تضع رغبة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في السيطرة على غرينلاند، وهي إقليم دانماركي يتمتع بحكم ذاتي، أوروبا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) في موقف صعب، حيث بات يتعين عليهم البحث عن خيارات لمواجهة واشنطن ولحماية منطقة القطب الشمالي.
وصرحت إدارة ترامب مراراً وتكراراً بأن الولايات المتحدة بحاجة إلى السيطرة على غرينلاند، وقال الرئيس الأمريكي إن الولايات المتحدة بحاجة إلى امتلاك غرينلاند لمنع روسيا أو الصين من احتلالها في المستقبل.
ويضع هذا الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو أمام معضلة صعبة. فبينما لا تتمتع غرينلاند بصفة العضو في التكتل مقارنة بوضع الدنمارك، فإن الجزيرة القطبية مشمولة بضمانات التحالف الدفاعي من خلال عضوية الدنمارك، وفق تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.
Europe has NO STRATEGY to deter possible US seizure of Greenland — Financial Times
— RT (@RT_com) January 10, 2026
It's also helpless against any 'attempt to bribe or coerce Greenlanders into seceding from Denmark or becoming a US vassal'
Without hard power, Europe's 'at the mercy of American goodwill' pic.twitter.com/2Y7SHdYZBk
وفي الوقت الذي دافع فيه القادة الأوروبيون بقوة عن السيادة والسلامة الإقليمية وحق غرينلاند والدنمارك في اتخاذ القرارات بشأن المسائل التي تخصهما، لا توجد حتى الآن استراتيجية واضحة حول كيفية ردع ترامب، أو الرد إذا قام بخطوة ما.
ورصدت تقارير وسائل إعلام غربية بعض الخيارات التي قد تلجأ إليها الدول الأوروبية بجانب حلف الناتو في أزمة غرينلاند، ولعل من أبرزها:
أولاً: خيار الدبلوماسية
بدأت الحكومات الأوروبية، بقيادة سفير الدنمارك لدى الولايات المتحدة، جيسبر مولر سورنسن، ومبعوث غرينلاند، جاكوب إسبوسيثسن، في ممارسة الضغط على المشرعين الأمريكيين لإقناع الرئيس بالتخلي عن طموحاته الإقليمية للجزيرة.
كما تهدف المبادرات الدبلوماسية إلى تلبية المخاوف الأمنية الأمريكية، أولاً من خلال التأكيد على أن معاهدة الدفاع الأمريكية الدنماركية القائمة منذ عام 1951، التي تم تحديثها في عام 2004، تسمح بالفعل بتوسيع التواجد العسكري الأمريكي في الجزيرة، بما في ذلك قواعد جديدة.
وفي رسالة موجهة مباشرة إلى الجمهوريين خارج دائرة ترامب المؤيدة لترامب، قال الدبلوماسيون الأوروبيون إن الهجوم الأمريكي على غرينلاند، الذي يعني فعلياً انقلاب عضو على آخر، سيعني "نهاية الناتو".

وبشكل أكثر تحديداً، أفادت التقارير أن سفراء الناتو اتفقوا في بروكسل الأسبوع الماضي على أن التحالف عبر الأطلسي يجب أن يتحرك لزيادة الإنفاق العسكري في القطب الشمالي، ونشر المزيد من المعدات، وإجراء المزيد من التدريبات الأكبر حجماً للمساعدة في تهدئة المخاوف الأمنية الأمريكية.
وقال وزير الدفاع البلجيكي، ثيو فرانكن، لرويترز، إنه يتعين على حلف الناتو إطلاق عملية في القطب الشمالي للتعامل مع المخاوف الأمنية الأمريكية.
واقترح فرانكن عمليتي "حارس البلطيق"، وهي عملية تابعة لحلف الناتو تم إطلاقها العام الماضي لتأمين البنية التحتية في بحر البلطيق، و"الحارس الشرقي"، التي وسعت المفهوم لحماية الجناح الشرقي لأوروبا على نطاق أوسع من الطائرات من دون طيار والتهديدات الأخرى، بصفتهما نموذجين محتملين لعملية "حارس القطب الشمالي".
ثانياً: العقوبات الاقتصادية
من الناحية النظرية، يتمتع الاتحاد الأوروبي، وهو سوق يضم 450 مليون شخص، بنفوذ اقتصادي كبير على الولايات المتحدة، ويمكنه التهديد باتخاذ إجراءات انتقامية تتراوح بين إغلاق القواعد العسكرية الأمريكية في أوروبا وحظر شراء الأوروبيين لسندات الحكومة الأمريكية، بحسب صحيفة الغارديان.
وتشمل أكثر العقوبات التي يتم الترويج لها على نطاق واسع أداة مكافحة الإكراه التابعة للاتحاد الأوروبي، أو "بازوكا التجارة"، التي تمنح المفوضية الأوروبية سلطة منع السلع والخدمات الأمريكية من دخول سوق الاتحاد الأوروبي، وفرض التعريفات الجمركية، وتجريدها من حقوق الملكية الفكرية، ومنع استثماراتها.
لكن ذلك يتطلب موافقة الحكومات الوطنية للتكتل على استخدامه، وهو أمر يبدو من غير المرجح أن تفعله هذه الحكومات التي لا تبدو راغبة في إلحاق ضرر اقتصادي بالتكتل، وتحرص على إبقاء الولايات المتحدة داعمة لها بشأن أوكرانيا.
وأشار جان ماري غيهينو، وهو مسؤول سابق رفيع المستوى في الأمم المتحدة، إلى أن أوروبا تعتمد على شركات التكنولوجيا الأمريكية في جميع أنواع المجالات: "سواء كان الأمر يتعلق بحماية البيانات أو الذكاء الاصطناعي أو تحديثات البرامج، بما في ذلك لأغراض الدفاع، فإن أوروبا لا تزال تحت رحمة حسن النية الأمريكية".

ثالثاً: الاستثمار في غرينلاند
يعتمد اقتصاد غرينلاند بشكل كبير على الإعانات السنوية من الدنمارك، التي بلغ مجموعها حوالي 4 مليارات كرونة دنماركية (حوالي 530 مليون يورو) في العام الماضي، والتي تغطي ما يقرب من نصف ميزانية الإنفاق العام للإقليم الشاسع، وتمثل حوالي 20% من الناتج المحلي الإجمالي.
وبينما وعد ترامب بـ"استثمار مليارات الدولارات" في غرينلاند، فقد يلجأ الاتحاد الأوروبي إلى ضخ مزيد من الاستثمارات في محاولة لإبقاء الجزيرة بعيداً عن قبضة الولايات المتحدة الاقتصادية.
ووفقاً لمسودة اقتراح المفوضية في سبتمبر/ أيلول 2025، يمكن للاتحاد الأوروبي اعتباراً من عام 2028 مضاعفة التزاماته تجاه غرينلاند لمطابقة المنحة الدنماركية السنوية، في حين يمكن للجزيرة أيضاً التقدم بطلب للحصول على ما يصل إلى 44 مليون يورو من تمويل الاتحاد الأوروبي للأراضي النائية المرتبطة بالاتحاد الأوروبي.
وفي حين أن واشنطن قد يكون لديها مليارات أكثر لتقدمها مقارنة ببروكسل، إلا أن سكان غرينلاند قد يكونون، بمجرد حصولهم على استقلالهم، حذرين من تعريض أنفسهم للشركات الأمريكية الجشعة، ومترددين في فقدان نظام الضمان الاجتماعي الخاص بهم على النمط الإسكندنافي.

رابعاً: نشر قوات عسكرية
ذكرت وكالة بلومبرغ الأمريكية أن مجموعة من الدول الأوروبية بقيادة بريطانيا وألمانيا تناقش خططاً لتعزيز وجودها العسكري في غرينلاند، لتظهر للرئيس الأمريكي أن القارة جادة بشأن أمن القطب الشمالي.
وأضافت الوكالة، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن ألمانيا ستقترح تشكيل بعثة مشتركة من حلف شمال الأطلسي لحماية منطقة القطب الشمالي.
وفي ورقة بحثية لمركز أبحاث "بروجيل"، جادل مورينو بيرتولدي وماركو بوتي بأن حكومات الاتحاد الأوروبي يجب أن "تحمي غرينلاند بشكل استباقي من التوسع الأمريكي"، مضيفين: "يمتلك الاتحاد الأوروبي قدرة على الانتشار السريع ويجب تفعيلها".
وفي إطار الاتفاق مع كوبنهاغن ونوك، سيتعين نشر قوات أوروبية في الجزيرة "كدليل على التزام أوروبا بوحدة أراضي غرينلاند"، وفق الورقة البحثية. ورغم أن ذلك لن يمنع ضم الولايات المتحدة لها، إلا أنه سيجعل الأمر أكثر تعقيداً.
وأضافت الورقة البحثية: "على الرغم من عدم وجود حاجة لمواجهة مسلحة، فإن مشهد قيام الولايات المتحدة بأسر جنود أقرب حلفائها من شأنه أن يدمر مصداقية الولايات المتحدة، ويشوّه سمعتها الدولية، ويؤثر بقوة على الرأي العام الأمريكي والكونغرس".
I promise not to do this to Greenland! pic.twitter.com/03DdyVU6HA
— Donald J. Trump (@realDonaldTrump) August 20, 2019
وقال متحدث باسم الحكومة الألمانية الأسبوع الماضي إن برلين تعمل على خطة "تتضمن الردع الأوروبي" في حالة محاولة الولايات المتحدة الاستيلاء على غرينلاند، بينما طرح وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، العام الماضي احتمال نشر قوة عسكرية فرنسية.
وتُشكّل قدرة الاتحاد الأوروبي على الانتشار السريع إطاراً لنشر ما يصل إلى 5000 جندي من عدة دول أعضاء، تحت قيادة الاتحاد الأوروبي، للاستجابة للأزمات خارج التكتل. ويعتقد الخبراء وبعض السياسيين أن هذه القدرة قد تُغيّر حسابات الولايات المتحدة.
وقال سيرغي لاغودينسكي، عضو البرلمان الأوروبي عن حزب الخضر الألماني: "لا أحد يعتقد أن الحرب بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مرغوبة أو يمكن الفوز بها. لكن أي تحرك عسكري أمريكي ضد الاتحاد الأوروبي ستكون له عواقب وخيمة على التعاون الدفاعي والأسواق والثقة العالمية بالولايات المتحدة".
خامساً: حل وسط
ووفق تقرير لمجلة بوليتيكو الأمريكية، فإن التوصل إلى تسوية تفاوضية يخرج فيها ترامب من المحادثات بشيء يمكنه تسويقه على أنه انتصار، وتسمح للدنمارك وغرينلاند بحفظ ماء الوجه، ربما يكون أسرع طريق للخروج من المأزق.
واقترح مسؤول كبير سابق في حلف الناتو أن الحلف يمكنه التوسط بين غرينلاند والدنمارك والولايات المتحدة، كما فعل مع أعضاء الحلف تركيا واليونان بشأن نزاعاتهم.
وقال سفير الولايات المتحدة لدى حلف الناتو، ماثيو ويتاكر، إن ترامب ومستشاريه لا يعتقدون أن غرينلاند مؤمنة بشكل كافٍ. وأضاف: "مع ذوبان الجليد وانفتاح الطرق في القطب الشمالي والشمال الأقصى… تُصبح غرينلاند خطراً أمنياً جسيماً على البر الرئيسي للولايات المتحدة الأمريكية".