عقيدة “الوطن الأزرق”.. كيف تسعى تركيا لتثبيت نفوذها البحري من إيجة إلى شرق المتوسط؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/05/15 الساعة 12:51 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/05/15 الساعة 13:17 بتوقيت غرينتش
أنقرة تعد تشريعاً يعرف بـ"قانون الوطن الأزرق" لترسيخ مطالبها البحرية/ عربي بوست

تتجه تركيا إلى إصدار قانون جديد يعيد تعريف سياساتها البحرية وحدود صلاحياتها في هذا المجال، في خطوة تُعد الأولى من نوعها منذ عام 1995. ويأتي هذا التحرك في ظل تطورات إقليمية متسارعة تشهدها المنطقة، تتقاطع مع خلافات ممتدة منذ عقود بين أنقرة وأثينا حول ترسيم الحدود البحرية والنفوذ في شرق المتوسط.

حيث كشفت وسائل إعلام تركية أن أنقرة تُعد تشريعاً يُعرف بـ"قانون الوطن الأزرق" لترسيخ مطالبها البحرية في بحر إيجة وشرق المتوسط، في خطوة تثير غضب اليونان.

و"الوطن الأزرق" بدأ كتصور استراتيجي يرى أن المجال البحري التركي ليس هامشاً جغرافياً، بل امتداداً للأمن القومي والاقتصاد والطاقة، ومشروع القانون إذا أُقر في البرلمان، سيعني أن تركيا لم تعد تكتفي بالخريطة أو الخطاب السياسي، بل تتجه إلى تحويله إلى إطار قانوني ينظم سياساتها وصلاحياتها البحرية.

ماذا يتضمن القانون الجديد؟

بحسب صحيفتي "ملييت" و"TRT HABER" فإن "قانون الوطن الأزرق"، والذي سيصدر بعد 44 عاماً من قانون المياه الإقليمية الصادر في مايو/ أيار 1982، يتضمن مواد بالغة الأهمية.

ويشمل القانون المواد التالية:

  • إدخال مقاربة 12 ميلاً بحرياً في البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط إلى القانون الداخلي.
  • الحفاظ على الوضع القائم في بحر إيجة عند 6 أميال بحرية.
  • توضيح تعريفات الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة.
  • جعل إذن تركيا إلزامياً لأي أبحاث بحرية في المنطقة.
  • جعل منح تراخيص الطاقة والأنشطة البحرية مركزياً.
  • جمع صلاحية إعلان "منطقة بحرية ذات وضع خاص" في يد جهة واحدة.
  • إنشاء مناطق بحرية ذات طابع بيئي واستراتيجي للحماية.

وتوضح "ملييت" أن رئيس الجمهورية سيُمنح صلاحية إعلان المناطق التي لم تعلنها تركيا بعد مناطق اقتصادية خالصة باعتبارها "مناطق بحرية ذات وضع خاص".

لماذا تركيا بحاجة إلى هذا القانون؟

ذكرت "ملييت" أنه بعكس بعض التعليقات الواردة من بعض الأوساط، لم يتم إعداد هذا التنظيم القانوني فقط بسبب النزاعات مع اليونان في بحرَي إيجة والمتوسط.

وأوضحت الصحيفة أن البحار، بعيداً عن صيد الأسماك، تشكل "اقتصاداً أزرق" للدول بفضل الموارد الطبيعية الموجودة في قاعها.

وفي مايو/ أيار 1964 سُن قانون المياه الإقليمية التركية للمرة الأولى، ثم صدر قانون جديد للمياه الإقليمية التركية في عام 1982، وقد حددت تركيا حدود الجرف القاري مع جميع جيرانها في البحر الأسود، كما وقعت اتفاقيات مناطق الصلاحية البحرية مع قبرص الشمالية وليبيا في شرق المتوسط، وأبلغت بها الأمم المتحدة.

ونظراً لأن قوانين المياه الإقليمية الحالية باتت متأخرة عن التطورات الراهنة، فقد أُجريت دراسة لمسودة قانون "الوطن الأزرق" الجديد في إطار احتياجات تركيا، ومن المتوقع إعطاء الشكل النهائي لهذه الدراسة في البرلمان قريباً لتدخل حيز التنفيذ كقانون، بحسب "ملييت".

وتلخص وسائل إعلام تركية بأن القانون ينهي حالة الفراغ التشريعي التي كانت تعتري بعض القوانين القديمة، والأهم من ذلك أن القانون يسجل رسمياً وبقوة التشريع "الخطوط الحمراء" التركية في بحر إيجة.

وعليه، من خلال القانون الجديد، فإن تركيا تستهدف:

  • تعريف حدودها البحرية الرسمية في قانونها الداخلي.
  • تعزيز أطروحتها القانونية في المنصات الدولية.
  • بناء رد فعل مسبق للدولة في مواجهة أي أوضاع أو مواقع محتملة.

كيف تستفيد تركيا من مشروع قانون "الوطن الأزرق"؟

لم يكن الإصرار التركي على تحويل عقيدة سياسية وعسكرية إلى قانون نافذ مجرد استعراض للقوة، بل هو تحرك يهدف إلى تأمين حزمة من المكاسب الاستراتيجية والاقتصادية والقانونية. ويمكن تفصيل هذه الفوائد المتعددة الأبعاد من خلال تتبع مسارات الصراع الجيوسياسي في المنطقة.

أولاً، من الناحية القانونية الدولية، تهدف تركيا إلى تكريس وتوثيق وضعيتها كـ"معترض مستمر". فمن المعروف أن تركيا ترفض التوقيع على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وتعدها اتفاقية ملزمة للموقعين عليها فقط ولا ترتب التزامات على الدول غير الأطراف، بحسب صحيفة "ملييت".

وبذلك، لا تنقل أنقرة خلافاتها البحرية إلى مستوى الخطاب السياسي فقط، بل إلى مستوى "التحصين القانوني الداخلي". فوفق ما عرضته "ملييت"، يهدف القانون إلى جعل موقع تركيا على طاولة التفاوض "موقعاً قانونياً" في مواجهة محاولات فرض الأمر الواقع مستقبلاً، بينما تشير تقارير تركية أخرى إلى أن المشروع سيحوّل قضايا مثل الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة والمياه الإقليمية إلى قواعد قانونية داخلية واضحة.

ثانياً، يأتي القانون أداة قانونية للدفاع عن الموارد الاقتصادية المكتشفة والمحتملة، وتشير صحيفة "خبر ترك" إلى أن مشروع "الوطن الأزرق" يرتبط بتصاعد أهمية الغاز والنفط والمعادن البحرية وخطوط نقل الطاقة.

وتصفه الصحيفة بأنه "درع قانوني" في صراعات الطاقة شرق المتوسط، وتزداد هذه الحساسية مع اكتشافات تركيا في البحر الأسود، حيث بلغ إجمالي احتياطيات الغاز المكتشفة هناك 710 مليارات متر مكعب بعد مراجعة احتياطي حقل سكاريا إلى 652 مليار متر مكعب وإضافة اكتشاف حقل تشايكوما البالغ 58 مليار متر مكعب، وفق تصريحات وزير الطاقة التركي السابق فاتح دونماز التي نقلتها وكالة الأناضول.

وفي شرق المتوسط، يوفر القانون الإطار والحماية اللازمين للأنشطة التركية في التنقيب واستخراج الموارد، ويشرعن وجود أسطولها البحري الذي يضمن أمن طرق التجارة البحرية.

ثالثاً، يُعد القانون ضربة استباقية لإجهاض خطط التقسيم المكاني الأوروبية. فقد أشار المسؤولون الأتراك إلى أن التخطيط المكاني البحري للاتحاد الأوروبي ينحاز بشكل صارخ للمطالب اليونانية ويحاول محاصرة تركيا في شريط ساحلي ضيق.

كما ينسف القانون هذه الخرائط من خلال تثبيت اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الموقعة مع ليبيا عام 2019 كجزء من التشريع الوطني، ما يمنحها درعاً قانونياً محلياً ويجعل التراجع عنها أمراً شبه مستحيل.

رابعاً، يستخدم القانون أداة للردع المباشر فيما يمكن تسميته بـ"حرب المتنزهات البحرية". ففي خطوة عدّتها أنقرة استفزازية، أعلنت اليونان في منتصف أبريل/ نيسان 2024 عن خطة ضخمة بقيمة 780 مليون يورو لإنشاء متنزهات بحرية في البحر الأيوني وجنوب بحر إيجة، وحظر الصيد بشباك الجر القاعية فيها خلال عام 2026.

فيما نظرت أنقرة إلى هذه الخطوة البيئية كغطاء لفرض سيطرة سيادية يونانية، فردت بتدشين متنزهين بحريين خاصين بها، أحدهما يطوق جزيرة كاستيلوريزو اليونانية الصغيرة، والآخر في شمال إيجة بين ساموثراكي وليمنوس.

ومن شأن إدراج هذه المناطق ضمن خريطة التخطيط المكاني البحري، ثم ربطها بإطار قانوني داخلي أوسع، أن يمنح أنقرة أداة إضافية لمواجهة أي محاولة يونانية لتوظيف ملف البيئة في النزاع البحري.

هل يمهد القانون لضم الجزر المتنازع عليها؟

يظل المحور الأكثر إثارة في "قانون الوطن الأزرق" هو معالجته للوضع القانوني لـ"المناطق الرمادية" في بحر إيجة. هذه القضية ليست مجرد خلاف على ترسيم حدود، بل هي صراع وجودي يمس السيادة الوطنية، وتاريخاً طويلاً من الأزمات العسكرية التي كادت تشعل حرباً بين الحليفين في حلف شمال الأطلسي.

وتستخدم وزارة الخارجية التركية وصفاً قانونياً محدداً لهذه التكوينات، فتشير إليها باعتبارها "بعض الجزر والجُزيرات والصخور التي لم تُنقل سيادتها إلى اليونان بموجب الاتفاقيات الدولية"، وهي الصيغة التي تقابل في الأدبيات التركية اختصار EGAYDAAK.

وتستند أنقرة إلى تفسير قانوني صارم لنصوص معاهدة لوزان 1923 ومعاهدة باريس 1947. وتشدد على أن مئات التكوينات الصخرية والجزر الصغيرة غير المأهولة المنتشرة في بحر إيجة لم يُحسم وضعها القانوني، وبالتالي لا يجوز لليونان ادعاء السيادة عليها أو استخدامها لتوسيع مياهها الإقليمية.

وتكتسب هذه الجزر أهميتها الكبرى من موقعها الجغرافي المعقد. فخريطة بحر إيجة تظهر سلسلة من الجزر الكبرى، مثل لسبوس، وخيوس، وساموس، وجزر دوديكانيسيا، تصطف كحاجز طبيعي ملاصق تماماً للسواحل الغربية لتركيا.

وتزعم اليونان أنه، بموجب اتفاقية قانون البحار UNCLOS، يحق لها تمديد مياهها الإقليمية حول هذه الجزر من 6 أميال إلى 12 ميلاً بحرياً في أي وقت تشاء. لكن من المنظور التركي، فإن مثل هذه الخطوة ستحول بحر إيجة إلى "بحيرة يونانية" خالصة، وستخنق الموانئ التركية وتمنع خروج أسطولها إلى المياه الدولية والمحيطات، وهو ما تراه أنقرة أمراً يتنافى مع مبدأ "الإنصاف" في القانون الدولي بسبب الطبيعة الجغرافية الخاصة وشبه المغلقة لبحر إيجة.

ولهذا السبب تحديداً، أصدر البرلمان التركي في 8 يونيو/ حزيران 1995 بياناً بالإجماع منح فيه الحكومة التركية "كل الصلاحيات، بما في ذلك الصلاحيات العسكرية اللازمة"، إذا قررت اليونان توسيع مياهها الإقليمية في إيجة إلى ما بعد 6 أميال، بما يخلّ بتوازن لوزان، وهو التهديد الذي لا يزال قائماً ومُعترفاً به في قانون الوطن الأزرق.

وتتجلى خطورة الجزر الصغيرة EGAYDAAK في أحداث تاريخية لا تُنسى، أبرزها أزمة صخور "إيميا" Imia كما تسميها أثينا، أو "كارداك" Kardak كما تسميها أنقرة، في يناير/ كانون الثاني 1996، والتي بدأت بخلاف بسيط حول إنقاذ سفينة شحن تركية جنحت قرب هذه الصخور غير المأهولة، لتتطور بسرعة البرق إلى أزمة سيادية كبرى.

وتسابقت وسائل الإعلام في كلا البلدين لرفع الأعلام الوطنية على الصخور، وأرسلت الحكومتان قوات بحرية وقوات خاصة هبطت في ظلام الليل على الجزر، فيما بلغت التوترات حد الانفجار، وكادت أن تندلع حرب شاملة لولا تدخل أمريكي في اللحظات الأخيرة نتج عنه قيام الطرفين بسحب قواتهما وأعلامهما والعودة إلى حالة "الوضع الراهن".

وفي محطة تاريخية أخرى ساهمت في تأجيج الصراع، التُقطت صورة شهيرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان في سبتمبر/ أيلول 2019 أمام خريطة عملاقة تحمل اسم "الوطن الأزرق" أثناء مناسبة في جامعة الدفاع الوطني في إسطنبول.

وتصور هذه الخريطة منطقة بحرية شاسعة تبلغ مساحتها 462 ألف كيلومتر مربع، تمتد لتشمل نصف بحر إيجة تقريباً وتصل إلى السواحل الشرقية لجزيرة كريت، ما أثار غضب أثينا.

واليوم، يأتي "قانون الوطن الأزرق" المرتقب ليحول الخطوط المرسومة على تلك الخريطة من مجرد عرض بصري وعقيدة عسكرية إلى نصوص ومواد قانونية رسمية مُلزمة للدولة التركية.

هل يطوي القانون صفحة اتفاقية مونترو؟

مع اتساع نطاق "قانون الوطن الأزرق" ليشمل البحر الأسود ومضائق العبور الحيوية، برز تساؤل حول ما إذا كانت تركيا تسعى إلى إيجاد بديل أو الالتفاف على اتفاقية "مونترو" للمضائق لعام 1936، التي تنظم حركة مرور السفن الحربية والتجارية عبر مضيقي البوسفور والدردنيل، وتضمن حرية مرور السفن المدنية في وقت السلم، وتفرض قيوداً صارمة على سفن الدول غير المطلة على البحر الأسود، ما يعزز دور تركيا الأمني والاستراتيجي في المنطقة.

لكن خبراء أتراكاً، بينهم الدكتور يوجيل آجار، عضو مجلس إدارة DEHUKAM، وأوزاي شندير، رئيس تحرير صحيفة "ملييت" التركية، أكدوا أن التشريع الجديد لا يناقض معاهدة مونترو ولا يسعى إلى الإطاحة بها، بل يعمل على تحصينها ودعمها من خلال القانون المحلي.

القانون يتبنى الرؤية التركية ويدرجها في نص تشريعي يؤكد أن مضيق جنق قلعة "الدردنيل"، وبحر مرمرة، ومضيق البوسفور هي بمثابة "مياه داخلية" خاضعة للسيادة التركية المطلقة، بحسب صحيفة "ملييت".

وفي هذا المعنى، لا يظهر مشروع القانون كبديل عن مونترو، بل كتحصين داخلي للرؤية التركية بالتوازي معها، خصوصاً في ظل الاستقطاب الحاد في البحر الأسود بعد الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تؤكد أنقرة أنها طبقت مونترو بحزم لمنع امتداد الصراع إلى البعد البحري.

كيف قرأ اليونانيون قانون الوطن الأزرق؟

المتحدث باسم الحكومة اليونانية، بافلوس ماريناكيس، عدّ أن "أي تصرف أحادي الجانب يتم عبر تشريع وطني محلي لا يحمل أي وزن على الإطلاق بموجب القانون الدولي، وأنه موجه حصرياً للاستهلاك الداخلي التركي"، على حد وصفه.

أما صحيفة "توفيما" فذكرت في تقاريرها أن "أثينا في حالة تأهب قصوى" لمراقبة التحركات البرلمانية التركية. ووصفت مشروع القانون بأنه محاولة من أنقرة لدمج خطة التخطيط المكاني البحري التركية في قانون محلي، وهي خطة تتجاهل الوجود الجغرافي للجزر اليونانية وتقسم بحر إيجة.

وأضافت أن ما يثير قلق أثينا بشكل خاص في مشروع القانون ترسيخ حد الـ6 أميال بحرية كقوة موازنة مباشرة لنية اليونان المعلنة بتوسيع مياهها الإقليمية في بحر إيجة إلى 12 ميلاً بحرياً، وأن طموح تركيا الواضح لفرض واقع جديد في المنطقة لا يسمح بموجبه بممارسة أي نشاط اقتصادي أو علمي أو بيئي دون موافقتها.

من جانبها، أبدت صحيفة "كاثيميريني" قلقها من توظيف هذا القانون لمنع مد كابل الربط الكهربائي الحيوي الذي يهدف إلى إنهاء العزلة الطاقية لجزيرة قبرص، معتبرة أن تركيا تستخدم قواتها البحرية أداة عرقلة استراتيجية.

تحميل المزيد