لم تعد احتياطيات النقد الأجنبي التي تمتلكها البنوك المركزية العربية مجرد أرقام للتباهي بين الحكومات، بل باتت وسيلة للتحوط ضد التضخم، ودعم استقرار العملة المحلية، وتأمين الواردات، وحماية القوة الشرائية.
ولا تقتصر احتياطيات البنوك المركزية العربية على ما بحوزتها من النقد الأجنبي من العملات الأجنبية، وفي مقدمتها الدولار الأمريكي، بل يشمل ذلك أيضاً ما تملكه هذه البنوك المركزية من الذهب، وحقوق السحب الخاصة، والسندات الأجنبية، والودائع لدى المؤسسات الدولية.
وتتفاوت مستويات هذه الاحتياطيات بين الدول العربية تبعاً لاختلاف مصادر الدخل، والنماذج الاقتصادية، ومدى الاستقرار السياسي لكل دولة.

ويبرز الحديث عن هذه الاحتياطيات في الآونة الأخيرة، خاصة ما يتعلق منها بالذهب، في الوقت الذي تجاوزت فيه أسعار المعدن الأصفر مستويات قياسية في بداية عام 2026، وجاءت الارتفاعات مدفوعة بانخفاض قيمة الدولار عالمياً، والتوترات الجيوسياسية، والتوقعات بخفض معدلات الفائدة الأمريكية.
وتقوم البنوك المركزية (خاصة في الصين والأسواق الناشئة) بشراء الذهب بشراهة لتقليل اعتمادها على الدولار الأمريكي (De-dollarization) وتنويع احتياطياتها.
وفي عام 2025، اشترت البنوك المركزية نحو 900 طن صاف من الذهب على مدار العام (حوالي 634 طناً في الفترة من الربع الأول إلى الثالث)، وفق وكالة الأناضول.
في هذا التقرير نستعرض حجم الاحتياطيات لدى البنوك المركزية العربية – من النقد الأجنبي (بالدولار الأمريكي) والذهب – إضافة إلى أصول احتياطية أخرى، وكيف تستفيد الحكومات منها.
ما هي احتياطيات النقد الأجنبي؟
احتياطيات النقد الأجنبي هي "الأصول الخارجية" التي تودعها البنوك المركزية بملكية الدولة، وتكون مقومة بعملات دولية (غالباً الدولار واليورو).
ووفقاً لصندوق النقد الدولي (IMF)، فإن احتياطيات النقد الأجنبي هي الأصول المتاحة فوراً للسلطات النقدية والتي تخضع لسيطرتها المباشرة.
ما هي أبرز مكونات الاحتياطي الأجنبي لدى البنوك المركزية؟
يشمل احتياطي النقد الأجنبي لدى البنوك المركزية المكونات الأربعة الأساسية:
- العملات الأجنبية السائلة: تشمل النقد، والودائع البنكية، والسندات الحكومية الأجنبية (مثل سندات الخزانة الأمريكية).
- الذهب النقدي: السبائك التي يحتفظ بها البنك المركزي كأصل عيني لا يخضع لتقلبات العملات الورقية.
- حقوق السحب الخاصة (SDRs): وهي أصل احتياطي دولي أنشأه صندوق النقد الدولي لتعزيز سيولة الدول الأعضاء.
- الاحتياطي لدى صندوق النقد الدولي: حصة الدولة من العملات الصعبة التي يمكن سحبها عند الضرورة القصوى.

ما أهمية احتياطيات النقد الأجنبي؟
تُعدّ الاحتياطيات "خط الدفاع الأول" عن استقرار الاقتصاد الكلي، وتتجلى أهميتها في خمسة محاور استراتيجية:
- دعم سعر الصرف: توفر الاحتياطيات رصيداً من العملات الصعبة للتدخل في سوق الصرف عند الضرورة، سواء للحفاظ على تثبيت العملة (كما تفعل دول الخليج المرتبطة عملاتها بالدولار) أو للحد من التقلبات الحادة في سعر العملة المحلية.
- تمويل الواردات والالتزامات الخارجية: تشكّل هذه الاحتياطيات خط الدفاع الأول لتأمين السلع الأساسية من الأسواق العالمية في أوقات الأزمات. فعندما تتراجع موارد النقد الأجنبي (كالسياحة أو الصادرات)، يلجأ البنك المركزي إلى الاحتياطي لتمويل استيراد الغذاء والوقود والأدوية.
- الوفاء بخدمة الدين الخارجي: تحتاج الدول إلى النقد الأجنبي لسداد أقساط الديون والفوائد للمقرضين الدوليين. وتوفر الاحتياطيات مصدراً لهذه المدفوعات عند عدم كفاية الإيرادات الجارية، ما يحافظ على مصداقية الدولة الائتمانية ويجنبها التعثر.
- تعزيز الثقة والاستقرار المالي: يبعث تراكم الاحتياطيات برسالة طمأنة للمستثمرين والأسواق بأن الدولة تملك هوامش أمان مالي كافية لمواجهة الصدمات.
- مواجهة الأزمات ودعم السياسات النقدية: أثناء الأزمات العالمية – كجائحة كورونا أو اضطرابات أسواق النفط – تمكّن الاحتياطيات البنوك المركزية من تنفيذ حزم تحفيزية وضخ السيولة بالعملة الصعبة إذا اقتضت الحاجة لضبط الأسواق.
ما هو حجم احتياطيات البنوك المركزية العربية؟
أولاً: الدولار الأمريكي
يُشكّل الدولار الأمريكي العمود الفقري لاحتياطيات النقد الأجنبي لدى أغلب البنوك المركزية العربية، خاصة تلك التي تربط عملاتها به.
وتتصدر السعودية الدول العربية بأكبر احتياطي من النقد الأجنبي يبلغ حوالي 463 مليار دولار، مدعوماً بإيرادات النفط الضخمة والفوائض التجارية.
وتليها الإمارات بحوالي 256 مليار دولار. ويأتي العراق ثالثاً بنحو 112 مليار دولار مدفوعاً بعائدات النفط رغم التحديات الداخلية، ثم ليبيا رابعاً بحوالي 99 مليار دولار نتيجة تراكم إيرادات النفط في فترات سابقة، بالرغم من عدم الاستقرار السياسي.
وفي المرتبة الخامسة قطر مع 71.7 مليار دولار مدعومة بعائدات الغاز الطبيعي المسال واستثماراتها السيادية، تليها الجزائر التي تتمتع باحتياطي كبير يناهز 68–70 مليار دولار.
ولدى مصر نحو 52 مليار دولار، تُستخدم لدعم الجنيه المصري وتمويل الواردات وسط ضغوط اقتصادية.
وضمن الدول العربية الأخرى، تأتي المغرب باحتياطي أجنبي قياسي بلغ نحو 43 مليار دولار بنهاية 2025 بعد نمو سنوي قوي بفضل ارتفاع عائدات السياحة وتحويلات المغتربين.
أما الكويت – رغم ثروتها النفطية وصناديقها السيادية – فيبلغ احتياطي بنكها المركزي حوالي 40 مليار دولار مع نهاية 2025، ويشهد تراجعاً طفيفاً بسبب تمويل بعض الالتزامات.
وتتمتع الأردن باحتياطي مستقر نسبياً تجاوز 24.6 مليار دولار بنهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2025. وفي عُمان ارتفعت احتياطيات البنك المركزي إلى نحو 22 مليار دولار مع نهاية 2025.
وعلى الجانب الآخر، تنخفض الاحتياطيات بشكل واضح في الاقتصادات الأصغر أو الأكثر تأزماً. ويبلغ احتياطي البحرين حوالي 4 مليارات دولار فقط، مما يعكس اعتمادها على الدعم الخارجي لتثبيت عملتها. أما تونس فيُقدَّر احتياطيها الأجنبي بنحو 7–8 مليارات دولار.
وتعاني الدول التي تمر باضطرابات وصراعات من احتياطيات شحيحة جداً؛ فعلى سبيل المثال، انخفضت احتياطيات سوريا من العملة الصعبة إلى نحو 200 مليون دولار فقط نقداً بعد استنزافها في تمويل واردات أساسية وكلفة الحرب.
وتحتفظ معظم البنوك المركزية العربية بالجزء الأكبر من احتياطياتها بالعملة الأمريكية (الدولار) على شكل ودائع وسندات سيادية (وخاصة سندات الخزانة الأمريكية) نظراً لمكانة الدولار كعملة الاحتياط الأولى عالمياً.
لكن هذه الاحتياطيات قد تضم أيضاً عملات أخرى كاليورو والجنيه الإسترليني والين، بما يحقق قدراً من التنويع.
ثانياً: الذهب
عزّزت البنوك المركزية العربية حيازاتها من الذهب في السنوات الأخيرة كملاذ آمن وسط التقلبات.
وتمتلك هذه البنوك مجتمعة حوالي 1586 طناً من الذهب تُقدَّر قيمتها بنحو 256 مليار دولار (وفق أسعار فبراير/شباط 2026).
وتتصدر السعودية قائمة حائزي الذهب عربياً باحتياطي يبلغ 321.1 طن. وتليها لبنان التي تحتفظ بحوالي 286.8 طن ذهب رغم أزمتها الاقتصادية، ليشكّل الذهب ركيزة ثقة في احتياطيات مصرف لبنان.
كما عزّز العراق حيازاته بشكل لافت في 2023–2025 ليرفع رصيده إلى 174.6 طن بحلول أوائل 2026، ليصبح ثالث أكبر حائز عربي وتقفز مساهمة الذهب إلى نحو ربع احتياطياته الرسمية.
وتأتي الجزائر في المرتبة الرابعة عربياً بـ 173.6 طن، ثم ليبيا بـ 146.7 طن، وكلتاهما استفادتا من فوائض النفط سابقاً لتكوين احتياطي ذهب كبير.
وتبرز أيضاً مصر باحتياطي ذهب قدره 129.2 طن ضمن توجه البنك المركزي المصري لزيادة الأصول الآمنة.
وفي منطقة الخليج، تمتلك قطر نحو 115.2 طن، والكويت حوالي 79 طناً، والإمارات قرابة 74.3 طن من الذهب في احتياطياتها.
أما الأردن فيحوز حوالي 70.8 طن، مما دعم احتياطياته النقدية إلى حد كبير في السنوات الأخيرة. وبفعل الأزمات، تقلصت حيازات بعض الدول؛ لدى سوريا مثلاً نحو 25.8 طن فقط، والمغرب حوالي 22.1 طن، في حين تحتفظ تونس بـ 6.8 طن وعُمان بـ 6.7 طن.
وتختلف أهمية الذهب كنسبة من إجمالي الاحتياطيات من بلد لآخر؛ فمثلاً يمثل الذهب أكثر من 54% من إجمالي احتياطيات لبنان – وهي النسبة الأعلى عربياً – مما يعكس اعتماد لبنان الكبير على الذهب لتعويض ضعف السيولة بالنقد الأجنبي.
كذلك يشكّل الذهب حوالي 12% من احتياطيات كل من مصر والجزائر. أما في معظم البنوك المركزية الخليجية فتبقى نسبة الذهب منخفضة عموماً (أقل من 5–10%) نظراً لضخامة الأصول الدولارية؛ فمثلاً لا يتجاوز الذهب 0.9% فقط من احتياطي البنك المركزي العُماني.
ثالثاً: حقوق السحب الخاصة
وإلى جانب الدولار الأمريكي والذهب، تحتفظ البنوك المركزية العربية بأصول أجنبية متنوعة ضمن احتياطياتها الرسمية.
وتشمل هذه الأصول حقوق السحب الخاصة الموزعة من صندوق النقد الدولي – وتُعرَف على أنها أصول احتياطية دولية استُحدِثت كأصل احتياطي مكمل للأصول الاحتياطية لدى البلدان الأعضاء في الصندوق، ويوزع الصندوق حقوق السحب الخاصة بين أعضائه على أساس نسب حصصهم في الصندوق.
وعلى سبيل المثال، بلغ رصيد السعودية 13.7 مليار دولار، وهو الرصيد الأكبر عربياً، تليها سلطنة عُمان بنحو 3.4 مليار دولار، ثم الإمارات بنحو 3.2 مليار دولار، ومصر 2.8 مليار دولار. كما تمتلك الكويت أيضاً حقوق سحب خاصة ضمن احتياطياتها بنحو 2.7 مليار دولار.
رابعاً: الاحتياطي لدى صندوق النقد الدولي
كذلك تُدرج البنوك المركزية وضع الاحتياطي لدى صندوق النقد الدولي كأصل، وهو المبالغ القابلة للسحب السريع من حصص البلد لدى الصندوق.
وتمكّن هذه المساهمات الدول من الاستفادة من موارد الصندوق عند الأزمات.
خامساً: أصول أخرى
بالإضافة إلى ذلك، تستثمر البنوك المركزية جزءاً من احتياطياتها في سندات وأذونات خزانة أجنبية (خصوصاً الأمريكية والأوروبية) للحفاظ على سيولة عالية مع تحقيق عوائد منخفضة المخاطر.
وتُعدّ السعودية من أبرز الدول العربية الحائزة لسندات الخزانة الأمريكية.
وبلغت حيازاتها الرسمية بنهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2025 نحو 148 مليار دولار، محتلة بذلك المركز السابع عشر عالمياً ضمن كبار حاملي هذه السندات.
وتليها في المرتبة الثانية عربياً الإمارات، وبلغت حيازاتها من السندات الأمريكية حوالي 113 مليار دولار في يونيو/حزيران 2025، مما يضعها في المركز التاسع عشر على مستوى العالم.
وحلّت الكويت في المرتبة الثالثة عربياً، وكشفت بيانات عن ارتفاع قيمة حيازتها من سندات الخزانة الأمريكية لتصل إلى مستوى 64.84 مليار دولار بنهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تليها العراق بنحو 33.7 مليار دولار ثم سلطنة عُمان بنحو 7 مليارات دولار.
وتتنوع الاحتياطيات لدى البنوك المركزية العربية لتشمل أصولاً محلية في ميزانياتها (مثل سندات حكومية محلية أو قروض مضمونة)، لكن هذه تُعدّ ضمن السياسة النقدية الداخلية وليست جزءاً من الاحتياطيات الخارجية القابلة للاستخدام في التجارة الدولية.
يُذكر أن بعض الدول النفطية الغنية (كالسعودية والإمارات وقطر) لديها أيضاً صناديق سيادية ضخمة تستثمر الفوائض في أصول متنوعة بالخارج، إلا أن هذه الصناديق الاستثمارية السيادية منفصلة عن احتياطيات البنك المركزي ولا تُصنَّف ضمن الأصول الاحتياطية الرسمية.