2026، ونُشر في السجل الفيدرالي في مارس/ آذار، عرضت وزارة الدفاع برنامجاً مقترحاً لتوسيع اتصالات الجيش العراقي عبر الأقمار الصناعية، بقيمة إجمالية مقدرة تبلغ 110 ملايين دولار، تمولها بغداد من مواردها الوطنية.
ويشمل البرنامج محطات اتصال ومعدات وقطع غيار وتدريباً ودعماً هندسياً وفنياً ولوجستياً. وتقول الوثيقة إن الغرض هو تطوير شبكة اتصالات وزارة الدفاع وقدرات القيادة والسيطرة، ما يساعد على حماية الحدود ومنشآت الطاقة والسكان.

وتذكر الوثيقة أن التنفيذ المقترح يتطلب إيفاد ممثلين اثنين للحكومة الأمريكية و5 متعاقدين إلى العراق لمدة 5 سنوات، لأعمال التدريب والتقييم الفني ومراجعة البرنامج.
ماذا عن الحضور الدبلوماسي؟
في الإرشادات التي حدثتها وزارة الخارجية الأمريكية في 10 سبتمبر/ أيلول 2026، كانت السفارة في بغداد والقنصلية العامة في أربيل مدرجتين ضمن بعثاتها، مع بيانات الاتصال وأرقام الطوارئ. وهذه المعلومات تصف الحضور الدبلوماسي المعلن قبل اكتمال الانسحاب، ولا تقدم تحديثاً عن حجم العاملين أو ترتيبات عمل البعثتين بعد مغادرة القوات.
لكن الصفحة نفسها تبين القيود الأمنية على هذا الحضور. فهي تطلب من موظفي الحكومة الأمريكية في العراق العيش والعمل وفق إجراءات حماية صارمة، وتؤكد محدودية القدرة على تقديم خدمات الطوارئ للمواطنين بسبب المخاطر. وتبقي العراق في أعلى مستويات التحذير من السفر. وتشترط تصاريح خاصة لسفر موظفي الحكومة الأمريكية إلى العراق، وتقصر مرافقة أفراد الأسرة على من يبلغون 21 عاماً أو أكثر ويعملون لدى الحكومة الأمريكية.
ما المصالح الاقتصادية الأمريكية التي تبقى بعد الانسحاب؟
تظهر المصالح التجارية بصورة ملموسة في قطاع الطاقة. ففي يوليو/ تموز، أعلنت كونوكو فيليبس اتفاقاً مع بي بي لشراء حصة 42% في شركة تحمل عقد إعادة تطوير 4 حقول منتجة في منطقة كركوك. وقالت إنها تتوقع إتمام الصفقة بنهاية 2026، بعد الموافقات التنظيمية واستيفاء شروط الإغلاق.
وتصف الشركة المشروع بأنه فرصة للاستفادة من قاعدة إنتاج قائمة وإعادة تطوير موارد طويلة الأجل، مع ارتباط العائد بحصتها في الإنتاج الإضافي والتكاليف. وتشمل الأعمال المعلنة تأهيل الحقول وتطويرها وتحسين إنتاجها، مع إمكانات للاستكشاف.
وتتجاوز خطط الشركات الحقول إلى منافذ التصدير. فقد أوردت وول ستريت جورنال أن شيفرون تعتزم توقيع تفاهمات أولية للاستثمار في حقلين عراقيين، والانضمام إلى تجمع مستثمرين يدرس أنبوباً يصل مناطق إنتاج النفط بالساحل السوري. ووضعت الصحيفة المشروع ضمن البحث عن بدائل لمضيق هرمز، وقدمت التفاهمات بوصفها خطوات أولية نحو استثمارات ومشروع أنبوب قيد الدراسة.
وفي تقرير للمجلس الأطلسي، يمنح استمرار الشركات الأمريكية في العراق واشنطن مصلحة في استقراره. ويضع استثمارات الطاقة والبنية التحتية ضمن قنوات التأثير الاقتصادي التي يتوقع أن يزداد وزنها في العلاقة بعد الانسحاب.
ما التحديات الأمنية التي يتركها الانسحاب من العراق؟
يرافق خروج القوات الأمريكية قلق بشأن قدرة المؤسسات العراقية على مواجهة التهديدات الأمنية. ففي إقليم كردستان، نقلت أسوشيتد برس مخاوف المسؤولين الأكراد، خصوصاً ما يتعلق منها بإزالة منظومات الدفاع الجوي الأمريكية، وأوردت بياناً لوزارة البيشمركة يحذر من الانسحاب دون توفير منظومة دفاعية للإقليم.
وفي بغداد، انتهى الوجود العسكري الأمريكي بينما بقي ملف نزع سلاح الفصائل مفتوحاً. فبحسب مجلس العموم البريطاني، أُرجئ موعد نزع السلاح إلى 30 يونيو/حزيران 2027، بعدما كان مقرراً أن يتزامن مع مغادرة القوات في سبتمبر/أيلول.
ولا يقتصر التحدي على إدماج المقاتلين في المؤسسات الرسمية. ويرى الباحث ريناد منصور، في تحليل نشره مركز تشاتام هاوس، أن الأهم هو انتقال القيادة والولاء إلى الدولة؛ إذ قد تغير الفصائل وضعها التنظيمي مع احتفاظها بشبكات نفوذها. ويعد تسليم المسيرات والصواريخ اختباراً لاستعدادها للتخلي عن قدرتها على حماية مصالحها بصورة مستقلة عن الحكومة.

وتتصل بذلك مخاوف من توسع نفوذ الفصائل بعد الانسحاب. وقال المحلل السياسي أحمد يونس، المقيم في بغداد، لرويترز إن غياب الوجود العسكري الغربي قد يمنح الجماعات المرتبطة بإيران شعوراً أكبر بالقوة، ويدفعها إلى توسيع دورها في رسم سياسات الدولة وترسيخ وجودها داخل المؤسسات الرئيسية.
أما لدى بعض العراقيين، فيرتبط تقييم الانسحاب بما سيحدث للأمن لاحقاً. وقال عادل سلمان (45 عاماً)، وهو مدرس لغة إنجليزية، لرويترز إن الميليشيات لا تزال تعمل خارج سيطرة الدولة وإن داعش لم يختفِ، محذراً من التسرع في الاحتفال. وأضاف أن الناس سيحكمون على القرار وفق استقرار الأمن خلال السنوات المقبلة.
وتستحضر هذه المخاوف تجربة ما بعد الانسحاب الأمريكي السابق، حين انهارت القوات العراقية أمام تقدم داعش إلى الموصل عام 2014، وخلع جنود زيهم العسكري وفروا مع سيطرة التنظيم على المدينة. وقال الجنرال المتقاعد محمد الجبوري، الذي قاد لواءً في الحرب ضد داعش، لرويترز إن السؤال الأهم هو ما إذا كانت المؤسسات الأمنية العراقية قد أعدت خطة بديلة قابلة للتنفيذ لمرحلة ما بعد التحالف.