تبدو البحرية الإيرانية، للوهلة الأولى، متواضعة بالمقارنة مع بحريات بعض دول المنطقة إذا قيس الأمر بعدد المدمرات والفرقاطات الحديثة وحاملات الطائرات وقدراتها وعمرها. لكن هذا القياس ليس دقيقاً٬ فقد سعت طهران لبناء قوة قوتها البحرية بشكل مختلف بسبب العقوبات المفروضة عليها منذ عقود٬ من خلال معادلة مختلفة عنوانها تعطيل حركة الخصم ورفع كلفة المرور في واحد من أكثر الممرات حساسية في العالم: الخليج ومضيق هرمز.
في هذا الإطار، تتداخل قوتان بحريتان تعملان بالتوازي على امتداد 2400 كيلومتر في الخليج -بحرية الجيش النظامي وبحرية الحرس الثوري- لتشكّلا شبكة من الزوارق السريعة والألغام البحرية والصواريخ الساحلية والغواصات الصغيرة، بحيث يصبح "العدد" أداة ضغط فاعلة، و"الجغرافيا" سلاحاً بحد ذاته.
ومنذ إعلان الولايات المتحدة و"إسرائيل" الحرب على إيران في 28 فبراير/شباط 2026 ٬ زعمت الولايات المتحدة أنها دمرت الأسطول البحري الإيراني بالكامل. وقد تفاخر بذلك وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث عندما قال إن "البحرية الإيرانية ترقد في قاع الخليج العربي". وفي الوقت ذاته٬ قامت غواصة أمريكية بتفجير الفرقاطة الإيرانية "آيريس دينا" في المحيط الهندي بعدما كانت في مهمة رسمية في الهند للمشاركة في مناورات "ميلان 26" الدولية، ولم تكن في مهمة قتالية في المعركة٫ وقُتل ما لا يقل عن 80 شخصًا كانوا على متنها٬ وجرح عشرات آخرين.
حولت هذه الهجمات المدمرة الحديث عن البحرية الإيرانية من سؤالٍ نظري عن قدرات طهران إلى اختبارٍ عملي لقوتها البحرية٬ حيث تركزت الضربات الأمريكية والإسرائيلية على عقدٍ لوجستية ومرافئ حساسة، مثل ميناء بندر عباس الذي يحتضن أكبر القواعد العسكرية البحرية لإيران، ما أعاد طرح أسئلة مباشرة: ما حجم هذه البحرية فعلاً؟ ما أنواع القطع التي تملكها؟ أين تكمن قوتها الحقيقية٬ وهل يمكن لأمريكا إنهاء قوة الردع والسيطرة الإيرانية في مضيق هرمز؟
البحرية الإيرانية.. قوة بحرية مزدوجة بأساطيل كلاسيكية
لا تمتلك إيران "بحرية واحدة" بالمعنى التقليدي؛ بل تعمل عبر قوتين بحريتين متوازيتين:
- بحرية الجيش النظامي (IRIN/Artesh Navy): تميل إلى نموذج أكثر "تقليدية"، وتركّز على الحضور البحري الأبعد (خليج عُمان/بحر العرب/المحيط الهندي) وعمليات "الدبلوماسية البحرية". وهذه القوات بمجنّديها وضبّاطها وتسلسلها القيادي، وصولاً لوزير الدفاع وغيره في الحكومة.
- بحرية الحرس الثوري (IRGCN): عمادها الأسراب السريعة (زوارق هجومية ساحلية) والألغام والصواريخ الساحلية، وتُعدّ الذراع الأبرز في حرب الإغراق والكمائن داخل الخليج ومضيق هرمز. يقودها الحرس الثوري الإيراني، وهي القسم الأكثر نخبويةً، الذي يتبع المرشد الأعلى للدولة آية الله علي خامنئي.
ويعتبر هذا الازدواج هو جوهر العقيدة الإيرانية البحرية٬ حيث تعوض إيران فجوة تواضع البحرية الإيرانية النظامية من خلال الاستثمار ببحرية الحرس الثوري٬ عبر منظومة حرب عصابات بحرية معقد لمنع الوصول وخصيصاً في مضيق هرمز: ألغام بحرية، زوارق سريعة، صواريخ مضادة للسفن من الساحل والبحر، غواصات صغيرة للكمائن (غواصات درون انتحارية)، وطائرات مسيّرة للاستطلاع والإسناد.
أولاً: البحرية الإيرانية النظامية

يتألف سلاح البحرية التابع للجمهورية الإسلامية الإيرانية من 18.000 جندي و2600 من مشاة البحرية، وفقًا للتقييم السنوي لعام 2026 الصادر عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) بشأن القدرات العسكرية العالمية واقتصاديات الدفاع، ويتضمن الأسطول البحري الإيراني ما يلي:
- 23 سفينة برمائية وفرقاطة.
- 3 غواصات من طراز كيلو السوفيتية (نور وطارق ويونس) تتمركز في ميناء بندر عباس وتعمل في الخليج وبحر عُمان.
- 15 غواصة قزمية صغيرة وهي العمود الفقري لاستراتيجيتها البحرية في الخليج العربي.
- 70 من أفراد الدوريات والمقاتلين الساحليين.
- سفينة واحدة للحرب المضادة للألغام.
- 17 قاربًا مخصصاً للخدمات اللوجستية والدعم.
- عدد كبير (غير معروف) من زوارق الدورية الخفيفة.
ثانياً: بحرية الحرس الثوري الإيراني

أما القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإسلامي هي قوة منفصلة قوامها 20 ألف جندي، من بينهم 5 آلاف من مشاة البحرية. ويمتلك الحرس الثوري أسطولاً من:
- 133 من أفراد الدوريات والمقاتلين الساحليين
- 5 سفن برمائية للإنزال: (حجاز وكربلاء وفارسي وسردشت سب ساحل).
- 6 سفن لوجستية وسفن دعم جميعها من طراز Nasser.
- حاملة للطائرات المسيّرة "آيريس شهيد باقري".
كما تم تجهيز الأسطول البحري للحرس الثوري الإيراني بالمروحيات والطائرات بدون طيار والصواريخ التي تطلق من الجو، بالإضافة إلى القنابل الموجهة بالليزر والقنابل الموجهة الكهروضوئية٬ بحسب التقديرات الأمريكية.
ما أبرز السفن الحربية التي تمتلكها إيران ودمرتها أمريكا؟
- تعد أقدم سفينة في الأسطول هي "آيريس حمزة" التي يعود تاريخ بنائها إلى عام 1936، وهي فرقاطة تزن 539 طنًا، بُنيت في الأصل كيخت ملكي لرضا شاه قبل تحويلها إلى سفينة حربية.
- أضافت إيران عدة سفن جديدة إلى أسطولها العام 2025 بما في ذلك سفينة الإمداد "آيريس كردستان"، وهي سفينة قاعدة أمامية من فئة "مكران" تزن 45500 طن.
- سفينة "آيريس ماكران"، وهي أكبر سفينة في الأسطول من حيث الحمولة، والتي دخلت الخدمة في عام 2021، تزن 121 ألف طن متري عند حمولتها الكاملة. وكانت هذه السفينة في الأصل ناقلة نفط خام تم تحويلها إلى سفينة حربية، ويمكنها حمل ست طائرات هليكوبتر. إلا أن السفينة ماكران دُمرت في هجوم شنته القوات الأمريكية على سفن راسية في قاعدة بندر عباس البحرية.
- فرقاطة IRIS Dena الإيرانية والتي دخلت الخدمة في البحرية عام 2021 وكانت أول سفينة إيرانية تُجهز بمحركات "بونيان 4" الإيرانية. وكانت السفينة تحمل تسليحًا أكبر بكثير مقارنةً بالفرقاطات من نفس الفئة٬ حيث زودت بصواريخ أرض-جو وصواريخ مضادة للسفن. قامت البحرية الأمريكية بإغراقها في 4 مارس 2026 بواسطة الغواصة يو إس إس شارلوت التابعة للبحرية الأمريكية في المياه الدولية بالقرب من الساحل الجنوبي لسريلانكا.
- حاملة المسيّرات "شهيد باقري"٬ وهي حاملة طائرات بدون طيار كان يمتلكها الحرس الثوري الإسلامي٬ وقالت واشنطن إنه تم تدميرها وإغراقها
كيف تقاتل بحرية الحرس الثوري الإيراني؟
على مدار عقود٬ استثمر الحرس الثوري بشكل كبير منظومات الأسلحة غير المتماثلة مثل الألغام البحرية والغواصات الهجومية الصغيرة من فئتي "غدير" و"يونو"، ونشرت البحرية على طول الساحل المطل على الخليج منظومات صواريخ مضادة للسفن مثل "أبو مهدي" و"قادر" التي يبلغ مدى بعضها 1000 كيلومتر، مما يجعلها بعضها قادرة على إصابة سفن في قلب المحيط الهندي قبل دخولها الخليج.

وبحسب تقييمات البحرية الأمريكية، تمتلك بحرية الحرس الثوري الإيراني القدرة على شن حرب عصابات في الخليج قادرة على شل حركة السفن وتهديدها بشكل حقيقي. وتُعدّ القدرة على زرع الألغام في المياه الإقليمية عنصراً أساسياً في الاستراتيجية البحرية الإيرانية التابعة للحرس الثوري. وقد حصلت القوات البحرية الإيرانية على سفن، من بينها غواصات وقوارب صغيرة، قادرة على زرع الألغام وتعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وفقاً لتقييم استخباراتي أمريكي صدر العام 2025.
- الألغام البحرية: عنصر تهديد تجاري اقتصادي مباشر. وتقدر تقارير مكتب استخبارات البحرية الأمريكية أن مخزون إيران من هذه الألغام بأكثر من 5,000 لغم بحري، وأن دمج الحرس الثوري الألغام ضمن عقيدة الزوارق السريعة Swarming (حتى زوارق صغيرة مجهزة بسكك وحوامل ألغام) قادرة على ضرب سفن الخصوم.
- منظومة هجومية A2/AD متعددة الطبقات: هذا النهج تُسميه تقارير أمريكية رسمية عقيدة غير متماثلة ضمن إطار منع أو حرمان الوصول (A2/AD)٬ من خلال صواريخ مضادة للسفن من الساحل والبحر وزوارق سريعة وغواصات ومسيّرات وتستخدم لتقييد حركة الخصم.
- الغواصات الصغيرة والكمائن في المياه الضحلة: مناسبة جغرافياً للخليج ومداخل مضيق هرمز٬ وهي من صلب استراتيجية بحرية الحرس الثوري القتالية٬ عمليات سريعة واستهداف دقيق لسفن الخصوم. وتستخدم بحرية الحرس الثوري أساليب قتالية توفّر مساحة للإنكار أو الغموض (قوارب صغيرة، إطلاق من الساحل، مسيّرات)، بما يخدم إدارة التصعيد تدريجياً بدل الانتقال فوراً لحرب بحرية شاملة.
- التشتيت والبقاء: وجود بحريتين لدى إيران وتوزيع قواعد ومرافئ وقوارب صغيرة يزيد من احتمالية "الشلّ الكامل" لحركة السفن في الخليج. وتمتلك إيران شبكة قواعد بحرية ومرافئ على امتداد الساحل٬ أشهرها بندر عباس٬ تجعل مهمة العبور في الخليج والمضائق صعبة٬ وتسمح بإعادة التجميع بعد استهدافها.