بينما كانت أهداف الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الأولية لشن الحرب على إيران تتفاوت بين منع طهران من امتلاك سلاح نووي، والقضاء على قدراتها الصاروخية الباليستية، وتغيير النظام، باتت أولوياته الآن تنصب بشكل رئيسي على فتح مضيق هرمز، الممر المائي الأهم في العالم، والذي تحول بعد الحرب إلى أداة جيوسياسية هامة بيد طهران.
ومع توقيع اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت في 7 أبريل/ نيسان 2026، دفع مسار الأحداث البيت الأبيض تدريجياً إلى تضييق الأولويات: فكلما طال اضطراب الشحن، وارتفعت كلفة التأمين، وتعطل تدفق النفط والغاز، صار السؤال الأكثر إلحاحاً في واشنطن ليس ماذا دُمّر داخل إيران، بل: متى وكيف يُفتح هرمز؟
⭕️ قال الرئيس الأمريكي #دونالد_ترامب في سلسلة منشورات على منصة "تروث سوشال" إن إيران تقوم بعمل "سيئ للغاية" فيما يتعلق بالسماح بمرور النفط عبر #مضيق_هرمز، مضيفاً: "هذا ليس الاتفاق الذي بيننا!".
— عربي بوست (@arabic_post) April 10, 2026
🔹 وحذّر ترامب من فرض رسوم على ناقلات النفط العابرة من مضيق هرمز، بعد أن وافقت طهران… pic.twitter.com/RbZ4UGPk9Y
وتعكس تصريحات الإدارة الأمريكية الأخيرة كيف أصبح إعادة فتح المضيق دون قيود "الأولوية العاجلة" لترامب، الذي كتب في منشور على منصة تروث سوشال، الجمعة 10 أبريل/ نيسان، أن إيران تقوم "بعمل سيئ للغاية" فيما يتعلق بالسماح بمرور النفط عبر المضيق.
يأتي ذلك بينما دعت منظمة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية السفن، التي تخطط لعبور مضيق هرمز، للتنسيق مع البحرية التابعة للحرس الثوري للحيلولة دون مخاطر الاصطدام بالألغام البحرية المحتملة.
ماذا كانت أهداف ترامب وماذا تحقق منها؟
في اليوم الأول من الضربات الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، عرض الرئيس ترامب أهدافه الحربية في مقطع فيديو مدته 8 دقائق.
وقال في عرض موجز في 28 فبراير/ شباط: "هدفنا هو الدفاع عن الشعب الأمريكي من خلال القضاء على التهديدات الوشيكة من النظام الإيراني".
ووفق تقييمات وسائل إعلام أمريكية بارزة، نورد فيما يلي نظرة على أهداف رئيسية عكف ترامب على الإشارة إليها على مدار أيام الحرب، وإلى أي مدى تحققت هذه الأهداف:
1- إضعاف القدرات الصاروخية الإيرانية
- دمرت القوات الأمريكية والإسرائيلية العديد من الصواريخ الباليستية الإيرانية ومنصات إطلاقها في غارات جوية. إلا أن عدداً كبيراً منها لم يتضرر، وفق صحيفة نيويورك تايمز.
- وتشير تقارير استخباراتية أمريكية حديثة إلى أن الجيش الإيراني كان يقوم بحفر مخابئ الصواريخ والصوامع تحت الأرض، التي تعرضت لقصف أمريكي وإسرائيلي، ويعيد تشغيلها بعد ساعات من الهجوم.
- ويقول بعض المسؤولين في المنطقة إنه من المستحيل تحديد عدد الصواريخ الإيرانية المتبقية، ويشيرون أيضاً إلى أن الجيش الإيراني كان يخفي منصات إطلاق متنقلة، بحسب نيويورك تايمز.
2- تدمير القاعدة الصناعية الدفاعية الإيرانية
- خلال الحرب، كان الرئيس وإدارته يدرجون هذا الهدف أحياناً كهدف مستقل، واصفين إياه بأنه هدف "تدمير صناعة الصواريخ الإيرانية تدميراً كاملاً". وفي أحيان أخرى، كان هذا الهدف يُحذف من القائمة. وعادةً ما يدمج البنتاغون هذا الهدف ضمن الهدف الأول المتمثل في تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية.
- وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن أهدافها للضربات في إيران تشمل مصانع الأسلحة والصواريخ والطائرات المسيّرة.
⭕️ أظهر استطلاع لصحيفة "معاريف" أن 46 بالمئة من الإسرائيليين يرون أن #تل_أبيب وواشنطن لم تنتصرا في الحرب على #إيران، مقابل 22 بالمئة فقط اعتبروا أنهما انتصرتا.
— عربي بوست (@arabic_post) April 10, 2026
🔹 وبيّنت النتائج أن 63 بالمئة من المشاركين غير راضين عن نتائج الحرب، في حين أعرب 32 بالمئة عن رضاهم.
🔹 في المقابل،… pic.twitter.com/6sWfcZpAmk
3- القضاء على القوات البحرية والجوية
- فرضت الولايات المتحدة وإسرائيل سيطرتهما الجوية على سماء إيران.
- وبعد أن أغرقت غواصة أمريكية سفينة حربية إيرانية بطوربيد في أوائل مارس/ آذار، رست سفينتان إيرانيتان أخريان – وهما "آيريس بوشهر" و"آيريس لافان" – في سريلانكا والهند، وطلبتا المساعدة من البلدين.
- ويمتلك الحرس الثوري الإيراني أسطولاً بحرياً يعتمد أيضاً على سفن أصغر حجماً لشنّ هجمات جماعية وإسقاط الألغام. ولا يزال من غير الواضح حجم القوة المتبقية للبحرية الإيرانية، بحسب صحيفة واشنطن بوست.
4- تدمير البرنامج النووي الإيراني
- لم تُقيّم وكالات الاستخبارات الأمريكية قبل الحرب ما إذا كانت إيران قد اتخذت قراراً بتطوير سلاح نووي.
- لكن إدارة ترامب أشارت إلى اليورانيوم عالي التخصيب الذي أنتجته إيران وخزنته بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي الذي أبرم في عهد باراك أوباما عام 2018، كدليل على أن إيران ترغب في امتلاك خيار صنع سلاح نووي.
- وأمر ترامب بشنّ غارات جوية في يونيو/ حزيران الماضي، ألحقت أضراراً بالغة بثلاثة مواقع نووية في إيران.
- ومع ذلك، يقول مسؤولون أمريكيون إنهم يعتقدون أن بعض اليورانيوم عالي التخصيب لا يزال موجوداً في أنفاق مدفونة تحت الأنقاض.
وأشارت بعض التقارير إلى تغيير النظام الإيراني بوصفه كان أحد الأهداف التي سعى ترامب لتحقيقها، والتي قال بشأنها إنه تم إنجازها.
ومع ذلك، تقول وسائل إعلام أمريكية، ومن بينها مجلة ذا أتلانتك، إن النظام الإيراني لا يزال قائماً رغم اغتيال المرشد الأعلى، خامنئي، مع تعيين نجله مجتبى، المتحالف مع الحرس الثوري، مرشداً جديداً لإيران.
ما أهمية مضيق هرمز للولايات المتحدة؟
يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية ذات الأهمية الاستراتيجية في العالم، واضطرابه يتردد صداه إلى ما هو أبعد من الخليج.
وقبل الحرب، كان يمر عبر المضيق ما يقرب من 20% من النفط والغاز الطبيعي المسال العالمي يومياً، وهو ما يعادل حوالي 20 مليون برميل من النفط ومئات المليارات من الدولارات في تجارة الطاقة السنوية.
ويُعد الممر المائي الضيق بمثابة طريق تصدير حيوي لكبار منتجي النفط، بما في ذلك السعودية والعراق والكويت وقطر والإمارات.
كما أن خنق إيران الاستراتيجي للمضيق يتسبب في اضطرابات كبيرة في سلسلة التوريد العالمية تتجاوز النفط، ما يؤثر بشدة على اليوريا والأمونيا المستخدمة في الزراعة، والهيليوم لأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي وأشباه الموصلات.
وتشمل العواقب في جميع أنحاء العالم ارتفاع أسعار الطاقة، وتضييق سلاسل التوريد، وقيام دول في آسيا وأوروبا وأفريقيا بالفعل بتنفيذ تدابير لتوفير الوقود.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فالصورة أكثر تعقيداً.
وقال سول كافونيك، رئيس قسم أبحاث الطاقة في منصة الأبحاث MST Marquee، لشبكة إس بي إس الأسترالية، إنه على الرغم من أن الولايات المتحدة ليست معتمدة هيكلياً على النفط من خلال مضيق هرمز، إلا أن تعطيله لا يزال يمثل مشكلة سعرية، وهي مشكلة تؤثر على المستهلكين الأمريكيين.
وتابع كافونيك: "قد يتسبب ذلك في تباطؤ اقتصادي بسبب ارتفاع الأسعار."
وتجاوز متوسط سعر البنزين 4 دولارات للجالون في الولايات المتحدة لأول مرة منذ ما يقرب من 4 سنوات، بينما ارتفع سعر الديزل بشكل كبير في مارس/ آذار.
ما هو وضع المضيق حالياً؟
لم تتجاوز حركة الملاحة عبر مضيق هرمز 10% من مستوياتها الطبيعية، الخميس 9 أبريل/ نيسان، رغم وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، حيث أكدت طهران سيطرتها على المضيق من خلال تحذير السفن بضرورة الالتزام بمياهها الإقليمية، بحسب وكالة رويترز.
وأظهر تحليل لبيانات مستقاة من منصات لتتبع السفن، الخميس 9 أبريل/ نيسان، أن 7 سفن فقط أبحرت عبر مضيق هرمز على مدى الساعات الـ 24 المنصرمة، مقارنة بمتوسط 140 سفينة كانت تبحر يومياً عبر المضيق في الظروف الطبيعية.
وأشارت بيانات واردة من كبلر ولويدز ليست إنتلجنس وسيجنال أوشن إلى أن ناقلة واحدة للمنتجات النفطية و6 سفن لنقل البضائع الجافة أبحرت عبر المضيق.
وأظهرت بيانات تتبع السفن على منصتي مارين ترافيك وبول ستار جلوبال اليوم أن ناقلة مواد كيميائية على وشك العبور متجهة إلى الهند.
وقال توربيورن سولتفيت، من شركة فيريسك مابلكروفت المتخصصة في تحليل المخاطر، لرويترز: "من المرجح أن تظل معظم خطوط الشحن حذرة، ولن يكون أسبوعان كافيين لتصريف الشحنات المتراكمة حتى مع الزيادة الملحوظة في حركة الملاحة".

وقالت شركة أمبري البريطانية للأمن البحري في مذكرة إن المخاطر قائمة بالنسبة للسفن التي لم تحصل على موافقة من إيران، ولا سيما تلك التابعة لإسرائيل والولايات المتحدة.
وأضافت الشركة "حتى السفن التي بدا أنها حصلت على موافقة، دُفعت خلال الأسابيع الماضية، وفي أثناء عبورها للمضيق، إلى العودة من حيث أتت".
وأشارت تقارير إعلامية إلى أن إيران عبرت عن رغبتها في فرض رسوم عبور على السفن، وقدّر بعضها الرسوم بـ 2 مليون دولار. وأظهرت بيانات تتبع أن بعض السفن تسلك بالفعل مساراً غير معتاد حول جزيرة لارك.
ويرفض زعماء الغرب فرض إيران أي رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز.
وذكرت المنظمة البحرية الدولية، وهي وكالة شحن تابعة للأمم المتحدة، أنه لا يوجد اتفاق دولي يسمح بفرض رسوم عبور على المضائق الدولية.
كيف تحول المضيق إلى ورقة استراتيجية هامة بيد طهران؟
يرى محللون أن وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران فرض واقعاً قاسياً، وهو سيطرة حكومة متشددة راسخة الأقدام على مضيق هرمز، مع تمتعها بتأثير قوي على أسواق الطاقة العالمية، وفق وكالة رويترز.
وقال فواز جرجس، خبير شؤون الشرق الأوسط، لرويترز: "سيتم تذكر هذه الحرب على أنها خطأ استراتيجي فادح من ترامب، وهو خطأ تسببت عواقبه في إعادة تشكيل المنطقة على نحو غير مقصود".
وقبل اندلاع الحرب، كان مضيق هرمز يُعامل رسمياً كممر مائي دولي. وراقبت إيران المضيق وفرضت قيوداً على الملاحة البحرية فيه، واعترضت السفن بين الحين والآخر، لكنها لم تصل إلى حد فرض السيطرة الكاملة عليه.
وفي ظل الواقع الجديد، تحولت طهران من مراقبة الناقلات إلى فرض الشروط فعلياً. فهي تضطلع حالياً بدور الحارس الفعلي للممر المائي، وتنتقي السفن التي تسمح بمرورها وتضع شروطاً لذلك.
وتساءل جرجس: "ما الذي حققته الحرب الأمريكية الإسرائيلية فعلياً؟ تغيير النظام في طهران؟ لا. استسلام الجمهورية الإسلامية؟ لا. احتواء مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب؟ لا. إنهاء دعم طهران لحلفائها الإقليميين؟ لا".
من جانبه، قال ولي نصر، أستاذ الشؤون الدولية ودراسات الشرق الأوسط في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، لمجلة ذا أتلانتك الأمريكية: "يُعدّ التحكم في المضيق الآن رصيداً استراتيجياً حيوياً لإيران. إنه أهم من برنامجها النووي".
وكانت السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز أحد المطالب الرئيسية التي أدرجتها طهران ضمن النقاط الـ 10 التي أرسلتها طهران لواشنطن قبل ساعات من الاتفاق على وقف إطلاق النار.
وفي باكستان، تتأهب السلطات للجولة الأولى من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، السبت 11 أبريل/ نيسان، بهدف إنهاء الحرب.
وبحسب مجلة ذا أتلانتك، ستكون جميع جوانب المحادثات التي توسطت فيها باكستان حساسة، لكن مستقبل المضيق ربما يكون الأكثر حساسية.