تتابع إسرائيل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية بقلق يتجاوز حسابات مقاعد الكونغرس، إذ تراها اختباراً لمستقبل علاقتها بواشنطن، ومؤشراً إلى التحولات التي أصابت نظرة الناخب الأمريكي إليها. وبينما تحضر إسرائيل في خطابات عدد من المرشحين، تخشى الأوساط الإسرائيلية أن تكون القضية أكثر أهمية لدى السياسيين منها لدى الناخبين.
ففي الوقت الذي يتصدر فيه الاقتصاد والوظائف والإجهاض أولويات قطاعات واسعة من الأمريكيين، يتصاعد الجدل حول كلفة الالتزامات الخارجية، ما فيها الدعم العسكري لإسرائيل. ويثير ذلك مخاوف تل أبيب من انتقال الانتقادات السياسية إلى ضغوط تشريعية على المساعدات والعلاقة بين البلدين.
يتغذى هذا القلق على اتساع الانتقادات داخل الحزب الديمقراطي، وظهور أصوات مماثلة داخل التيار الجمهوري، خصوصاً بين أنصار حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً" (MAGA)، التي ترفع شعار "أمريكا أولا". وبينما يركز التقدميون على حقوق الفلسطينيين والحرب في غزة، يرفض بعض أنصار الحركة الالتزامات الخارجية المكلفة.
لا يتعلق الرهان الإسرائيلي بنتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية وحدها، بل بما قد تفتحه من تغييرات في موازين القوى داخل الكونغرس، وفي توجهات الحزبين وصولاً إلى انتخابات 2028. وبين مخاوف تراجع التعاطف مع إسرائيل والجدل حول كلفة دعمها، يبرز سؤال مستقبل التحالف الأمريكي الإسرائيلي.
من يدعم التحالف ومن يريد تقييده؟
رصد لوك تريس، موفد موقع "زمان إسرائيل" إلى واشنطن، في تقرير عن انتخابات التجديد النصفي، زيارات عدد من المرشحين الأمريكيين إلى إسرائيل حظيت بتغطية إعلامية واسعة. وجاء ذلك بالتزامن مع تصاعد حضور العلاقات مع تل أبيب والحرب على غزة في خطابات المرشحين لمجلسي النواب والشيوخ.
لكن هذا الحضور لا يعني أن إسرائيل تتصدر اهتمامات الناخبين؛ إذ لا تظهر ضمن الأولويات الأساسية عندما يُسأل الأمريكيون عن القضايا التي ستحدد تصويتهم. وتكشف هذه الفجوة بين خطاب المرشحين واهتمامات الجمهور عن أحد مصادر القلق الإسرائيلي، مع احتمال تحول المواقف من إسرائيل إلى أداة للاستقطاب السياسي.
وأظهرت استطلاعات أوردها التقرير تزايد الانتقادات لإسرائيل، خصوصاً بين الشباب والديمقراطيين، وتأثير الحرب على غزة في خيارات بعض الناخبين. ومع ذلك، ظلت القضايا الداخلية أكثر أهمية، فيما حظيت الحرب في أوكرانيا باهتمام أكبر من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في بعض استطلاعات السياسة الخارجية.
ولا تتوافر، وفق التقرير، استطلاعات معروفة تثبت أن إسرائيل تتصدر اهتمامات الناخبين الأمريكيين، كما أنها ليست بالضرورة في مقدمة أولويات الأمريكيين اليهود. ومن بين المرشحين الذين جعلوا انتقاد إسرائيل محوراً لحملاتهم عبد الرحمن السيد، المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان.
في المقابل، كانت الحرب على غزة من أهم أولويات 35% من الناخبين الأمريكيين المسلمين، بعد الاقتصاد والوظائف فقط. ويعكس ذلك حضور القضية الفلسطينية لدى شريحة من الناخبين، من دون أن يعني أنها تتقدم على القضايا الداخلية في ترتيب أولويات الأمريكيين عموماً.
في مقال مشترك نشرته القناة 12، صنّف أفيشاي بن ساسون-غوردس، المحاضر في جامعة تل أبيب، وتيد ساسون، أستاذ علم الاجتماع بجامعة ميدلبري، المرشحين إلى 3 مجموعات، وفق مواقفهم من إسرائيل والمساعدات العسكرية والعلاقة بين البلدين.
تضم المجموعة الأولى المرشحين الذين يدعمون التحالف الأمريكي الإسرائيلي، ويؤيدون حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها واستمرار المساعدات والتعاون العسكري.
أما الثانية، فتشمل تقدميين معتدلين ينتقدون سياسات حكومة بنيامين نتنياهو في غزة، ويدعمون فرض قيود جديدة على مبيعات الأسلحة وإقامة دولة فلسطينية، لكنهم يتجنبون اتهام إسرائيل بالإبادة الجماعية أو المطالبة بحظر كامل للسلاح.
أما المجموعة الثالثة، فتضم مرشحين مثل عبد الرحمن السيد وزهران ممداني ورشيدة طليب وإلهان عمر، ممن يدعون إلى وقف المساعدات العسكرية ومبيعات الأسلحة الأمريكية لإسرائيل.
كما يتهمونها بارتكاب إبادة جماعية في غزة وانتهاج الفصل العنصري، ويركزون على حقوق الإنسان والقانون الدولي والحقوق الفلسطينية، وعلى ضرورة إبقاء أموال دافعي الضرائب الأمريكيين داخل الولايات المتحدة.
حرب غزة وتراجع مكانة إسرائيل
برزت إسرائيل في خطاب القوى التقدمية داخل الولايات المتحدة، خصوصاً خلال الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي. وبعد فوز مرشحين من التيار اليساري في نيويورك، هتف أنصارهم بشعارات من بينها "فلسطين حرة" و"تبا لأيباك"، في إشارة إلى لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، إحدى أبرز جماعات الضغط المؤيدة لتل أبيب.
يربط بعض الناخبين بين حكومة نتنياهو والحزب الجمهوري، ويرون أن السياسات الإسرائيلية قد تدفع الولايات المتحدة نحو مواجهة عسكرية مع إيران. وبذلك، لم يعد دعم إسرائيل يُناقش باعتباره التزاماً استراتيجياً ثابتاً فقط، بل بات يخضع لتقييم علاقته بالمصالح الأمريكية وتكاليف الانخراط في الحروب الإقليمية.
في تقرير نشرته صحيفة "إسرائيل اليوم"، رأى الخبير في الشؤون الأمريكية أور شاكيد أن المشهد يتجه نحو احتمال سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب، مع احتفاظ الجمهوريين بتقدم طفيف في مجلس الشيوخ. واعتبر أن خسارة دونالد ترامب السيطرة على المجلسين ستكون ضربة سياسية كبيرة، وقد تقيّد حركته خلال العامين الأخيرين من ولايته.
وتكتسب هذه الاحتمالات أهمية بالنسبة إلى تل أبيب؛ إذ إن خسارة الجمهوريين أغلبيتهم، بالتزامن مع استمرار صعود التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، قد تنقل الانتقادات المتعلقة بالمساعدات العسكرية من مستوى الخطاب إلى مستوى الضغط التشريعي. وقد تجد إسرائيل نفسها أمام بيئة سياسية أقل استعداداً لتوفير دعم غير مشروط.
ربط موقع "محادثة" الحقوقي الإسرائيلي، في تقرير، بين التحولات الانتخابية وتراجع التعاطف مع إسرائيل. وأظهرت بيانات مؤسسة "غالوب"، في استطلاعها، أن التعاطف مع الفلسطينيين تجاوز التعاطف مع إسرائيل للمرة الأولى في التاريخ الأمريكي الحديث.
تزامن ذلك مع تصريحات لترامب عبّر فيها عن دهشته من أن جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن أصبحت، بحسب وصفه، "أضعف من أي وقت مضى". ويربط التقرير بين تراجع نفوذ هذه الجماعات وتصاعد الضغوط الأمريكية على إسرائيل لوقف الحرب في غزة والامتثال لقرارات "مجلس السلام" الذي أنشأه ترامب.
من جهته، عدّد رون تسور، الكاتب في i24NEWS، أسباب تراجع مكانة إسرائيل، ومنها الحرب في غزة والصور التي أظهرت آثارها الإنسانية، إلى جانب سياسات نتنياهو خلال السنوات الـ17 الماضية، ومعارضته إنهاء الاحتلال والتوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين.
أشار تسور إلى المواجهة التي خاضها نتنياهو مع الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، الذي وصفه بأنه الزعيم الديمقراطي الأكثر شعبية في جيله. فقد عارض نتنياهو سياسات أوباما علناً، وعمل على مساعدة منافسه الجمهوري ميت رومني خلال الانتخابات الرئاسية عام 2012، وهو ما أسهم، وفق هذه القراءة، في تعميق الخلافات الحزبية حول إسرائيل.
لماذا لم تعد إسرائيل أولوية للناخب؟
تربط الأوساط الإسرائيلية تراجع التعاطف مع إسرائيل بما تصفه بـ"التغير الجيلي". فقد ارتبط الدعم التقليدي لها بجيل طفرة المواليد الذين رأوا في قيامها إحدى نتائج الانتصار على الفاشية بعد الحرب العالمية الثانية، وباعتبارها شريكاً غربياً خلال الحرب الباردة. كما أسهمت الجالية اليهودية الأمريكية، خصوصاً بعد حرب 1967، في تعزيز مكانتها داخل المجتمع الأمريكي.
لكن هذه الخلفية لم تعد تضمن استمرار التعاطف نفسه بين الأجيال الجديدة. فبحسب التقرير، ينظر قطاع من الشباب الأمريكيين إلى إسرائيل باعتبارها دولة تضطهد الفلسطينيين، فيما يصف بعضهم ما يجري في غزة بالإبادة الجماعية.
ويرى هؤلاء أن استمرار الدعم العسكري والدبلوماسي الأمريكي يعكس فجوة بين مواقف النخبة السياسية وقيم قطاعات من المجتمع ومصالحها الاقتصادية.
في متابعة نشرتها صحيفة "يديعوت أحرونوت"، تناول تسيفي شميلوفيتس في تقريره أثر تدخل نتنياهو في السياسة الأمريكية، والجدل المتزايد بشأن نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل. كما أثارت القوانين المناهضة لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) اعتراضات في الولايات المتحدة.
تمنع هذه القوانين موظفي الخدمة المدنية في 38 ولاية من الدعوة إلى مقاطعة إسرائيل، وهو ما اعتبره معارضون انتهاكاً للتعديل الأول للدستور المتعلق بحرية التعبير. كما أدى قمع المظاهرات المناهضة للحرب في الجامعات عام 2024 إلى ردود فعل أضرت بصورة إسرائيل لدى قطاعات من الجمهور الأمريكي.
تجاوزت القضية الفلسطينية حدود السياسة الخارجية لتصبح معياراً لدى بعض الناخبين التقدميين لتقييم قضايا حقوق الإنسان والعدالة العرقية ودور الشرطة.
ويجسد شعار "من فيرغسون إلى غزة، النضال واحد" هذا الربط بين الاحتجاجات الداخلية والتضامن مع الفلسطينيين، وهو ما تناوله معهد أطلس في تحليله للسياسة الخارجية الأمريكية والعلاقة بين فيرغسون وغزة.
في المقابل، يلتقي بعض أنصار حركة "ماغا" مع منتقدي إسرائيل من منطلق مختلف، يتمثل في رفض الالتزامات الخارجية المكلفة والتشكيك في جدوى الحروب الإقليمية. وبينما يركز التقدميون على حقوق الفلسطينيين والقانون الدولي، ينطلق هؤلاء من شعار "أمريكا أولا"، ما يجعل انتقاد الدعم لإسرائيل حاضراً في اتجاهات سياسية متباينة.
القضية الفلسطينية في قلب الخطاب الانتخابي
مع اتساع الانتقادات للحرب في غزة، بات بعض المرشحين يطالبون بتغيير العلاقة مع إسرائيل، فيما يواجه آخرون ضغوطاً لتوضيح مواقفهم من المساعدات العسكرية وحقوق الفلسطينيين. ولم يعد النقاش مقتصراً على إدارة الحرب، بل امتد إلى نفوذ جماعات الضغط، وحماية إسرائيل من إجراءات دولية، ومدى توافق الدعم الأمريكي معها مع القيم التي تعلن واشنطن الدفاع عنها.
تتقاطع هنا نتائج "غالوب" التي أظهرت تغير موازين التعاطف، مع الجدل الذي رصده موقع "محادثة" بشأن الانتخابات التمهيدية، ومع الانتقادات التي تناولتها "يديعوت أحرونوت" حول قوانين المقاطعة والاحتجاجات الجامعية.
وتكتسب هذه المؤشرات أهميتها من تزامنها مع انتخابات قد تعيد توزيع القوة داخل الكونغرس، وتمنح مساحة أكبر للمرشحين المطالبين بتقييد الدعم العسكري أو مراجعة شروطه.
في مقال نشرته صحيفة "معاريف"، تناول مرشحين تبنوا مواقف حادة ضد إسرائيل خلال الانتخابات التمهيدية، ورفضوا التراجع عن وصف عملياتها في غزة بالإبادة الجماعية أو اتهامها بممارسة الفصل العنصري. كما طالبوا بتغيير شامل في العلاقات معها، وربطوا استمرار الاحتلال بما اعتبروه انتهاكات لحقوق الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.
تشير هذه المواقف إلى أن التحول في الخطاب الأمريكي لا يقتصر على المطالبة بوقف الحرب، بل يمتد إلى التساؤل عن طبيعة التحالف نفسه، وشروط استمرار الدعم، ومدى توافقه مع القيم والمصالح التي يعلن السياسيون الأمريكيون الدفاع عنها.
لكن انعكاسها على السياسات الفعلية سيظل مرتبطاً بنتائج الانتخابات وتوازنات الكونغرس وقدرة المرشحين على تحويل مطالبهم إلى إجراءات تشريعية.
المساعدات العسكرية ومستقبل التحالف
تناولت ورقة صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، أعدها تيد ساسون وآري بلومنتال وأفيشاي بن ساسون-غوردس، أثر انتخابات التجديد النصفي على مستقبل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. وترى الورقة أن حضور المرشحين المنتقدين لإسرائيل يعكس تحولات أيديولوجية داخل الحزبين، قد تظهر تداعياتها وصولاً إلى الانتخابات الرئاسية لعام 2028.
في استطلاع لمركز "بيو" للأبحاث، أشار التقرير إلى أن 84% من الناخبين الديمقراطيين الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً لديهم نظرة سلبية تجاه إسرائيل، وأن 76% منهم لا يثقون، أو يثقون بدرجة ضئيلة، في أن نتنياهو "سيفعل الصواب في الشرق الأوسط".
ويشير تحليل معهد أطلس أيضاً إلى تأثير المواقف من إسرائيل في المنافسة السياسية، بالتزامن مع شعور بعض اليهود الأمريكيين بالعزلة السياسية، وشعور آخرين بالغربة إزاء تصريحات الحكومة الإسرائيلية ووزرائها.
من الملفات التي تثير قلقاً إسرائيلياً مباشراً مستقبل المساعدات الأمريكية. فقد ذكر دين شموئيل ألماس، في تقرير نشرته مجلة "غلوبس" الاقتصادية، أن ترامب يرغب في تأجيل معالجة مذكرة المساعدات المقدمة إلى إسرائيل إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي، رغم علاقته الوثيقة بها.
وتنص المذكرة، وفق التقرير، على مشتريات أمريكية سنوية بقيمة 3.3 مليار دولار، إضافة إلى 500 مليون دولار للتعاون في مجال الدفاع الجوي. ويثير التأجيل مخاوف إسرائيلية من ارتباط مستقبل الدعم بالتوازنات السياسية بعد الانتخابات، خصوصاً إذا خسر الجمهوريون أغلبيتهم في أحد المجلسين أو كليهما، لكنه لا يعني أن وقف المساعدات أصبح قراراً محسوماً.
وفي تحليل بشأن مستقبل الحزب الديمقراطي، رأى الجنرال عيران ليرمان، من معهد القدس للاستراتيجية والأمن، أن الانتخابات قد تفضي إلى فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلس النواب وربما مجلس الشيوخ، في ظل استياء شعبي من أداء ترامب. واعتبر أن النتائج ستكشف مدى عمق الانقسام الأمريكي بشأن إسرائيل، وحجم التحدي الذي يواجه أنصارها في واشنطن.
أما شموئيل روزنر، خبير الشؤون الأمريكية في صحيفة "معاريف"، فاعتبر أن أهمية الانتخابات بالنسبة إلى إسرائيل ترتبط أيضاً بما سيحدث بعدها، حين يتحرر ترامب من بعض الالتزامات السياسية المرتبطة بالحملة.
ودعا إسرائيل إلى عدم افتراض وجود أغلبية جمهورية تدعمها دائماً، ومراقبة خطوات الكونغرس الجديد، والبحث عن حوار بنّاء مع الحزب الديمقراطي رغم صعوبة التواصل مع بعض تياراته.
تتقاطع هذه التقديرات عند سؤال ما إذا كانت إسرائيل ستظل "ذخرا استراتيجيا" للولايات المتحدة، أم تتحول تدريجياً إلى عبء انتخابي على السياسيين الأمريكيين. فبينما لا تزال قوى أمريكية تدافع عن التحالف والمساعدات، تتسع دائرة المطالبين بمراجعة تكلفته وشروطه، سواء بسبب الحرب في غزة أو انطلاقاً من شعار "أمريكا أولا".