ماذا تعني تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية بسبب غرينلاند للاقتصاد الأمريكي والأوروبي؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/01/21 الساعة 05:12 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/01/21 الساعة 05:18 بتوقيت غرينتش
ماذا تعني تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية بسبب غرينلاند للاقتصاد الأمريكي والأوروبي؟ /عربي بوست

أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، فرض رسوم جمركية على عدة دول أوروبية "إلى حين التوصل إلى اتفاق للشراء الكامل لغرينلاند"، في خطوة أثارت ردود فعل غاضبة من القادة الأوروبيين، وهددت باندلاع حرب تجارية بين شريكين لطالما ربطت بينهما علاقات تجارية وثيقة.

وصرحت إدارة ترامب مراراً وتكراراً بأن الولايات المتحدة بحاجة إلى السيطرة على غرينلاند، وقال الرئيس الأمريكي إن الولايات المتحدة بحاجة إلى امتلاك غرينلاند لمنع روسيا أو الصين من احتلالها في المستقبل.

وبينما تنذر تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية على دول أوروبية بعودة شبح التضخم العالمي من جديد، لا تقتصر المخاطر التي تفرضها على الاقتصادين الأمريكي والأوروبي فحسب، بل يمتد ذلك أيضاً ليشمل الاقتصاد العالمي.

رسوم ترامب الجمركية
رسوم ترامب الجمركية/عربي بوست

ما الذي يهدد به ترامب؟

قال ترامب، السبت 17 يناير/ كانون الثاني، إنه سيفرض رسوماً جمركية بنسبة 10% على واردات الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وهولندا وفنلندا اعتباراً من الأول من فبراير/ شباط.

وأضاف ترامب، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أن الرسوم سترتفع إلى 25% في الأول من يونيو/ حزيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق لبيع غرينلاند للولايات المتحدة بحلول ذلك الوقت.

ومن بين المنتجات الأوروبية التي ستتأثر بالرسوم المقترحة مجموعة من السلع الفاخرة والراقية، بدءاً من العطور والأجبان والنبيذ الفرنسي، وصولاً إلى السيارات الألمانية.

كيف ردت أوروبا؟

يناقش القادة الأوروبيون، الذين يجتمع العديد منهم في دافوس بسويسرا هذا الأسبوع لحضور الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي، خيارات الاتحاد للرد.

وتشمل الخيارات الأوروبية فرض رسوم جمركية على سلع أمريكية تزيد قيمتها على 100 مليار دولار.

كما هدد قادة الاتحاد الأوروبي بتفعيل أداة مكافحة الإكراه الاقتصادي التابعة للكتلة – والمعروفة على نطاق واسع باسم "البازوكا الكبيرة" – التي صُممت لمنح الاتحاد الأوروبي أدوات أكثر قوة للرد على التنمر السياسي والابتزاز التجاري من قِبل دولة أخرى.

وتتيح هذه الآلية للاتحاد الأوروبي فرض عقوبات تجارية شاملة، مثل استبعاد شركات الدولة المعتدية من سوقه الداخلية، وفرض ضوابط على الصادرات، أو إنهاء حماية الملكية الفكرية.

القلق الأوروبي من توسع الحرب
علم الاتحاد الأوروبي في بروكسل/الأناضول

وتهدف هذه التدابير المضادة إلى أن تكون متناسبة مع الضرر الاقتصادي المُلحَق، مع تقليل الأضرار التي تلحق بأوروبا إلى أدنى حد.

ونظرياً، يمكن للاتحاد الأوروبي استهداف أي شيء بدءاً من شركات التكنولوجيا والعملات الرقمية الأمريكية، وصولاً إلى شركات تصنيع الطائرات أو المنتجات الزراعية، وفق تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

هل سيُقدم الاتحاد الأوروبي على هذه الخطوة؟

حثّت فرنسا حلفاءها الأوروبيين على النظر في استخدام أداة مكافحة الإكراه إذا مضى ترامب قدماً في فرض تعريفات جمركية بسبب غرينلاند.

ووافق وزير المالية الألماني، لارس كلينغبايل، على اقتراحات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بأن على الاتحاد الأوروبي "النظر في استخدام هذه التدابير".

لكن المستشار الألماني، فريدريش ميرز، اتخذ نبرة أكثر تصالحية، مشيراً إلى اعتماد ألمانيا الأكبر على الصادرات. وأضاف أن التجربة أثبتت أن ترامب منفتح على الإقناع.

ولطالما ترددت الدول التي تولي أهمية بالغة للتجارة الحرة، مثل أيرلندا وهولندا، أو تلك التي يقودها سياسيون تربطهم علاقة وثيقة بترامب، مثل إيطاليا، في النظر في اتخاذ مثل هذه الإجراءات. أما الآن، فتركز معظم الدول الأعضاء على الحوار مع الولايات المتحدة.

وأظهر اجتماع أزمة لكبار دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي، الأحد 18 يناير/ كانون الثاني، عدم وجود أغلبية لاستخدام آلية مكافحة الإكراه في الوقت الراهن.

وينتظر مسؤولو بروكسل أيضاً قرار المحكمة العليا الأمريكية بشأن قانونية تعريفات ترامب الجمركية، الذي قد يصدر في وقت مبكر من يوم الثلاثاء 20 يناير/ كانون الثاني.

وأكد الاتحاد الأوروبي أنه لن يتخذ أي إجراء استباقي حتى تصبح تعريفات ترامب الجمركية سارية المفعول.

ما هو حجم التبادل التجاري بين أمريكا والاتحاد الأوروبي؟

الاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، وأوروبا هي أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر في الولايات المتحدة، وفيما يلي تفصيل لحجم التبادل التجاري بين الطرفين، وفق بيانات مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة:

  • بلغ إجمالي تجارة السلع والخدمات الأمريكية مع الاتحاد الأوروبي ما يقدر بنحو 1.5 تريليون دولار في عام 2024، بزيادة قدرها 5.7% (80 مليار دولار) عن عام 2023.
  • بلغ إجمالي حجم التجارة الأمريكية في السلع (الصادرات والواردات) مع الاتحاد الأوروبي حوالي 975.5 مليار دولار في عام 2024.
  • تجاوزت صادرات السلع الأمريكية إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2024 نحو 369.8 مليار دولار، بزيادة قدرها 0.4% (1.4 مليار دولار) عن عام 2023.
  • أما واردات السلع الأمريكية من الاتحاد الأوروبي في عام 2024 فبلغت 605.7 مليار دولار، بزيادة قدرها 5.1% (29.6 مليار دولار) عن عام 2023.
  • بلغ إجمالي تجارة الخدمات الأمريكية (الصادرات والواردات) مع الاتحاد الأوروبي نحو 500.9 مليار دولار في عام 2024. وبلغت صادرات الخدمات الأمريكية إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2024 نحو 294.7 مليار دولار، بزيادة قدرها 12.3% (32.2 مليار دولار) عن عام 2023.
  • أما واردات الخدمات الأمريكية من الاتحاد الأوروبي في عام 2024 فبلغت نحو 206.1 مليار دولار، بزيادة قدرها 8.9% (16.9 مليار دولار) عن عام 2023.

ماذا تعني رسوم ترامب الجمركية لأوروبا؟

بلغت القيمة الإجمالية لواردات الولايات المتحدة من الدول التي يستهدفها ترامب أكثر من 365 مليار دولار العام الماضي، أي ما يعادل نصف صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة تقريباً.

وجاءت أكبر الصادرات من ألمانيا بقيمة تزيد على 160 مليار دولار، تليها المملكة المتحدة بقيمة 68 مليار دولار، ثم فرنسا بقيمة 60 مليار دولار.

وتشير تقديرات بنك غولدمان ساكس إلى أن فرض تعريفة جمركية بنسبة 10% سيؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الدول الأوروبية المتضررة بنسبة تتراوح بين 0.1% و0.2% نتيجة انخفاض الصادرات.

وستكون ألمانيا الأكثر تضرراً، حيث تصل نسبة الانخفاض إلى 0.3% في حال تطبيق تعريفة شاملة على جميع السلع.

أما بالنسبة لمنطقة اليورو ككل، فستبلغ نسبة الانخفاض المتوقعة حوالي 0.1%، مع تأثير مماثل على المملكة المتحدة، بحسب صحيفة الغارديان.

كيف ستتأثر أمريكا بالرد الأوروبي؟

لن تفلت الولايات المتحدة من العواقب، إذ ستدفع الشركات والمستهلكون الأمريكيون ضرائب حدودية إضافية على الواردات، مما سيؤثر سلباً على النشاط والاستثمار، وربما يؤدي إلى زيادة التضخم.

وقال خبراء اقتصاديون إن فرض تعريفات متبادلة لن يتسبب على الأرجح في حدوث ركود في الولايات المتحدة، لكنه قد يبطئ النمو، ويؤثر في قطاع التصنيع المحلي المتعثر بالفعل، ويرفع الأسعار بالنسبة للمستهلكين والشركات، حيث تكافح الولايات المتحدة بالفعل لإعادة التضخم إلى مستويات مناسبة، وفق تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال.

وأظهرت دراسة جديدة أجراها معهد كيل للاقتصاد العالمي، وهو مركز أبحاث ألماني، أن الشركات والمستهلكين الأمريكيين تحملوا 96% من تكاليف الرسوم الجمركية في عامي 2024 و2025، بينما لم يتحمل المصدرون الأجانب سوى 4% فقط.

وعلى المدى الطويل، قد يؤدي تدهور العلاقات إلى تقليل اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة وتعميق العلاقات التجارية في أماكن أخرى، مما يضعف العلاقة التي كانت محركاً للازدهار على جانبي المحيط الأطلسي.

وبالنسبة للولايات المتحدة، قد تكون النتيجة النهائية انخفاض مبيعات الشركات الأمريكية إلى أوروبا، مما سيؤثر سلباً في أرباحها ويفتح الباب أمام منافسين من دول مثل الصين، كما ذكرت ماري لوفلي، الباحثة في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، لصحيفة وول ستريت جورنال. وأضافت: "بمجرد إقامة هذه العلاقات الجديدة، يصعب تغييرها".

الدولار الأمريكي/رويترز
الدولار الأمريكي/رويترز

ولا تقتصر المخاطر الاقتصادية على الحرب التجارية فحسب، فقد حذر بعض المحللين من أن تهديدات ترامب ضد أوروبا قد تدفع المستثمرين الأوروبيين إلى تقليص استثماراتهم في الأسهم والسندات الأمريكية، مما يؤدي إلى ضعف الدولار، وانخفاض أسعار الأسهم الأمريكية، وارتفاع تكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة.

ويؤدي ارتفاع تكاليف الاقتراض بدوره إلى تباطؤ استثمارات الشركات وإنفاق الأسر، مما يُبطئ النمو الاقتصادي.

ويعاني الاقتصاد الأمريكي من نقاط ضعف، فقطاع التصنيع الأمريكي الذي يتعرض بالفعل لضغوط من التوترات التجارية وارتفاع أسعار الفائدة، والذي يشهد انكماشاً وفقاً لبعض المقاييس، معرض للخطر بشكل خاص لأن سلاسل التوريد الخاصة به متشابكة بشكل وثيق مع أوروبا، كما قالت الباحثة لوفلي.

وتستورد العديد من المصانع الأمريكية الآلات والتوربينات والمكونات من أوروبا، وتؤدي الرسوم الجمركية إلى زيادة تكاليفها. وإذا ردّت أوروبا بفرض رسوم على البضائع الأمريكية، فقد يتضرر المصنّعون الذين يصدّرون عبر المحيط الأطلسي. وقالت لوفلي: "إنها مجرد ضربة أخرى".

كيف سيتأثر الاقتصاد العالمي؟

عالمياً، حذّر كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، بيير أوليفييه غورينشاس، من أن حرباً تجارية متبادلة قد تؤدي إلى انخفاض الناتج العالمي بنحو 0.3%.

وقال لصحيفة الغارديان: "نعلم جميعاً أنه لا يوجد رابح في الحرب التجارية، وهذا ما يجب أن نتذكره".

هل يمكن تجنب حرب تجارية شاملة؟

يأمل الخبراء أن يكون قرار المحكمة العليا بخصوص قانونية التعريفات الجمركية ضد ترامب، حيث سيُبطل هذا القرار إعلانه الأخير، ويُجبره على البحث عن بدائل، وهو ما قد يستغرق وقتاً. أو ربما يتأثر بضغوط السوق أو تهديدات الاتحاد الأوروبي بالرد على ترامب بفرض تعريفات جمركية جديدة.

كما أن الرئيس لا يحظى بشعبية محلية كما كان قبل عام، في حين أن معظم الأمريكيين لا يهتمون كثيراً بغرينلاند، حيث أظهر استطلاع رأي أجرته شبكة سي إن إن مؤخراً أن 75% من السكان يعارضون الضم، مما يزيد من الآمال في أن يعرقل الكونغرس الأمريكي طموحاته هناك.

ومع ذلك، تتجاوز تهديدات ترامب الأخيرة الأساليب المعتادة في ابتزاز الحلفاء التقليديين لأغراض سياسية.

وقال كالوم بيكرينغ، كبير الاقتصاديين في شركة بيل هانت، لصحيفة الغارديان: "يكمن الخطر في أن ترامب حاصر نفسه في زاوية ضيقة، فبعد أن أوضح رغبته في امتلاك الولايات المتحدة لغرينلاند، فإن أي شيء أقل من ذلك سيُعد خسارة له".

    تحميل المزيد