خارطة توزيع الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/06/19 الساعة 06:37 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/06/19 الساعة 06:37 بتوقيت غرينتش
الأصول الإيرانية المجمدة/عربي بوست

لم يكن توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران مجرد خطوة لوقف التصعيد العسكري وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المفاوضات، بل أعاد إلى الواجهة أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين البلدين: الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج.

فبينما ركزت الأنظار على البنود الأمنية والسياسية للاتفاق، برزت الأموال الإيرانية المحتجزة في البنوك والحسابات الأجنبية بوصفها الاختبار الأصعب لأي مسار تفاوضي مقبل، والورقة التي قد تحدد مدى قدرة الطرفين على الانتقال من التهدئة المؤقتة إلى تسوية أكثر استدامة.

فعلى مدار سنوات العقوبات الأمريكية والدولية، تراكمت مليارات الدولارات من عائدات النفط والتجارة الإيرانية خارج البلاد، بعدما تعذر على طهران الوصول إليها أو تحويلها عبر النظام المالي العالمي.

وتشير تقديرات وتقارير غربية إلى أن هذه الأموال موزعة بين عدة دول في آسيا والشرق الأوسط وأمريكا، فيما تتفاوت التقديرات بشأن قيمتها الإجمالية بين عشرات المليارات من الدولارات، ما يجعلها واحدة من أكبر كتل الأصول السيادية المقيدة في العالم.

وتكتسب هذه القضية أهمية استثنائية بعد توقيع مذكرة التفاهم الأخيرة، إذ تنظر طهران إلى الإفراج عن الأموال المجمدة باعتباره أحد أهم المكاسب الاقتصادية المنتظرة من أي اتفاق مع واشنطن، بينما تتعامل الإدارة الأمريكية مع الملف بحذر شديد بسبب ما يحمله من تداعيات سياسية داخلية وخارجية.

فكل خطوة نحو تخفيف القيود على هذه الأموال تثير تساؤلات داخل الولايات المتحدة بشأن حدود التنازلات المقدمة لإيران، كما تفتح نقاشاً أوسع حول مستقبل العقوبات الأمريكية وفاعليتها.

في هذا التقرير، نستعرض ما الذي تقوله مذكرة التفاهم بشأن الأصول الإيرانية المجمدة، وأين تتواجد هذه الأموال حول العالم، وما حجمها التقريبي، ولماذا تحولت من قضية مالية إلى عقدة سياسية تواجه إدارة الرئيس دونالد ترامب في مرحلة ما بعد الاتفاق.

ما الذي تقوله مذكرة التفاهم بشأن الأصول الإيرانية المجمدة؟

تتعهد واشنطن، وفق نص الاتفاق المؤقت الذي نشرته الولايات المتحدة، الأربعاء 17 يونيو/ حزيران، بالسماح لإيران بالوصول إلى أصولها المالية المجمدة، ضمن حزمة تشمل وقف القتال، وإنهاء الحصار البحري، وإعادة فتح حركة الملاحة في الخليج مع إيران لوقف الحرب بينهما وإعادة فتح مضيق هرمز.

ويتضمن الاتفاق 14 بنداً، لكنه يرجئ البت في عدد من القضايا الأكثر تعقيداً، مثل كيفية إنهاء برنامج طهران النووي، لحين التوصل إلى اتفاق نهائي. ويفسح هذا الاتفاق الطريق أمام فترة تفاوض أوسع مدتها 60 يوماً.

ويختص البند الـ11 بقضية الأموال الإيرانية المجمدة، وجاء فيه:

"تتعهد الولايات المتحدة بالإتاحة الكاملة لاستخدام أموال إيران وأصولها المجمدة أو الخاضعة لقيود. وستتفق الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، بمجرد تنفيذ مذكرة التفاهم، على الإجراءات المتعلقة بالإفراج عن هذه الأموال خلال المفاوضات. ستكون هذه الأموال، سواء كانت مودعة في الحساب الرئيسي أو تم تحويلها، قابلة للاستخدام بالكامل للدفع إلى أي مستفيد نهائي يحدده البنك المركزي الإيراني. وتتعهد الولايات المتحدة أيضاً بإصدار جميع التصاريح والتراخيص اللازمة بناء على ذلك".

ولم يتضح ما إذا كان التعهد ينطبق فقط على الأصول الإيرانية الموجودة في الولايات المتحدة أم أيضاً على مجموعة الأصول الأكبر بكثير الموجودة خارج الولايات المتحدة، والتي تم تجميد الكثير منها بسبب العقوبات الأمريكية.

ما هو حجم الأصول الإيرانية المجمدة؟

تتفاوت التقديرات بشأن قيمة الأصول الإيرانية في الخارج، حيث تُقدّر طهران قيمتها بما لا يقل عن 100 مليار دولار، بينما يُقدّرها خبراء آخرون بأقل من ذلك بكثير.

ويعود التباين في الأرقام إلى اختلاف تعريف "الأصول المجمدة"؛ إذ تشمل بعض التقديرات الأموال المجمدة قانونياً، بينما تضم أخرى عائدات نفطية محتجزة في حسابات خارجية أو أموالاً مقيدة لا تستطيع إيران الوصول إليها بحرية بسبب العقوبات الأمريكية.

وتتمثل أولوية طهران في الإفراج عن مبلغ مبدئي قدره 24 مليار دولار على مراحل، بحسب صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية.

وقال إسفنديار باتمانغليج، الرئيس التنفيذي لمؤسسة بورصة وبازار، وهي مركز أبحاث اقتصادي، لوول ستريت جورنال، إن الإفراج عن جزء من الأموال سيمكن قادة إيران من رفع قيمة العملة الوطنية وخفض التضخم. لكنه أضاف: "سيظل لدى إيران حافز قوي للغاية للسعي إلى تخفيف العقوبات بشكل أوسع".

ما هي خريطة توزيع الأصول الإيرانية المجمدة؟

أولاً: داخل الولايات المتحدة

تعود قضية الأصول الإيرانية المجمدة في الولايات المتحدة إلى الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، التي أطاحت بنظام الشاه محمد رضا بهلوي، الحاكم الموالي للولايات المتحدة.

فبعد أن اقتحم طلاب إيرانيون السفارة الأمريكية في طهران في وقت لاحق من ذلك العام واحتجزوا 52 أمريكياً كرهائن، وقّع الرئيس الأمريكي آنذاك، جيمي كارتر، أمراً تنفيذياً يمنع الوصول إلى ما يقارب 12 مليار دولار من ودائع الحكومة الإيرانية والذهب وممتلكات أخرى خاضعة للولاية القضائية الأمريكية.

وبموجب اتفاقية الجزائر لعام 1981 التي حلت أزمة الرهائن، تم الإفراج عن جزء كبير من تلك الأموال، حوالي 8 مليارات دولار، لإيران، بينما وُجّه الباقي لسداد ديون إيران للبنوك الأمريكية والأوروبية. أما الأموال التي بقيت في الولايات المتحدة، فقد حُجزت في دعاوى قضائية مختلفة، وانخفضت في نهاية المطاف إلى حوالي ملياري دولار، وفق تقرير لوكالة بلومبرغ.

الأصول الإيرانية المجمدة
الأصول الإيرانية المجمدة /عربي بوست

ثانياً: خارج الولايات المتحدة

تتفاوت التقديرات المتعلقة بإجمالي قيمة الأصول الحكومية الإيرانية المجمدة الموجودة في حسابات خارجية خارج الولايات المتحدة بشكل كبير، حيث تتراوح من 24 مليار دولار إلى أكثر من 100 مليار دولار.

ويأتي جزء كبير من هذه الأموال من بيع النفط والغاز الإيراني، والذي يمثل ما بين 30% و45% من ميزانية الحكومة، وفقاً لتقرير صادر عن الحكومة الأسترالية. ويُمنع وصول هذه الأموال إلى إيران بسبب العقوبات الأمريكية، التي تستغل الدور المحوري للدولار الأمريكي في النظام المالي العالمي كوسيلة ضغط لتنفيذ السياسة الأمريكية في الخارج.

وتتوزع هذه الأصول خارج الولايات المتحدة على النحو التالي:

الصين: من 20 مليار دولار إلى 50 مليار دولار

  • لطالما كانت الصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، وتتراوح تقديرات الأصول المجمدة لطهران هناك بين 20 مليار دولار و50 مليار دولار.

العراق: 15 مليار دولار

  • يُعدّ العراق مستورداً رئيسياً للكهرباء والغاز الطبيعي من إيران، إلا أن القيود الأمريكية حالت دون تمكّن بغداد من سداد ثمن هذه الخدمات لفترة طويلة. وكانت إدارة ترامب قد أوقفت مؤخراً السماح للعراق بدفع ثمن إمدادات الطاقة لإيران.

الهند: 7 مليارات دولار

  • قبل انسحاب ترامب من الاتفاق النووي الذي أُبرم في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، كانت الهند ثاني أكبر مشترٍ للنفط الإيراني. وقد أجبرت عقوبات إدارة ترامب البنوك الهندية على حجب المدفوعات مقابل شراء النفط الخام الإيراني.

كوريا الجنوبية: 7 مليارات دولار

  • على غرار الهند والصين، كانت كوريا الجنوبية من كبار مستوردي النفط الإيراني قبل أن تفرض إدارة ترامب الأولى عقوبات. وقد نُقل جزء كبير من مبلغ الـ7 مليارات دولار المجمدة هناك لاحقاً إلى قطر كجزء من صفقة تبادل أسرى مع الولايات المتحدة.

أخرى: 12 مليار دولار

  • كما توجد أصول إيرانية في اليابان ولوكسمبورغ وعُمان وقطر.

لماذا يعتبر الإفراج عن الأصول المجمدة أمراً مهماً لإيران؟

قبل اندلاع الحرب، كان الاقتصاد الإيراني يعاني بالفعل من ضغوط هائلة، ويتجلى ذلك في التضخم الجامح، والنمو السلبي، وأزمة العملة. وقد أدى انهيار الريال في ديسمبر/ كانون الأول إلى اندلاع احتجاجات واسعة النطاق.

وأدت الحرب إلى تفاقم التحديات التي تواجهها البلاد. فقد دُمِّر جزء كبير من البنية التحتية الإيرانية أو تضرر بشدة جراء القصف الأمريكي والإسرائيلي، كما أن الحصار البحري الأمريكي حال دون تمكن إيران من شحن نفطها إلى الخارج.

وانخفض إنتاج البلاد من النفط الخام إلى أدنى مستوى له في 5 سنوات في مايو/ أيار، وفقاً لبيانات جمعتها بلومبرغ.

لماذا يشكل الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة صداعاً سياسياً لترامب؟

يمثل الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة للرئيس ترامب، ليس بسبب قيمته الاقتصادية فحسب، بل بسبب ما يحمله من تداعيات سياسية داخلية تمس جوهر الخطاب الذي بنى عليه سياسته تجاه إيران.

فمنذ انسحابه من الاتفاق النووي عام 2018، قدم ترامب سياسة "الضغط الأقصى" باعتبارها الأداة الرئيسية لإضعاف الاقتصاد الإيراني وإجبار طهران على تقديم تنازلات سياسية وأمنية. لذلك فإن أي خطوة تسمح لإيران باستعادة مليارات الدولارات من أموالها المجمدة تمنح خصومه فرصة لاتهامه بالتراجع عن أحد أهم مرتكزات هذه السياسة.

وتزداد حساسية الملف لأن الإفراج عن الأموال يأتي في توقيت تتعرض فيه الإدارة الأمريكية لتدقيق مكثف من الكونغرس ووسائل الإعلام بشأن طبيعة التفاهمات مع إيران.

وقد أظهرت التجربة السابقة المتعلقة بنقل نحو 6 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المحتجزة في كوريا الجنوبية إلى حسابات خاضعة للرقابة في قطر عام 2023 حجم الجدل الذي يمكن أن تثيره مثل هذه القرارات داخل واشنطن، إذ وصفها عدد من المشرعين الجمهوريين آنذاك بأنها منحت طهران موارد مالية إضافية، بينما أكدت الإدارة الأمريكية أن الأموال تعود قانونياً لإيران ومخصصة للاستخدامات الإنسانية فقط.

كما يواجه ترامب معضلة أخرى تتمثل في التوازن بين متطلبات التوصل إلى اتفاق مع إيران وبين مخاوف الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة، وفي مقدمتهم إسرائيل، التي تنظر إلى أي تخفيف للعقوبات أو تسهيل وصول طهران إلى مواردها المالية باعتباره عاملاً قد يعزز القدرات الاقتصادية الإيرانية.

وتشير تقارير لرويترز إلى أن ملف العقوبات والأموال المجمدة يعد من أبرز القضايا الخلافية التي ما زالت تعترض طريق التوصل إلى اتفاق نهائي بين الجانبين.

تحميل المزيد