في خضم أزمة متصاعدة ومع اتساع رقعة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، برزت باكستان بوصفها وسيطاً ومضيفاً محتملاً للمحادثات الرامية لوقف الحرب استناداً إلى مساعيها لإقامة علاقات ودية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واكتسابها سمعة كلاعب محايد نسبياً تربطه علاقات طويلة الأمد بجارتها إيران.
يأتي ذلك بينما يُشكّل خطر امتداد حرب طويلة الأمد في إيران إلى باكستان أكبر مخاوف إسلام آباد، التي تخوض صراعاً مع حركة طالبان الأفغانية وتواجه أيضاً انقطاع إمدادات الوقود بسبب الحرب.
وتُعد الدولة الواقعة في جنوب آسيا موطناً لثاني أكبر تجمع سكاني من المسلمين الشيعة في العالم بعد إيران، وقد شهدت احتجاجات على مستوى البلاد في اليوم التالي لقيام الولايات المتحدة وإسرائيل بشن غارات أسفرت عن مقتل الزعيم الأعلى الإيراني السابق آية الله علي خامنئي في 28 فبراير/ شباط.
⭕️ أكد المتحدث باسم القيادة الموحدة للقوات المسلحة الإيرانية "خاتم الأنبياء" إبراهيم ذو الفقاري، اليوم الخميس، أن #طهران ستواصل حربها في الشرق الأوسط حتى إذاقة الولايات المتحدة وإسرائيل "الندم الدائم والاستسلام"، في رد مباشر على التهديدات الأمريكية الأخيرة.
— عربي بوست (@arabic_post) April 2, 2026
◾️ وجاء هذا الوعيد… pic.twitter.com/cPJVKPqSUI
ومنذ اندلاع الحرب على إيران، تقود باكستان جهود الوساطة لخفض التصعيد بين واشنطن وطهران بالشراكة مع تركيا ومصر والسعودية، فضلاً عن مبادرة لوقف إطلاق النار أطلقتها باكستان مع الصين لمنع اتساع رقعة الحرب ووقف الأعمال العدائية.
ومن شأن إنجاز هذه المحادثات أن يرفع مكانة باكستان العالمية إلى مستويات لم تصل إليها منذ مشاركتها في جهود وساطة دبلوماسية غير معلنة بين أمريكا والصين عام 1972، كما تقول وكالة رويترز.
في هذا التقرير نستعرض كيف برزت باكستان كوسيط بين أمريكا وإيران ودوافعها لإنهاء الحرب، وما هي أبرز محطات الوساطة التي تقودها إسلام آباد.
لماذا برزت باكستان كوسيط بين الولايات المتحدة وإيران؟
استفادت باكستان من مزيج من الجغرافيا السياسية والعلاقات الدبلوماسية التي أهّلتها لتقديم نفسها كقناة اتصال موثوقة. واستند بروزها إلى عدة عناصر متداخلة، نوردها فيما يلي:
الجغرافيا والتكوين الديموغرافي: تمتلك باكستان حدوداً برية مع إيران تمتد لحوالي 900 كم، وتضم ثاني أكبر مجتمع شيعي في العالم، فضلاً عن امتلاكها علاقات دبلوماسية متينة مع قوى إقليمية نافذة مثل السعودية وتركيا ومصر، ما منحها موقعاً استراتيجياً فريداً لتنسيق التسويات.
العلاقات مع إدارة ترامب: أسهمت الزيارات التي أجراها رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير إلى البيت الأبيض في عام 2025 في بناء علاقات وثيقة مع مستشارين مؤثرين في الإدارة الأمريكية، مثل المبعوث الخاص ستيف ويتكوف.

وانضمت باكستان إلى مجلس السلام الذي شكله ترامب مباشرة بعد أن اجتمع منير مع ترامب في دافوس في يناير/ كانون الثاني.
وأبرمت باكستان أيضاً اتفاقاً مع شركة عملات مشفرة مرتبطة بعائلة ترامب لاستخدام عملتها يو. إس. دي 1 في المدفوعات عبر الحدود، بينما ساعد ويتكوف في التوصل إلى اتفاق لإعادة تطوير فندق روزفلت في نيويورك الذي تملكه شركة الطيران الوطنية الباكستانية.
العلاقات مع طهران: قال محللون لوكالة رويترز إن باكستان هي أقل جيران إيران عداءً لها. وتشترك باكستان في حدود حساسة مع إيران المتاخمة لإقليم بلوشستان بجنوب غرب البلاد الذي يشهد تمرداً مستمراً منذ عقود. واشتبك البلدان الجاران عند حدودهما في يناير/ كانون الثاني 2024، لكن جرى إصلاح العلاقات بينهما منذ ذلك الحين.
وربما ترى إيران أن باكستان أكثر حياداً من الوسطاء المحتملين الآخرين، وفق وكالة رويترز التي نقلت عن آدم وينشتاين، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد كوينسي بواشنطن، قوله أنه على عكس دول الخليج، لا تستضيف باكستان قواعد عسكرية أمريكية، وهي قوة عسكرية بحد ذاتها.
دورها التاريخي كوسيط: تُدار المصالح الإيرانية في الولايات المتحدة منذ قطع العلاقات عام 1979 عبر السفارة الباكستانية في واشنطن، ما يمنح إسلام آباد خبرة مؤسسية قديمة في لعب دور قناة اتصال غير مباشرة بين البلدين.
ما هي دوافع باكستان لإنهاء الحرب؟
لا ينطلق المسعى الباكستاني من مجرد تقديم مساعٍ حميدة، بل تحركه مصالح براغماتية وأمنية ملحة، من أبرزها:
المكاسب الاقتصادية والدبلوماسية: ترى إسلام آباد في نجاح وساطتها فرصة ذهبية لتلميع صورتها الدبلوماسية عالمياً، وتعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة لجذب التجارة والاستثمارات، ما يساعدها في تقليل اعتمادها الاقتصادي المفرط على الصين، بحسب تقرير لمركز الأمن الأمريكي الجديد.
وقال محللون إن باكستان تأمل في أن يُمكّنها دورها في إنهاء الحرب من أن تصبح لاعباً رئيسياً في الشرق الأوسط بعد انتهاء الصراع.
وإذا استطاعت إسلام آباد تحقيق أهدافها دون أن تنجرف في دوامة الصراع، فبإمكانها الاستفادة من موقعها كصانع سلام من خلال توقيع اتفاقيات دفاعية مع ممالك الخليج وجذب الاستثمارات منها لتعزيز اقتصادها الضعيف.
وقال حسين حقاني، السفير الباكستاني السابق لدى الولايات المتحدة، لموقع ساوث تشاينا مورنينغ، إن علاقة دفاعية وأمنية أوثق مع دول الشرق الأوسط من شأنها أن "تساعد باكستان على بناء قاعدتها الدفاعية، الأمر الذي سيرسل بدوره، من وجهة نظر باكستان، رسالة تحذير إلى الهند".

حماية الأمن القومي: تتشارك إسلام آباد وطهران تحديات أمنية حدودية خطيرة، أبرزها التمرد في إقليم بلوشستان وعدم الاستقرار في أفغانستان. وقد توجت هذه المخاوف بتوقيع اتفاقيات أمنية متبادلة خلال زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لإسلام آباد في أغسطس/ آب 2025، ما يجعل أي انفجار شامل أو إطالة لأمد الحرب على حدود باكستان الغربية تهديداً مباشراً لأمنها الداخلي.
تعزيز النفوذ الإقليمي: تسعى باكستان إلى تأطير نفسها كـ "ضامن للاستقرار" في المنطقة، وهي استراتيجية تهدف في جزء منها إلى موازنة وتقليص النفوذ الهندي في جنوب آسيا والشرق الأوسط.
تجنب الانجرار إلى الحرب: في سبتمبر/ أيلول من العام الماضي، وقعت باكستان اتفاقية دفاعية مع السعودية، تنص على أن "أي عدوان ضد أي من البلدين يُعتبر عدواناً ضد كليهما".
وقد أدى ذلك إلى طرح تساؤلات حول ما ستفعله باكستان إذا انضمت السعودية إلى الحرب. وقالت مصادر أمنية في باكستان لرويترز إن إسلام آباد ملزمة بالاتفاق لكنها تعمل على تجنب الدخول في الصراع من خلال محادثاتها مع طهران عبر قنوات اتصال مغلقة بينهما.
وقال فرحان صديقي، أستاذ العلوم السياسية في معهد إدارة الأعمال في كراتشي، لموقع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): "المشكلة بالنسبة لنا هي أنه إذا طُلب منا الانضمام إلى الحرب إلى جانب السعودية، فإن حدودنا الغربية بأكملها ستكون غير آمنة إلى حد كبير".
🎥 _ هجمات جوية أمريكية إسرائيلية تستهدف منطقة بهارستان في أصفهان وسط إيران pic.twitter.com/K3GT1x5x43
— عربي بوست (@arabic_post) April 1, 2026
وقال عبد الباسط، وهو زميل مشارك أول في المركز الدولي لأبحاث العنف السياسي والإرهاب التابع لكلية إس. راجاراتنام للدراسات الدولية في سنغافورة، لموقع ساوث تشاينا مورنينغ: "سيصبح كل شيء معقداً" بالنسبة لباكستان إذا حدث ذلك.
المخاوف الاقتصادية: تعتمد باكستان بشكل كبير على النفط المستورد، والذي يأتي معظمه من الشرق الأوسط عبر مضيق هرمز.
ورفعت الحكومة الباكستانية أسعار البنزين والديزل بنحو 20% في بداية شهر مارس/ آذار، وقد اتخذت بالفعل إجراءات تشمل أسبوع عمل من 4 أيام لموظفي الحكومة في محاولة لتوفير الوقود.
وقال المحلل الأمني سيد محمد علي، المقيم في إسلام آباد، لوكالة أسوشيتدبرس، إن الصراع يمثل بعضاً من "أكبر التحديات الاقتصادية والأمنية في مجال الطاقة" في تاريخ باكستان.
وأضاف علي أن 5 ملايين باكستاني يعملون في العالم العربي يرسلون تحويلات مالية إلى بلادهم كل عام تعادل تقريباً إجمالي عائدات صادرات البلاد.
ما هي محطات جهود الوساطة الباكستانية؟
الإدانة المبكرة والدعوة إلى التهدئة: قالت الخارجية الباكستانية في 28 فبراير/ شباط إنها تأسف لانهيار المسار التفاوضي واندلاع الأعمال القتالية، واعتبرت أن الهجمات على إيران ستقوض استقرار المنطقة، مع إدانتها أيضاً الهجمات الإيرانية على دول خليجية.
عرض الوساطة: في 24 مارس/ آذار، قالت وكالة رويترز إن باكستان صارت تُطرح بوصفها مضيفاً محتملاً لمحادثات تهدف إلى إنهاء الحرب.
وأرسلت الولايات المتحدة إلى إيران عبر باكستان خطة تتألف من 15 نقطة من أجل إنهاء الحرب.

اتصالات مباشرة مع طهران: في 28 مارس/ آذار، قال مكتب رئيس الوزراء الباكستاني، وفق رويترز، إن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أبلغ شهباز شريف أن الثقة ضرورية لتسهيل المحادثات والوساطة، وأشاد بالجهود الباكستانية، فيما أطلع شريفُ بزشكيانَ على اتصالات باكستان مع الولايات المتحدة ودول الخليج.
اجتماع رباعي مع تركيا ومصر والسعودية: استضافت باكستان في 29 مارس/ آذار اجتماعاً لوزراء خارجية تركيا ومصر والسعودية، وتركزت المناقشات حول مقترحات بشأن إعادة فتح مضيق هرمز والمحادثات الأمريكية الإيرانية المحتملة في إسلام آباد.
مبادرة باكستانية-صينية: في 31 مارس/ آذار، أعلنت باكستان مع الصين إطلاق "مبادرة مشتركة من 5 بنود" تتضمن وقف الأعمال العدائية بشكل فوري، والبدء في مفاوضات السلام في أقرب وقت، وحماية المدنيين، وضمان أمن طرق الملاحة، والالتزام بميثاق الأمم المتحدة.
ماذا نعرف عن جهود باكستان السابقة للوساطة؟
على الرغم من أن باكستان نادراً ما تعمل كوسيط، إلا أن سجلها يتضمن لعب دور في بعض المحادثات رفيعة المستوى للغاية، حسبما تقول وكالة أسوشيتد برس.
وفي عام 1972، سهّل الرئيس الباكستاني آنذاك، الجنرال يحيى خان، اتصالات سرية أدت إلى زيارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون التاريخية إلى الصين عام 1972، وقد مهّد ذلك الطريق لإقامة علاقات دبلوماسية بين واشنطن وبكين عام 1979.
ومنذ ذلك الحين، لعبت باكستان دوراً في العديد من الصراعات الإقليمية المعقدة الأخرى، ولا سيما خلال اتفاقيات جنيف لعام 1988 التي مهدت الطريق لانسحاب الاتحاد السوفيتي من أفغانستان.
وبصفتها دولة مواجهة وطرفاً رئيسياً في المفاوضات، شاركت إسلام آباد في المفاوضات التي رعتها الأمم المتحدة، وعملت عن كثب مع الولايات المتحدة والجهات المعنية الأخرى، وساعدت في زيادة الضغط على موسكو لسحب قواتها.
وفي الآونة الأخيرة، سهّلت باكستان الاتصالات بين حركة طالبان الأفغانية وواشنطن التي أدت إلى محادثات في الدوحة تُوّجت باتفاق عام 2020 ومهدت الطريق لانسحاب قوات الناتو بقيادة الولايات المتحدة وعودة طالبان إلى السلطة في عام 2021.