كشفت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران منذ 28 فبراير 2026 وتوسعها في الإقليم عن أن الدبلوماسية بمعناها المتعارف عليه سابقاً بالإضافة إلى القوانين والالتزامات الدولية قد أثبتت عدم جدواها وفشلها في مواجهة خطط الهيمنة الطموحة وبسط النفوذ الإسرائيلية في المنطقة٬ أو مواجهة المصالح الأمريكية ونمطها المعتاد في نقض الاتفاقيات وشن الحروب وإظهار القوة الصارخة لإخضاع الخصوم.
ومن تجارب إيران الطويلة والمريرة مع عقوبات النظام الدولي طوال 50 عاماً وتقلباته في التعامل معها٬ تخوض طهران اليوم حرباً مصيرية ترتكز على مبدأ أساسي: لا يُعتدّ على طاولة المفاوضات إلا بما يُرسَّخ على الأرض بلغة القوة في ساحة المعركة. وفي القلب من هذه المعادلة يأتي إغلاق مضيق هرمز وتحويله إلى صخرة تستعصي على واشنطن تكسيرها وتجاوزها٬ خصيصاً في ظل رفض حلفائها التاريخيين مشاركتها مغارم عملية فتحه٬ ما يعني بالمحصلة تغيّر قواعد اللعبة في النظام الدولي٬ واهتزاز الاقتصاد العالمي بشكل كبير.
النفط والغاز وأشياء أخرى.. كيف يغير إغلاق مضيق هرمز قواعد اللعبة عالمياً؟
لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية عاجزة عن فتح مضيق هرمز أمام عبور سفن الشحن بعد الحرب التي أشعلتها في الخليج ودفعت طهران لاستخدام أحد أهم أوراقها في مواجهة الأمريكيين والإسرائيليين بمنع عبور سفن النفط والغاز المسال وغيرها من المواد وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة العالمية بشكل كبير وتسبب بأزمة في سلاسل التوريد عالمياً٬ وارتفاع أسعار المحروقات التي باتت تمس كل بيت تقريباً حول العالم.
إلى جانب هذه التغيرات٬ تحاول إيران معاقبة الجميع وهزّ الاقتصاد العالمي بعنف من خلال إغلاق مضيق هرمز٬ ويرسم تقرير لوكالة "أسوشيتد برس" صورة سوق مرتبك: دول وكالة الطاقة الدولية بدأت أكبر سحب طارئ من الاحتياطي في تاريخها (400 مليون برميل) في محاولة لتخفيف الصدمة، فيما تجاوز النفط 100 دولار للبرميل، ويحذّر بنك جي بي مورغان من احتمال ارتفاع أسعار النفط إلى ما فوق 150 دولاراً للبرميل، إذا استمرت اضطرابات الإمدادات عبر مضيق هرمز حتى منتصف مايو/أيار المقبل.
وتقدر الوكالة الدولية للطاقة أن نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية عبرت المضيق في 2025، وأن تعطيله يحبس قرابة خمس تجارة الغاز الطبيعي المُسال عالمياً عبر صادرات قطر والإمارات، في ممرّ لا يتجاوز 29 ميلاً بحرياً في أضيق نقطة، بقناتين ملاحيتين ضيقتين يفصل بينهما جزيرة هرمز.

وإلى جانب النفط والغاز٬ يمكن أن يتسبب الصراع المطول أيضاً في أزمة عالمية في سوق الأسمدة، ما يعرض الأمن الغذائي العالمي للخطر. وتشير شركة كبلر للتحليلات إلى أن نحو 33% من الأسمدة في العالم، منها الكبريت والأمونيا، تمر عبر المضيق.
ليس هذا فحسب٬ فهناك مادة أساسية أخرى بلا لون ولا رائحة، تزن أقل من الهواء، قد باتت في قلب أخطر أزمة تشهدها السلاسل الصناعية العالمية منذ جائحة كورونا. إنه الهيليوم٬ الذي يبدو للوهلة الأولى أنه غاز لتعبئة البالونات، لكن الحرب كشفت أنه يسري في شرايين الاقتصاد العالمي بأسره.
وكانت منشأة رأس لفان القطرية تنتج قرابة ثلث الهيليوم العالمي. في 18 19 مارس/آذار 2026 طالتها الصواريخ الإيرانية، فأُعلنت الدوحة القوة القاهرة، وتوقفت عن العمل، ودُمّر 14٪ من طاقتها الإنتاجية تدميراً يستلزم ثلاث إلى خمس سنوات لإعادة الصيانة البناء. في الوقت ذاته، تتراكم في الخليج 200 حاوية تحمل 41 ألف لتر من الهيليوم السائل المبرّد إلى سالب 269 درجة مئوية — وأمامها 35 إلى 48 يوماً قبل أن تفشل أنظمة التبريد في الحفاظ عليها٬ حيث أن الهيليوم هو العنصر الوحيد الذي يفلت من جاذبية الأرض حين يُطلق لا يعود.
أحد أهم الآثار لأزمة الهيليوم هو أن 50 ألف جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي حول العالم تعتمد على الهيليوم السائل. كما أن مصانع الرقائق في تايوان وكوريا الجنوبية — التي تنتج 90٪ من الرقائق الإلتكترونية— تستخدمه في تشغيل آلات الطباعة الضوئية فوق البنفسجية. وتقول شركة TSMC التايوانية تمتلك مخزوناً يكفي أقل من شهرين مع إعادة تدوير داخلية للمادة، في حين تعتمد شركة سامسونغ على دولة قطر في 65٪ من احتياجاتها من غاز الهيليوم. فيما تحذر المستشفيات الهندية والأوروبية بالفعل من التأخيرات وارتفاع في التكاليف.
النظام الدولي أمام أكبر اختبار له في هرمز
وعندما يصبح هذا الشريان الحيوي مغلقاً فعلياً٬ فإن النظام العالمي -ومن ثم الشرعية السياسية للقوة المهيمنة- يدخل منطقة اختبار جديدة قد تفرز نظاماً عالمياً جديداً بقواعد جديدة لا تسير على رغبة القوة الأولى عالمياً٬ الولايات المتحدة٬ التي هيمنت على الاقتصاد العالمي منذ نهاية الحرب العالمية بقوة الدولار٬ وقدمت نفسها على أنها القوة الوحيدة القادرة على تأمين حركة التجارة العالمية والمضائق الاستراتيجية حول العالم٬ حتى أنها بنت حولها العديد من القواعد العسكرية لأجل هذه الغاية.
بالنسبة لإدارة ترامب ووزير دفاعه هيغسيث٬ تبدو فكرة فتح المضيق بالقوة مغرية على الورق، لكنها في الواقع ليست قراراً تقنياً تُنجزه حاملات الطائرات؛ بل مخاطر معقّدة، تتداخل فيها آلاف الألغام البحرية، والطائرات المسيّرة، والصواريخ الساحلية، والزوارق الانتحارية٬ وسلوك شركات الشحن والتأمين البحري التي ترفض الدخول في هذه المغامرة وتحمّل تكاليفها الباهظة رغم كل المحاولات الأمريكية لإثبات عكس ذلك.

لذلك فإن أزمة المضيق تمثل اختباراً قاسياً للنفوذ الأمريكي وقوتها الإمبراطورية التي هيمنت على النظام الدولي. فالخيارات المطروحة على طاولة المكتب البيضاوي لإعادة فتح المضيق أثبتت فشلها واحداً تلو الآخر:
- كانت الخيارات الأمريكية تتجه في البداية نحو حشد تحالف بحري دولي لمرافقة السفن في مضيق هرمز٬ وهو ما ثبت فشله بشكل ذريع بعد رفض الحلفاء الأوروبيين التورط في هذه العملية.
- الخيار الثاني هو توجيه ضربات عسكرية مباشرة للسواحل الإيرانية وتدمير بحريتها بالكامل، وهو ما أثبت فشله أيضاً حيث لا يزال المضيق مغلقاً برغم تفاخر ترامب وإدارته بتدمير البحرية الإيرانية٬ لكن المعركة الفعلية وحرب العصابات غير المتكافئة يخوضها بحرية الحرس الثوري٬ وليس البحرية الإيرانية النظامية التي تم تدمير معظم سفنها في الخليج.
- الخيار الثالث أمام الإدارة الأمريكية كان اللجوء إلى تكتيكات اقتصادية مؤقتة لاحتواء الأسواق، لكن هذا الخيار بات يصطدم بعامل الوقت الذي يعمل لصالح طهران٬ وتحول الحرب إلى معركة استنزاف تعز الاقتصاد العالمي.
- الخيار الأخير بالنسبة للأمريكيين هو الذهاب وحيدين في معركة بحرية لفتح المضيق بالقوة٬ وتتضمن الخطط العسكرية المطروحة نشر 2500 جندي من مشاة البحرية الأمريكية، مع احتمالية محاولة السيطرة على أجزاء من الساحل الإيراني أو جزر استراتيجية مثل جزيرة "خرج"، الواقعة على بعد نحو 30 كم من الساحل الإيراني، والتي تُعد بمثابة "القلب النابض" للاقتصاد الإيراني؛ إذ يمر عبرها حوالي 90% من صادرات طهران النفطية، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة إيفنينغ ستاندرد. لكن الأكثر دلالة أن النقاش داخل المؤسسة البحرية الأميركية بات يقرّ بأن إزالة الألغام البحرية الإيرانية ومواجهة الغواصات والزواق الانتحارية هي شرط تأسيسي لفتح المضيق وهي عملية معقدة وغير سهلة٬ وهو ما يعني أن البحرية الأمريكية قد تتكبد ثمناً باهظاً وغير مسبوق منذ عقود طويلة.
حرب بلا حلفاء.. الأوروبيون يغلقون مجالهم الجوي أمام الطائرات الأمريكية
الأشد إحراجاً لواشنطن ليس فقط صعوبة المهمة، بل غياب الإجماع حولها من قبل حلفائها التاريخيين٬ وهو ما يوصف بأنه "لحظة نادرة" يقول فيها حلفاء أوروبيون علنا أو ضمنًا إنهم لن يُعاملوا حرباً اختارتها واشنطن كالتزام أطلسي، وإن أقصى ما يمكن تقديمه هو دعم لوجستي أو استعداد لمرافقة الناقلات "بعد أن يتوقف القصف"٬ فيما بلغ عدد الدول الأوروبية التي قيدت مجالها الجوي أمام الجيش الأمريكي إلى 5 دول حتى وقت كتابة هذا التقرير.
على سبيل المثال٬ منعت إيطاليا هبوط طائرات أمريكية مرتبطة بجهد الحرب على إيران فيما رفضت إسبانيا استخدام القواعد وحقوق التحليق، وانضمت كل من النمسا وسويسرا وفرنسا لتقييد المجال الجوي أمام سلاح الجو الأمريكي. وبالتزامن مع ذلك تحاول أوروبا تكريس خطاب "هذه ليست حربنا" كصيغة سياسية جامعة لموقفها من الحرب على إيران.
وفي لندن، استضافت بريطانيا مساراً تشاورياً يضم عشرات الدول٬ مع استبعاد الولايات المتحدة من إطار الاجتماع٬ لبحث "الوسائل الدبلوماسية والسياسية" لإعادة فتح المضيق، مع إشارة صريحة إلى أن المخططين العسكريين سيناقشون الأمر "لكن بعد توقف القتال". وهذه كلها علامات تحوّل هامة وغير مسبوقة في آليات الهيمنة الأمريكية ومستقبلها.
هل يولد نظام دولي في هرمز؟
في هذا وسط هذا الصراع تبرز الصين كقوة قطبية تملك مفاتيح الحل والعقد٬ حيث تتحرك بكين بمسارات متعددة: دعم مقترح من خمس نقاط مع باكستان لوساطة دبلوماسية، محاولات حشد دعم من دول خليجية، ومعارضة لمشروع أممي كان يمكن أن يجيز "استخدام القوة" لفتح المضيق، مع قراءة أميركية داخلية تجاه وساطة تمنح الصين "رصيد نجاح" في الشرق الأوسط رغم تحفظ بعض الأصوات عليها.
وتعمل الصين مع طهران لضمان مرور سفن ترفع العلم الصيني بكل سهولة ويسر، وتُقدَّم بكين بوصفها أقل انكشافًا بفعل تنويع مصادر الطاقة وامتلاك احتياطي نفطي استراتيجي، لكنها قلقة من حرب طويلة لأن نموذجها الاقتصادي حساس لصدمات الطاقة والشحن. هذه المعادلة من المصالح المادية والقدرات الدبلوماسية والاقتصادية هي ما يجعل الصين "شريكًا لا غنى عنه" في أي صياغة لاستقرار قابل للحياة، سواء رضيت واشنطن أم قاومت ذلك.
وإذا كان ما بعد الحرب الباردة قد وُصف لعقود بـ"اللحظة الأحادية"، فإن مضيق هرمز يبدو كاختبار عملي لنظريات تلك المرحلة. حيث جادل المفكر ويليام ووهلفورث في نهاية التسعينيات بأن عالم القطب الواحد يمكن أن يكون مستقراً ودائماً إذا "لعبت واشنطن أوراقها جيداً". لكن أستاذ العلاقات الدولية باري بوزان الذي تحدث نظرية "قيادة المشاعات" -أي المياه الدولية والفضاء الخارجي والمجال الجوي- حذّر مبكراً من أن التفوق الأمريكي لا يعني القدرة على فرض السيطرة في "مناطق متنازع عليها" وأن مقاومات محلية وإقليمية يمكنها كسر منطق القيادة المطلقة الأمريكية.

ويذكّرنا جون إيكنبري -وهو أحد أهم منظّري الليبرالية المؤسسية في العلاقات الدولية- بأن النظام الليبرالي الذي تمدد بعد سقوط الاتحاد السوفييتي توسع إلى "الخارج"، ما أدخل أطرافاً أكثر تنوعاً وأضعف الأسس السياسية للهيمنة. ومضيق هرمز يجمع هذه الخيوط: منطقة اختناق متنازع على سيادتها٬ تشل التفوق العسكري، وتحالفات مترددة تُقيّد قرار الحرب، وأسواق عالمية قد تُجبر القوة المهيمنة على تنازلات تكتيكية أو التهور والذهاب في الحرب حتى نهايتها.
ومن هنا يمكن القول إن النظام الدولي الجديد "يولد في هرمز"٬ وليس بالضرورة كإعلان نهاية أميركا، بل كنهاية احتكارها لإدارة الأزمات العالمية بمفردها وهيمنتها على القرارات الدولية٬ حيث لم تعد "الشرعية الدولية" تُمنح تلقائياً لمغامرة عسكرية يقررها ترامب، بل تُقايض وتُدار بالتوازنات إلى حد كبير٬ وإن أدى ذلك لتصدع التحالفات التاريخية.
في النهاية٬ لا شك أن تبعات هذه العوامل مجتمعة باتت واضحة على تراجع الهيمنة الأمريكية وتغير موازين القوى٬ وهو ما يكشف عن اختبار عملي لحدود النظام الأحادي القطبية الذي أعقب الحرب الباردة. ويبدو أن أمام نظام دولي جديد في طور الولادة؛ نظام يُقرّ ضمنياً بأن واشنطن لا تستطيع إدارة العالم منفردة، وأن قوى أخرى مثل الصين باتت شريكة لا غنى عنها في صياغة الاستقرار العالمي.