في الوقت الذي يعبر فيه الرأي العام الأمريكي عن مستويات غير مسبوقة من انعدام الثقة في الحكومة الإسرائيلية، يتجه الكونغرس، بموجب اقتراح تشريعي جديد شامل، نحو دمج الجيشين الأمريكي والإسرائيلي بدرجة غير مسبوقة، في خطوة من المرجح أن تكون إشكالية للغاية وأن تثير انتقادات في الأوساط السياسية في واشنطن.
وتم إدراج الاقتراح، المعروف باسم "مبادرة التعاون التكنولوجي الدفاعي بين الولايات المتحدة وإسرائيل"، في القسم 224 من نسخة لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب من قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2027 (NDAA)، الذي صدر يوم الثلاثاء الماضي، وفق تقرير صادر عن مجلة ريسبونسبل ستيتكرافت، وهي منصة صحفية تابعة لمعهد كوينسي ومقره واشنطن.
وقانون تفويض الدفاع الوطني هو التشريع السنوي الذي يُجيز بموجبه الكونغرس الإنفاق الدفاعي ويحدد أولويات السياسة لوزارة الحرب (البنتاغون). وقبل أن يصبح قانوناً نافذاً، يجب أن يحظى مشروع القانون بموافقة كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ، ثم يوقعه الرئيس.
Congress quietly drafting plan for unprecedented U.S.-Israel military integration in 2027 defense bill. Critics say Section 224 would fuse defense sectors, shift leverage to Israel, and shield relationship from… #NDAA #USPolitics #DefensePolicy #Congresshttps://t.co/Q0syZpXeUp
— @GlobalRightWatch (@AutonomusRepost) June 1, 2026
ولا يزال هذا الإجراء في المراحل الأولى من العملية التشريعية، ولكن إذا تمت الموافقة عليه، فقد يمثل تحولاً كبيراً في العلاقة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بحسب موقع ميدل إيست آي البريطاني.
وبدلاً من الاعتماد بشكل أساسي على المساعدات العسكرية الأمريكية، فإن الاقتراح من شأنه أن يدفع البلدين نحو تكامل أعمق لصناعاتهما الدفاعية والتطوير المشترك للتقنيات العسكرية.
ماذا نعرف عن "مبادرة التعاون التكنولوجي الدفاعي بين الولايات المتحدة وإسرائيل"؟
بحسب مشروع القانون، يرسي القسم 224 الأساس للبحث والتطوير الثنائي، والإنتاج المشترك للأسلحة، والمشاريع المشتركة، واتفاقيات الترخيص، ويشمل كل أشكال التعاون بين المجمع الصناعي العسكري الأمريكي والإسرائيلي.
وبموجب مشروع القانون، سيقوم وزير الحرب الأمريكي بـ"تعيين وكيل تنفيذي مسؤول عن تنسيق الجهود التعاونية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ما في ذلك البحث والتطوير والاختبار والتقييم والتكامل والتعاون الصناعي الثنائي في مجال تكنولوجيا الدفاع".

وعلى الرغم من أن كلا البلدين عملا بشكل مشترك في مجال الدفاع الصاروخي، إلا أن مجلة ريسبونسبل ستيتكرافت ذكرت أن القسم الجديد في مشروع القانون "سيوسع التنسيق بشكل كبير ليشمل كل مجال من مجالات تكنولوجيا الدفاع، ما في ذلك الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والأنظمة المستقلة، والطاقة الموجهة، والفضاء الإلكتروني، والتكنولوجيا الحيوية".
ويقترح القسم 224 أيضاً "تكامل الشبكات" و"دمج البيانات"، الأمر الذي من شأنه أن يجمع، في جوهره، البيانات العسكرية لكلا البلدين.
وإذا تمت الموافقة على الاقتراح وتفعيله بالكامل، فإنه سيؤدي إلى توحيد القوات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية بشكل وثيق، ما يوفر "مستوى أعلى من التكامل العسكري الصناعي مقارنة بأي دولة أخرى في العالم"، وهو ما يعتقد الخبراء أنه سيفيد الجيش الإسرائيلي أكثر، لأن الولايات المتحدة هي أكبر مورد للأسلحة في العالم وستتعاون مباشرة مع إسرائيل في جميع الأسلحة والذخائر والطائرات.
ورغم أن الولايات المتحدة تعاونت بشكل وثيق مع شركائها في حلف الناتو في مجال الإنتاج المشترك وسلاسل التوريد المشتركة، ولا سيما من خلال خطة عمل الإنتاج الدفاعي، وتزود الجيوش في جميع أنحاء العالم بالأسلحة، إلا أن هذا التعاون في معظمه أحادي الاتجاه، حيث تزود الولايات المتحدة مشترين أجانب بالأسلحة، وهم بدورهم لا يقومون بتصنيع أجزاء من تلك الأسلحة إلا في حالات نادرة، كما هو الحال في سلسلة التوريد العالمية لطائرة إف-35.
وقال تقرير مجلة ريسبونسبل ستيتكرافت إن مشروع القانون يمنح إسرائيل نفوذاً إسرائيلياً هائلاً في الولايات المتحدة، يتجاوز شبكة جماعات الضغط والمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي الحالية.

وأضاف أن مثل هذا التعاون "سيمنح الحكومة الإسرائيلية فرصة لتوسيع إحدى أقوى أدوات النفوذ في السياسة الأمريكية بشكل كبير: الوظائف في الولايات المتحدة"، مشيراً إلى أن إسرائيل ستعمل إما على توسيع أو إنشاء مرافق إنتاج مشتركة جديدة، كما فعلت بالفعل في ولايتي ألاباما وميسيسيبي.
وبحسب التقرير، فإن النظام السياسي الأمريكي سيكون منحازاً لصالح قرارات الحكومة الإسرائيلية أكثر من أي دولة أخرى غير إسرائيل، ما يبرر ما يقوله النقاد منذ عقود، وهو أن النظام السياسي الأمريكي سيكون "أكثر عرضة لأهواء حكومة إسرائيلية لا يبدو أنها تشعر بأي تحفظات بشأن جر الولايات المتحدة إلى صراعات عسكرية في الشرق الأوسط".
ما هي أبرز ردود الفعل التي أثارها مقترح الكونغرس؟
أثار مشروع القانون المقترح ردود فعل ناقدة في الأوساط السياسية الأمريكية، وسط تحذيرات من أن التغييرات المقترحة في هياكل المشتريات قد تُقلل من الشفافية العامة والرقابة البرلمانية، وفق تقرير لموقع داون.
ورأى سياسيون أن الإطار المقترح يتجاوز الترتيبات القائمة بشكل ملحوظ، إذ يحوّل التعاون من آليات المعونة التقليدية إلى البحث المتكامل والإنتاج المشترك.
ففي ظل نموذج المساعدات الحالي، تتم الموافقة على المساعدات العسكرية عادةً من خلال عمليات الميزانية السنوية الواضحة، في حين أن الشراكات الصناعية والمشتريات تعمل من خلال قنوات تعاقد أكثر تعقيداً داخل المؤسسة الدفاعية.
وتأتي هذه المخاوف وسط نقاشات أوسع وأكثر تطوراً داخل السياسة الأمريكية حول حجم وطبيعة الدعم الأمريكي لإسرائيل.

فبينما كان الدعم الحزبي للعلاقة الأمنية بين الولايات المتحدة وإسرائيل قوياً تاريخياً، شهدت السنوات الأخيرة تساؤلات علنية متزايدة من المشرعين من مختلف الأطياف السياسية حول مدى توافق مصالح السياسة الخارجية الأمريكية مع العمليات العسكرية الإسرائيلية.
وجادل السيناتور كريس فان هولين، الديمقراطي عن ولاية ماريلاند، علناً بأن الدعم غير المشروط للحكومات الإسرائيلية قد يتعارض مع المصالح الاستراتيجية والإنسانية الأمريكية الأوسع.
وكتب في صحيفة نيويورك تايمز: "لقد قدم الحزب الديمقراطي دعماً تلقائياً وغير مشروط للحكومات الإسرائيلية، حتى في الوقت الذي قوضت فيه أفعالها بشكل متزايد المصالح والقيم الأمريكية".
أما على الجانب الجمهوري، فقد انتقد كل من النائب توماس ماسي والنائبة السابقة مارجوري تايلور غرين نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وهي مواقف يشير بعض المحللين والمعلقين إلى أنها ربما أثرت في مكانتهما داخل الحزب.
وتساءل غرين: "لماذا تضطر أمريكا إلى منح إسرائيل 3.8 مليار دولار؟" مشيراً إلى أن: "لدينا ديون بقيمة 37 تريليون دولار، بينما ديون إسرائيل أقل من 400 مليار دولار".
وعلى الصعيد الشعبي، يأتي المقترح في وقت يعارض فيه عدد متزايد من الأمريكيين تصرفات إسرائيل في الشرق الأوسط، ما في ذلك حرب إسرائيل في غزة والحرب على إيران.
ففي استطلاع رأي أجرته صحيفة نيويورك تايمز بالتعاون مع جامعة سيينا في منتصف مايو/ أيار، رأى 30% فقط من المشاركين أن ترامب اتخذ "القرار الصائب" بشن الحرب على إيران، بينما اعتبره 64% قراراً خاطئاً.
كيف قرأ الإعلام العبري خطوة الكونغرس؟
في الصحافة العبرية، لم يُقرأ القسم 224 في مسودة تفويض الدفاع الوطني لعام 2027 باعتباره إجراءً تقنياً عابراً داخل وثيقة تشريعية ضخمة، بل كإشارة إلى تحول أعمق في بنية العلاقة العسكرية بين واشنطن وتل أبيب.
صحيفة إسرائيل اليوم، القريبة من اليمين الإسرائيلي، قدمت الخطوة بوصفها "الجيل القادم من التحالف" بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
ورأت الصحيفة أن واشنطن لا تتجه إلى تقليص التعاون مع إسرائيل، بل إلى إعادة هندسته: من نموذج المساعدات العسكرية التقليدية إلى نموذج الشراكة الصناعية والتكنولوجية واسعة النطاق.
ولفتت الصحيفة إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة تعملان بالفعل معاً في برامج مثل القبة الحديدية وحيتس، لكن "الجديد" في القسم 224 هو توسيع التعاون ليشمل تقريباً كل مجال تكنولوجي-عسكري متقدم.

أما موقع كيكار هشبات العبري، فوصف مشروع القانون بأنه "السري للغاية" الذي قد "يربط إسرائيل لعقود قادمة".
وأبرز الموقع أن المبادرة تتجاوز حدود المساعدات المعروفة أو التعاون القائم في الدفاع الصاروخي، لأنها تمنح التعاون الثنائي إطاراً مؤسسياً دائماً عبر مسؤول أمريكي مخصص لتنسيق برامج الذكاء الاصطناعي، والسايبر، والمسيّرات، والحوسبة الكمية.
كما نقل تحذير جوش بول، وهو مسؤول رفيع المستوى سابق في وزارة الخارجية الأمريكية كان قد استقال من منصبه احتجاجاً على الدعم الأمريكي لإسرائيل، بأن هذا النوع من الاندماج قد يجعل من الصعب على أي إدارة أمريكية مستقبلية فرض حظر سلاح أو قيود جدية على إسرائيل.
وكانت مؤسسات بحثية إسرائيلية، ومن بينها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، دعت مراراً إلى تحصين العلاقات الأمريكية الإسرائيلية عبر نقلها من مربع الدعم المالي المباشر المعرض لتقلبات الرأي العام الأمريكي إلى مربع الاندماج التكنولوجي والعملياتي.