لم تعد سبيس إكس مجرد شركة تطلق الصواريخ أو تبيع الإنترنت الفضائي للمستخدمين المدنيين. فخلال سنوات قليلة، انتقلت الشركة التابعة لإيلون ماسك من هامش قطاع الفضاء التجاري إلى قلب البنية الدفاعية الغربية؛ تطلق أقمار الأمن القومي الأمريكي، وتبني شبكات اتصالات عسكرية، وتوفر عبر ستارلينك شرياناً حيوياً لجيوش الحلفاء الأوروبيين، وتطوّر عبر ستارشيلد نسخة أكثر حساسية موجهة للحكومات والجيوش وأجهزة الاستخبارات.
وتكشف الأرقام كيف تحولت إمبراطورية ماسك الفضائية، وبخطى رقمية متسارعة، من مجرد مزود تجاري لخدمات الإنترنت واستكشاف الفضاء إلى العصب الهيكلي والشبكي المركزي لأحدث منظومات الردع والدفاع على مستوى العالم.
وجعل هذا التحول الشركة لاعباً دفاعياً من نوع جديد. فهي لا تصنع دبابة أو مقاتلة، لكنها توفر ما تحتاجه الجيوش الحديثة قبل إطلاق النار. ويشمل ذلك الاتصال، وتحديد الموقع، ونقل البيانات، ومراقبة الأهداف، وربط المستشعرات بمنصات السلاح.

وفي المقابل، أحدث هذا الصعود الحاد زلزالاً في موازين القوى الدولية. فبينما تحذر الصين من "معضلة أمنية" وسباق تسلح فضائي غير مسبوق نتيجة عسكرة هذه الشبكات المدارية، فضلت تايوان مقاطعتها والبحث عن تحالف دولي بديل لحماية أمنها السيادي من نفوذ الشركات الخاصة.
يأتي ذلك في الوقت الذي تخطط فيه سبيس إكس لجمع 75 مليار دولار في طرح عام أولي، حسبما نقلت وكالة رويترز عن مصدر مطلع.
يرسم هذا التقرير خريطة العلاقات الدفاعية للشركة حول العالم، من واشنطن إلى كييف ولندن، ويشرح كيف أصبحت سبيس إكس واحدة من أهم شركات الحرب الحديثة، ولماذا يثير تمددها قلقاً سياسياً وأمنياً بقدر ما يمنح الجيوش الغربية تفوقاً تقنياً.
ما هي خريطة علاقات سبيس إكس الدفاعية حول العالم؟
تكشف خريطة علاقات سبيس إكس الدفاعية أن الشركة لم تعد مجرد مزوّد لخدمات إطلاق الأقمار الصناعية، بل أصبحت جزءاً من بنية الأمن القومي الغربية.
وتمتد خريطة علاقات سبيس إكس الدفاعية حول العالم لتشمل ليس فقط الحكومة الأمريكية، بل أيضاً الترسانات العسكرية للحلفاء الدوليين، ومن أبرزهم المملكة المتحدة وأوكرانيا وأستراليا واليابان.
Starlink Maritime allows you to connect from some of the most remote waters in the world → https://t.co/Qa48wiYN5f pic.twitter.com/Vd3Bli6id2
— SpaceX (@SpaceX) July 7, 2022
أولاً: الولايات المتحدة
تُعدّ الحكومة الأمريكية، وفق تقارير، أكبر عميل منفرد لشركة سبيس إكس، والتي أشارت إليها الشركة، التي تأسست قبل 24 عاماً، باسم "العميل أ" في ملفات الأوراق المالية قبل طرحها العام الأولي المُخطط له.
ومن المتوقع أن ترتفع إيرادات الشركة من الحكومة، والتي بلغت حوالي 4 مليارات دولار في عام 2025، بشكل حاد خلال السنوات القليلة المقبلة، مع عقود دفاعية حديثة بنحو 6.5 مليار دولار تشمل شبكة اتصالات عسكرية وأقماراً لتتبع الصواريخ والطائرات، بحسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال.
وقال التقرير إن شركة سبيس إكس جمعت بين قدرتها على إنتاج الأقمار الصناعية وإطلاق الصواريخ، وبين براعتها في التعامل مع البنتاغون لتأمين صفقات قيّمة. وقد وضعت هذه الاتفاقيات الشركة في صميم خطط الوكالات العسكرية والاستخباراتية في مجال الفضاء.
وبينما تُعدّ شركة سبيس إكس متعاقداً حكومياً أصغر بكثير مقارنة بشركات الدفاع الكبرى مثل لوكهيد مارتن ونورثروب غرومان، يقول محللون لوول ستريت جورنال إن عمل سبيس إكس المتنامي بسرعة مع الجيش ووكالات الاستخبارات قد يُنافس في نهاية المطاف أعمال شركات تصنيع الأسلحة في مجال الفضاء.

وقالت كيمبرلي بيرك، مديرة الشؤون الحكومية في شركة الأبحاث "كويلتي سبيس": "ترغب شركة سبيس إكس بشدة في أن تكون العمود الفقري لعمليات الحكومة في المدار الأرضي المنخفض".
وفيما يلي رصد لأبرز الصفقات العسكرية التي أبرمتها شركة سبيس إكس مع الوكالات العسكرية الأمريكية في الآونة الأخيرة:
1- عقد بقيمة 4.16 مليار دولار لرصد التهديدات الجوية
- منحت قوة الفضاء التابعة للقوات المسلحة الأمريكية، في نهاية شهر مايو/ أيار، شركة سبيس إكس عقداً قيمته 4.16 مليار دولار في إطار برنامج يهدف إلى رصد التهديدات الجوية من الفضاء وتتبعها.
- وصُمم برنامج "مؤشر الأهداف المتحركة الفضائي المتقدم" على أن يكون نظاماً يربط بين عدد من الأنظمة، إذ يجمع بين أجهزة الاستشعار الفضائية ووصلات الاتصالات الآمنة والمعالجة الأرضية لتعزيز التعاون عبر القاعدة الصناعية الفضائية الحكومية.
- ويتألف نظام الدفاع الصاروخي (القبة الذهبية)، الذي أطلقته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من طبقات متعددة، إحداها طبقة استشعار وتتبع. ومن المتوقع أن تلعب الأقمار الصناعية دوراً في تتبع الصواريخ.
- وتهدف (القبة الذهبية) إلى توسيع نطاق أنظمة الاعتراض الأرضية وأنظمة الاستشعار والقيادة، مع إضافة أقمار صناعية فضائية لرصد وتتبع التهديدات الجوية وربما التصدي لهذه التهديدات، ما في ذلك الأسلحة التي لا تزال موضع نقاش في المدار.
- وقالت قوة الفضاء إن هناك عدة شركات ضمن مجموعة موردي البرنامج، منها سبيس إكس التي تخطط لطرح عام أولي، وإنها ستصدر عدة عقود العام المقبل.
2- عقد بقيمة 2.29 مليار دولار لبناء شبكة اتصالات آمنة
- وقبل أسبوعين، منحت القوة الجوية سبيس إكس عقداً آخر قيمته 2.29 مليار دولار لبناء شبكة اتصالات آمنة وعالية السرعة عبر الأقمار الصناعية لربط أجهزة الاستشعار العسكرية ومنصات الأسلحة عالمياً، وفق وكالة رويترز.
3- بناء شبكة من أقمار التجسس لصالح مكتب الاستطلاع الوطني
- تعاون مكتب الاستطلاع الوطني، وهو وكالة تجسس أمريكية تُشغّل أقماراً صناعية سرية، مع شركة سبيس إكس لبناء شبكة من أقمار التجسس الصناعية بموجب عقد سري بقيمة 1.8 مليار دولار وُقّع في 2021 عبر وحدة ستار شيلد، النسخة الحكومية والعسكرية من منظومة ستارلينك.
- فبينما تسوّق الشركة ستارلينك كشبكة إنترنت فضائي تجارية، تقدّم ستار شيلد كخدمة موجهة للحكومات تشمل الاتصالات الآمنة، واستضافة الحمولات، وبناء أقمار مخصصة للجهات الحكومية والعسكرية.
- وفي مايو/ أيار 2024، أطلقت سبيس إكس الدفعة الأولى من أقمار التجسس التشغيلية التي بنتها كجزء من شبكة استخبارات أمريكية جديدة مصممة لرفع مستوى قدرات البلاد في مجال المراقبة الفضائية بشكل كبير، مع خطط لإطلاقات إضافية حتى 2028.
- وقالت رويترز إن شبكة الأقمار الصناعية التابعة لمكتب الاستطلاع الوطني تُظهر مدى اعتماد الحكومة الأمريكية على شركة سبيس إكس في بعض مهامها الأكثر حساسية.
4- منصات عسكرية لإطلاق مركبة ستار شيب
- وفي نوفمبر/ تشرين الأول الماضي، حصلت شركة سبيس إكس على تصريح لإجراء ما يصل إلى 76 رحلة لمركبة ستار شيب، الصاروخ الضخم الذي تقوم الشركة بتطويره، سنوياً من منصة إطلاق مملوكة للجيش بالقرب من كيب كانافيرال في ولاية فلوريدا.
- وكان هذا العدد يقارب 3 أضعاف الحد الأقصى لعدد عمليات الإطلاق التي تصورها مسؤولو القوات الفضائية للموقع في مذكرة صدرت عام 2022 واطلعت عليها صحيفة وول ستريت جورنال.
- وذكرت وثائق عسكرية أن المعدل الأعلى سيمنح القوات الجوية، وهي المنظمة الأم لقوة الفضاء، إمكانية الوصول إلى قدرات مركبة ستار شيب ويعزز وصول الحكومة إلى المدار.
- وأثارت خطط شركة سبيس إكس بشأن منصة الإطلاق، إلى جانب جهودها لإطلاق مركبة ستار شيب من موقع تابع لناسا منفصل، مخاوف لدى شركات الصواريخ المنافسة.
- وحذرت شركة يونايتد لانش ألاينس، وهي شركة صواريخ مملوكة لشركتي بوينغ ولوكهيد مارتن، من أن إطلاق مركبة ستار شيب من منصة واحدة فقط في المنطقة من شأنه أن يعطل عمليات إطلاق الصواريخ الأخرى.

ثانياً: الحلفاء الدوليون
شملت قائمة الحلفاء الدوليين الذين تربطهم علاقات دفاعية مع سبيس إكس عدداً من الدول الأوروبية، ومن أبرزهم أوكرانيا وبريطانيا وبولندا وأستراليا.
وفي أوكرانيا، اتخذت العلاقة الدفاعية طابعاً ميدانياً مباشراً. فقد تحولت منظومة ستارلينك منذ بداية الحرب الروسية في فبراير/ شباط 2022 إلى شريان اتصالات حيوي للجيش الأوكراني، سواء في ربط الوحدات المنتشرة أو تشغيل الطائرات المسيّرة أو تأمين الاتصالات في مناطق تعرضت بنيتها التحتية للتدمير.
ونقلت رويترز عن شركة كواليتي سبيس أن لدى البنتاغون اتفاقاً بقيمة 537 مليون دولار لتوفير اتصالات فضائية لأوكرانيا، لكنها أوضحت أن شروط العقد غير معلنة وأنه غير واضح ما إذا كانت سبيس إكس لا تزال تتحمل جزءاً من المعدات أو الاتصال.

من جانبها، تظهر بريطانيا كواحدة من أوائل الدول التي اتجهت إلى استخدام وحدة ستار شيلد في العمليات العسكرية، وفق تقارير.
كما تشير التقارير إلى استخدامات أو امتلاك محدود لمحطات وحدة ستارلينك لدى دول مثل بولندا وهولندا، وإن ظلت التفاصيل العملياتية غير معلنة.
وفي أستراليا، تبدو العلاقة أكثر ارتباطاً بخدمات الإطلاق والاتصالات الفضائية ضمن منظومة الحلفاء.
فقد أطلقت سبيس إكس أقماراً مرتبطة باحتياجات دفاعية أسترالية، كما طُرحت ترتيبات محتملة لاستعادة صواريخ ستار شيب قرب السواحل الأسترالية، بما يعكس تحول الشركة إلى طرف حاضر في البنية الفضائية لتحالفات الولايات المتحدة في المحيطين الهندي والهادئ.
وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، أطلقت سبيس إكس قمراً اتصالياً سرياً يُعرف باسم "Optus-X" ومرتبطاً باحتياجات قوات الدفاع الأسترالية، ضمن عقد سابق بين الحكومة الأسترالية و"Optus" بقيمة تقارب 405 ملايين دولار.
لماذا أقلق توسع سبيس إكس الصين وتايوان؟
لا يثير توسع سبيس إكس قلق خصوم الولايات المتحدة فقط، بل يربك بعض حلفائها أيضاً.
ففي شرق آسيا، تبدو الصين وتايوان كأنهما تحذران من الظاهرة نفسها، لكن من زاويتين متعارضتين، حيث ترى بكين في ستارلينك وستارشيلد امتداداً للقوة العسكرية الأمريكية في الفضاء، بينما تخشى تايبيه أن يصبح أمن اتصالاتها في لحظة حرب معلقاً بقرار شركة خاصة يملكها إيلون ماسك.
وبالنسبة إلى الصين، جاءت حرب أوكرانيا كاختبار عملي لما يمكن أن تفعله شبكات الأقمار منخفضة المدار في الحروب الحديثة. فقد أثبتت ستارلينك قدرتها على إبقاء الجيش الأوكراني متصلاً حتى في بيئة تتعرض فيها البنية التحتية الأرضية للقصف والتعطيل.
ونظرت بكين إلى التجربة بوصفها إنذاراً مبكراً. ففي أي مواجهة محتملة حول تايوان، قد تمنح شبكة مماثلة القوات الأمريكية أو التايوانية قدرة على الحفاظ على الاتصالات، وتوجيه الطائرات المسيّرة، ونقل البيانات بسرعة، حتى إذا تعرضت الكابلات البحرية أو شبكات الهاتف لهجمات صينية.
أما في تايوان، فالمعضلة مختلفة. فالجزيرة تحتاج إلى إنترنت فضائي بديل إذا قطعت الصين الكابلات البحرية أو عطلت شبكات الاتصالات، لكنها لا تريد الاعتماد الكامل على ستارلينك.
فتايوان تتحفظ على سيطرة أجنبية كاملة على بنية اتصالات حساسة، كما أن مواقف ماسك السابقة من قضية تايوان، ومصالح شركة تسلا التابعة له الواسعة في الصين، غذّت مخاوف من أن تصبح خدمة الاتصال الحيوية خاضعة لحسابات سياسية وتجارية لا تملك تايبيه السيطرة عليها.
لذلك اتجهت تايوان إلى البحث عن بدائل مثل "OneWeb" ومحادثات مع شركة أمازون، في محاولة لبناء مرونة اتصالات لا تجعل سؤال الحرب معلقاً بقرار شركة واحدة.