ما هو حجم الاستثمارات الصينية في فنزويلا وكيف ستتأثر بعد سقوط مادورو؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/01/06 الساعة 12:13 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/01/06 الساعة 12:13 بتوقيت غرينتش
ما هو حجم الاستثمارات الصينية في فنزويلا وكيف ستتأثر بعد سقوط مادورو؟ /عربي بوست

تبدو الصين إحدى الدول التي قد تشعر بالقلق إزاء الهجوم الأمريكي الأخير على فنزويلا وإطاحة الرئيس نيكولاس مادورو، حيث تمتلك بكين أصولاً استثمارية كبيرة لدى كاراكاس تشمل قطاعات عدة في مقدمتها الطاقة والنفط والاتصالات.

وفي ظل العقوبات الدولية المطولة المفروضة على فنزويلا، برزت الشركات الصينية بوصفها واحدة من الشركات القليلة التي كانت على استعداد لضخ الموارد في اقتصاد الدولة اللاتينية، الذي عانى من الاضطرابات.

ومع ذلك، فإن اعتقال القوات الأمريكية للرئيس مادورو السبت الماضي – بعد ساعات فقط من لقاء مادورو مع دبلوماسيين صينيين لإعادة تأكيد شراكتهم الاستراتيجية – يثير مخاوف بشأن مستقبل هذه الاستثمارات.

وطالبت الصين، الإثنين 5 يناير/ كانون الثاني، بالإفراج الفوري عن الرئيس الفنزويلي عقب الهجوم الأمريكي على بلاده.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، لين جيان، في مؤتمر صحفي دوري، إن الصين تشعر بقلق بالغ إزاء اعتقال الولايات المتحدة لمادورو وزوجته، وتتابع عن كثب الوضع الأمني.

في هذا التقرير نستعرض حجم الاستثمارات الصينية في فنزويلا وكيف يمكن أن تتأثر بعد سقوط مادورو.

ما هي استثمارات الصين في فنزويلا؟

أولاً: الطاقة

تشكل مشاريع الطاقة والنفط حجر الزاوية لوجود الصين في البلاد، حيث تدير شركة البترول الوطنية الصينية (CNPC) الحكومية العملاقة العديد من المشاريع المشتركة الرئيسية، وفق تقرير لموقع ساوث تشاينا مورنينغ.

وتمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، وتحديداً في حزام أورينوكو الأوسط، الواقع في حوض شرق فنزويلا على طول نهر أورينوكو.

وتقوم شركة بتروسينوفينسا، وهي مشروع مشترك تم تأسيسه في عام 2008 من قبل شركة البترول الوطنية الصينية (CNPC) وشركة النفط الفنزويلية الحكومية (PDVSA)، بتطوير النفط الخام الثقيل جداً في هذه المنطقة، ويتم شحن جزء كبير منه مباشرة إلى الصين لسداد ديون فنزويلا السيادية.

وفيما يلي تفاصيل حول دور بكين في قطاع النفط الفنزويلي، بحسب تقرير لوكالة رويترز:

  • يُباع جزء كبير من صادرات النفط الفنزويلية إلى الصين، على الرغم من أن بكين لا تُعلن إلا عن كميات ضئيلة منها.
  • ووفقاً لشركة تحليلات الطاقة "فورتيكسا"، بلغت الواردات حوالي 470 ألف برميل يومياً خلال عام 2025، أي ما يُعادل 4.5% تقريباً من واردات الصين من النفط الخام المنقول بحراً.
  • تُعدّ مصافي التكرير الصغيرة المستقلة، المعروفة باسم "مصافي الشاي"، المشتري الصيني الرئيسي للنفط الخام الفنزويلي المخفّض. كما يُخصّص جزء من عائدات النفط لسداد ديون كاراكاس لبكين، والتي يُقدّر المحللون أنها تتجاوز 10 مليارات دولار.
  • ضخ المستثمرون الصينيون 2.1 مليار دولار في قطاع النفط في البلاد بعد عام 2016، وفقاً لتقديرات معهد المشاريع الأمريكية لعام 2023، وهم من بين عدد قليل من الشركات الأجنبية التي لا تزال تعمل في البلاد.
  • ذكرت وكالة رويترز أن شركة "تشاينا كونكورد ريسورسز" الخاصة خططت العام الماضي لاستثمار أكثر من مليار دولار في حقلين نفطيين لإنتاج 60 ألف برميل يومياً بحلول نهاية عام 2026.
  • حصلت شركة كيروي بتروليوم الصينية الخاصة لخدمات النفط على عقد إنتاج نفطي من شركة النفط الفنزويلية (PDVSA) في عام 2024، وفقاً لتقرير صادر عن وكالة ستاندرد آند بورز في يوليو/ تموز 2024، نقلاً عن مسؤول مجهول في شركة PDVSA. ولم يتضح ما إذا كان العقد سارياً، كما هو الحال مع العديد من العقود غير السارية.

ثانياً: الاتصالات

تُعدّ الاتصالات ركيزة أساسية أخرى للعلاقات الثنائية، حيث باتت الشركات الصينية العملاقة المزود الرئيسي لخدمات الاتصالات في جميع أنحاء البلاد.

وتواصل شركة هواوي تكنولوجيز، التي فازت بأول عقد رئيسي لها مع الحكومة الفنزويلية في عام 2004، وهي صفقة بقيمة 250 مليون دولار أمريكي لتحسين البنية التحتية للألياف الضوئية في البلاد، دعم شبكات الجيل الرابع في فنزويلا.

وفي الوقت نفسه، لعبت شركة زد تي إي دوراً محورياً في تطوير "بطاقة الوطن"، وهي نظام هوية وطنية يعمل كطريقة أساسية للمواطنين للوصول إلى الإعانات الحكومية والبرامج الاجتماعية.

ثالثاً: مبادرة الحزام والطريق

أدى الدور الاستراتيجي لفنزويلا في مبادرة الحزام والطريق الصينية إلى استثمارات كبيرة في البنية التحتية من قبل جهات صينية. إلا أن المشاريع الجديدة شهدت ركوداً في السنوات الأخيرة مع تفاقم الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها الدولة اللاتينية.

فعلى سبيل المثال، ومع انخفاض الصادرات الفنزويلية إلى الحد الأدنى، تم تحويل مشروع ميناء إلى منشأة نفطية للمساعدة في سداد بعض ديونها للصين، وفقاً لتقرير صادر عام 2024 عن معهد ميركاتور للدراسات الصينية.

رابعاً: الديون السيادية

تُعدّ فنزويلا رابع أكبر متلقٍّ للقروض من المقرضين الرسميين الصينيين، حيث تلقت قروضاً بقيمة 106 مليارات دولار بين عامي 2000 و2023، وفقاً لبيانات معهد أبحاث AidData التابع لجامعة ويليام وماري في ولاية فرجينيا.

وفي عام 2024، قُدّر إجمالي ديون فنزويلا للصين بنحو 10 مليارات دولار.

وذكرت وكالة بلومبرغ الأمريكية نقلاً عن مصادر مطلعة أن أكبر جهة تنظيمية مالية في الصين طلبت من بنوكها المعنية بالسياسات النقدية وبنوك كبرى أخرى تقديم تقارير عن مقدار انكشافها الائتماني تجاه فنزويلا، وذلك بعد إقدام الولايات المتحدة على اعتقال الرئيس الفنزويلي.

وأضاف التقرير أن الهيئة الوطنية للإدارة التنظيمية المالية نصحت البنوك أيضاً بتعزيز مراقبة المخاطر لجميع القروض والائتمانات المرتبطة بفنزويلا، سعياً لتقييم المخاطر المحتملة التي ربما تواجهها الجهات المُقرِضة في الصين.

وعلى مدى سنوات، مدت الصين فنزويلا بخطوط ائتمان ضمن ترتيبات "قروض مقابل النفط".

وقال تقرير بلومبرغ إن خطوة الهيئة تسلط الضوء على تزايد القلق لدى الجهات التنظيمية بشأن صدمات محتملة للقطاع المصرفي مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية.

كيف يمكن أن تتأثر هذه الاستثمارات؟

قال كوي شوجون، مدير مركز دراسات أمريكا اللاتينية في جامعة رينمين، لموقع ساوث تشاينا مورنينغ، إنه في حين أنه من غير المرجح أن يلجأ نظام موالٍ للولايات المتحدة إلى التأميم القاسي أو المصادرة المباشرة للأصول الصينية، فمن المرجح أن يعلن عن مراجعة لعقود عهد مادورو.

وأضاف: "قد يزعمون أن المشاريع المشتركة بين فنزويلا والصين، مثل بتروسينوفينسا، غير دستورية"، مشيراً إلى أن هذا قد يؤدي إلى إلغاء الشروط التفضيلية للشركات الصينية، وتخفيف حصة الأسهم الصينية أو إدخال عمالقة أمريكيين، مثل شركة النفط العملاقة شيفرون، كأصحاب مصلحة مسيطرين جدد.

وبحسب تقرير لوكالة رويترز، فقد طلبت شركة PDVSA بالفعل من المشاريع المشتركة، بما في ذلك شركة بتروسينوفينسا، خفض إنتاج النفط الخام.

الحرب التجارية بين أمريكا والصين – تعبيرية

وحذر محللون من أن قطاع الاتصالات معرض للخطر بشكل خاص. وأشار شو تيانتشن، كبير الاقتصاديين الصينيين في وحدة الاستخبارات الاقتصادية، إلى أن هذه الاستثمارات الصينية قد تثير الآن مخاوف تتعلق بالأمن القومي.

وقال كوي: "إن شركات مثل هواوي وزد تي إي متجذرة بعمق في فنزويلا منذ سنوات، ومن المرجح أن تأمر حكومة موالية للولايات المتحدة بتفكيك أو حظر معدات الاتصالات الأساسية التي توفرها الشركات الصينية".

وعلى صعيد القروض الصينية المستحقة لدى فنزويلا، قال فيكتور شيه، الأستاذ بجامعة كاليفورنيا في سان دييغو، لصحيفة الغارديان البريطانية: "إذا قامت الحكومة الفنزويلية، التي تعاني من ديون كبيرة لجهات متعددة، تحت ضغط الولايات المتحدة، بوضع الدائنين والمقرضين الأمريكيين في مرتبة متقدمة على نظرائهم الصينيين، فقد تشهد البنوك الصينية خسائر كبيرة".

ماذا يعني ذلك بالنسبة لنفوذ بكين الإقليمي؟

تهدد الأحداث الجارية الطموحات الصينية في أمريكا اللاتينية، وهي سوق ناشئة مهمة طالما كانت بمثابة مصدر رئيسي للسلع الأساسية وميدان اختبار استراتيجي لنفوذ بكين العالمي.

ودأبت الصين على تعزيز دبلوماسيتها واستثماراتها مع دول أمريكا اللاتينية، ومن بينها فنزويلا، لسنوات، في تحدٍّ للنفوذ الأمريكي في محيط واشنطن التي تنظر إلى أمريكا اللاتينية تقليدياً بوصفها فنائها الخلفي.

وفي العام الماضي، استضافت بكين حواراً بين الصين ودول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وأعلنت أن حجم التبادل التجاري بين الصين وأمريكا اللاتينية بلغ مستوى قياسياً قدره 519 مليار دولار.

وتشير صور الأقمار الصناعية إلى أن الصين أنشأت مواقع مراقبة إلكترونية في كوبا، وأدارت محطة إذاعية بالأرجنتين. ومن تعدين النيكل إلى إنتاج السيارات الكهربائية، باتت الشركات الصينية قوة اقتصادية مؤثرة في البرازيل. كما يمتلك المستثمرون الصينيون حصصاً في مشاريع بنية تحتية واسعة النطاق في المنطقة، حسبما رصدت مجلة الإيكونوميست.

ومنذ تولي سلف مادورو الراحل هوغو تشافيز السلطة في عام 1999، أصبحت الصين وفنزويلا حليفتين أيديولوجيتين قويتين، وقد رفعتا مستوى العلاقات بينهما في عام 2023 إلى "شراكة استراتيجية شاملة". وكانت فنزويلا بمثابة موطئ قدم لبكين في مساعيها الحثيثة لكسب ود المنطقة.

وقال المحلل كوي: "من المرجح أن يختار أي خليفة لمادورو العمل مع الولايات المتحدة لضمان بقائه، وهذا سيأتي على حساب المصالح الصينية الحالية"، مشيراً إلى أن حكومات أمريكا اللاتينية ستتبنى موقفاً أكثر حذراً تجاه الاستثمارات الاستراتيجية الصينية مع تزايد النفوذ الأمريكي.

وقال شي يينهونغ، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة رينمين، لصحيفة فايننشال تايمز، إنه من الضروري أن تعيد الصين النظر في الاستثمار الخارجي، "وخاصة في القارات البعيدة والنائية".

وأضاف يينهونغ: "تتجلى المخاطر بشكل متزايد، لن يعيد ترامب أصول الصين في فنزويلا، فهو لا يهتم بالقانون الدولي".

تحميل المزيد