لطالما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أشد منتقدي مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بحجة أن المنظمة لا ترقى إلى مستوى إمكاناتها الكاملة، ويبدو الآن أنه يحاول تشكيل "مجلس السلام" الخاص به والذي يتخطى إدارة غزة إلى منصة دولية قابلة للتوسع عالمياً على حساب الأمم المتحدة.
وبرزت مبادرة "مجلس السلام" في سياق اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة ضمن خطة ترامب التي حصلت على تأييد من مجلس الأمن في نوفمبر/ تشرين الأول 2025، ورغم أن قرار المجلس يقتصر على غزة وينتهي بنهاية 2027، إلا أن ترامب بمجلسه يسعى لبناء هيكل موازٍ للجهود الدولية التقليدية لحل النزاعات يتجاوز غزة.
ماذا يقول ميثاق مجلس السلام؟
يُعرَّف ميثاق "مجلس السلام" بأنه منظمة دولية هدفه تعزيز الاستقرار واستعادة حوكمة موثوقة وتحقيق سلام دائم في مناطق النزاع أو المهددة به، مع الالتزام بالقانون الدولي وتطوير "أفضل ممارسات" قابلة للتطبيق.
ووفقاً للميثاق، سيتولى ترامب أول رئاسة لهذا المجلس، كما سيكون له القرار فيمن تتم دعوتهم للانضمام إلى المجلس الذي تتخذ قراراته بالأغلبية، بحيث يكون لكل دولة عضوة صوت واحد، إلا أن جميع القرارات تبقى خاضعة لموافقة الرئيس فقط.
ولا تتجاوز مدة عضوية كل دولة 3 سنوات من تاريخ دخول الميثاق حيز التنفيذ، وستكون قابلة للتجديد بقرار من ترامب، ولا تسري مدة العضوية وهي 3 سنوات على الدول الأعضاء التي تساهم بأكثر من مليار دولار أمريكي نقداً في مجلس السلام خلال السنة الأولى.
ويمنح الميثاق الرئيس ترامب إقالة أي عضو في "مجلس السلام"، مع مراعاة حق النقض بأغلبية ثلثي الدول الأعضاء.
كما يمنحه السلطة الحصرية لإنشاء أو تعديل أو حل الكيانات الفرعية حسب الضرورة، فيما ينص الميثاق على أنه لا يجوز استبدال الرئيس إلا في حالة الاستقالة الطوعية أو نتيجة العجز، وذلك بموافقة بالإجماع من المجلس التنفيذي.
فيما يتم اختيار المجلس التنفيذي من قبل الرئيس، على أن يخدم أعضاؤه لمدة عامين، ويخضعون للعزل أو التجديد بقرار منه.
هل مجلس السلام هيئة موازية للنظام الدولي؟
بحسب تقرير في "مجموعة الأزمات الدولية"، فإن ميثاق مجلس السلام لا يتطرق إلى ميثاق الأمم المتحدة أو قرار مجلس الأمن الذي أجاز إنشاء المجلس لفترة تنتهي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2027، ويبدأ بانتقاد مؤسسات صنع السلام القائمة.
وفي ديباجة الميثاق هناك تأكيد على "ضرورة التحلي بالشجاعة للابتعاد عن المقاربات والمؤسسات التي كثيرا ما أخفقت"، في إشارة مبطنة لفشل المنظومة الدولية الحالية في تحقيق السلام.
ويرى تقرير "مجموعة الأزمات الدولية" أنه، بخلاف ميثاق الأمم المتحدة، الذي يُخوّل مجلس الأمن اتخاذ قرارات ملزمة قانوناً لجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، فإن مسودة نص مجلس السلام لا تتطرق إلى أي صلاحيات من هذا القبيل، ومع ذلك فإن الدور الذي نصّبه "مجلس السلام" لنفسه في مجال السلام والأمن الدوليين من شأنه أن يتعدى على مسؤوليات مجلس الأمن.
فيما يثير ميثاق "مجلس السلام" مخاوف لدى دبلوماسيين أوروبيين من أن واشنطن تنوي توسيع المجلس ليعالج صراعات عالمية بمعزل عن مؤسسات الأمم المتحدة، ونقلت مصادر غربية وصف بعضهم لهذا الكيان بأنه "أمم متحدة بنسخة ترامب" تتجاهل أسس ميثاق الأمم المتحدة، بحسب وكالة رويترز.
كذلك أعرب 3 دبلوماسيين غربيين عن القلق من أن إطلاق المجلس بهذا الشكل سيضعف الأمم المتحدة ويقزّم دورها إذا مضى قدماً في ذلك.
ووفقاً لمايا أونغار، محللة شؤون الأمم المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية، فإن البعض يقول إن "مجلس السلام" نموذج بديل لمجلس الأمن، بينما يقول آخرون إن هذا استيلاء على السلطة من ترامب لانتزاع بعض سلطة الدول الأعضاء الأخرى.
أما الصحفي الأمريكي غيرشون باسكين، فقال إنه "إذا كان بإمكان ترامب، بصفته رئيس المجلس استخدام حق النقض ضد أي شيء، فهذا لا يتماشى مع القانون الدولي، وهذا هو الخطر المتمثل في تفكيك بنية العلاقات بين الدول التي كانت قائمة منذ الحرب العالمية الثانية".
ما هي المعوقات التي تواجه تشكيل ترامب لـ"مجلس السلام"؟
دعا الرئيس الأمريكي نحو 60 دولة للانضمام إلى "مجلس السلام"، إلا أنه يواجه تحديات كبيرة من أجل الحصول على قبول دولي واسع له.
وقال محللون لـ"وول ستريت جورنال" إن الصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا، وهي القوى الأربع الكبرى الأخرى التي تشغل مقاعد دائمة في مجلس الأمن الدولي وتتمتع بحق النقض (الفيتو) على قراراته، من المرجح أن تتردد في استبدال هذا المجلس بمجلس إدارة ترامب، كما أن العديد من الدول الأخرى التي ترى في الأمم المتحدة المنتدى الدولي الرئيسي الذي يمكنها من خلاله ممارسة نفوذها، من المرجح أن تكون متشككة بالقدر نفسه على الأقل.
فعلى الجانب الأوروبي، تسود شكوك وتحفظات حيال المبادرة، فيما أكد مسؤولون في الاتحاد الأوروبي أنهم يدرسون بعناية مسألة الانضمام، مشيرين إلى أن دول أوروبا لن تسارع للانضمام ما لم يتضح موقع المجلس ضمن النظام الدولي القائم وعدم نيته الحلول محل المؤسسات الحالية.
ونُقل عن مصادر قريبة من الرئاسة الفرنسية أن باريس ترفض الانخراط في مجلس السلام لأن ميثاقه "يتجاوز إطار غزة الحصري" على غير المتوقع ويثير أسئلة جوهرية حول التزامه بمبادئ الأمم المتحدة والنظام الدولي، وشددت على أن هذه المبادئ "لا يمكن المساس بها بأي شكل"، بحسب تقرير في "جيروزاليم بوست".
كذلك أشار دبلوماسيون أوروبيون إلى غياب أي إشارة لميثاق الأمم المتحدة في وثائق المجلس، ما يعمّق القلق من تقويض الأسس التي يرتكز عليها التعاون الدولي.
ويقول جوليان بارنز–دايسي، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، لـ"وول ستريت جورنال"، إنه من الصعب عدم قراءة هذا على أنه محاولة لإرساء سابقة في غزة يمكن استخدامها في أماكن أخرى، من حيث القول بأن ترامب هو من سيتحكم في الأمور العالمية هنا، وعليك إما أن تلتزم بالخط أو أن تكون خارج العملية.
ورغم أن الاتحاد الأوروبي تلقى دعوة رسمية للمشاركة (كوحدة واحدة إضافة إلى الدعوات الفردية للدول)، لم تقدم بروكسل أي رد إيجابي بعد، بل أكدت أنها ستقرر بناءً على مراجعة شاملة، بما في ذلك تكاليف العضوية وشروطها (في إشارة إلى مساهمة المليار دولار المطلوبة).
أما بالنسبة لبريطانيا، فقد قال رئيس الوزراء كير ستارمر إن بلاده تدعم الخطوات المتخذة في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وفي تعليقه على الانضمام إلى "مجلس السلام"، أوضح أن المملكة المتحدة تناقش ذلك مع حلفائها، ولا سيما الشروط المتعلقة بإنشائه.
أما المعوق الآخر فيتعلق بـ"التوازنات الدولية"، فقد شمل ترامب بدعواته حوالي 60 دولة حول العالم، بينها حلفاء غربيون وعرب، إلى جانب دول كالهند وباكستان وحتى روسيا، في محاولة لحشد تأييد عالمي واسع.
غير أن دعوة روسيا، مثلاً، قوبلت بتحفظ ضمني أوروبي نظراً لانعدام الثقة ببوتين، رغم أن الأوروبيين أوضحوا أن وجوده ليس عامل الرفض الرئيسي لديهم، بحسب "جيروزاليم بوست".
وبالمثل، يُتوقع أن الصين وبلدان أخرى لن تؤيد أي هيكل بديل قد يهمّش نفوذها في الأمم المتحدة. وهناك أيضاً حساسية دول صغيرة إزاء استبدال الأمم المتحدة، لأنها ترى في المنظمة الأممية منبراً يضمن لها صوتاً في القرارات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
كما أن محاولة توسيع "مجلس السلام" قد تُستعمل كورقة مساومة بين محاور دولية، ما يجعل المجلس ساحة صراع نفوذ بدل أن يكون أداة "حل نزاعات"، بحسب "فاينانشيال تايمز".
والمعوق الثالث يتعلق بموقف إسرائيل، التي اعترضت على إدراج تركيا وقطر في المجلس التنفيذي المكلف بغزة، باعتباره يتعارض مع سياستها ولا يحظى بتنسيق مسبق معها.
كما أعرب وزراء اليمين المتطرف في ائتلاف نتنياهو عن رفضهم لأي "وصاية دولية"، أو أي صيغة تُفهم على أنها تقييد لحرية عمل الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة.
وكتب وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، حليف نتنياهو اليميني المتطرف، في منشور على موقع "إكس" يوم السبت: "لا يمكن للدول التي دعمت حماس أن تحل محلها. يجب على رئيس الوزراء أن يلتزم بهذا الموقف حتى لو تطلب ذلك إدارة خلاف مع حليفنا العظيم ومبعوثي الرئيس ترامب".