كشفت مصادر أمنية ودبلوماسية تفاصيل التحقيقات اللبنانية والسورية الجارية بشأن شحنات المتفجرات التي ضُبطت في مناطق لبنانية، ومسارات يُشتبه في استخدامها لنقل مواد عسكرية عبر الحدود، بالتزامن مع العثور على مسيّرة صغيرة في بلدة شليفا بالبقاع، يُرجح أنها كانت مخصصة للتدريب.
تتوزع التحقيقات على أكثر من مسار، يبدأ من توقيف أشخاص ومتابعة تحركاتهم واتصالاتهم، ولا ينتهي عند تحديد مصدر شحنات المتفجرات والجهات التي تولت نقلها. وتشمل التحقيقات أيضاً التدقيق في احتمال انتقال مخزونات عسكرية من الأراضي السورية إلى لبنان، في ظل التطورات التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد.
تتركز الأنظار على ما إذا كانت هذه الوقائع مترابطة، أم أنها ملفات منفصلة تتقاطع في التوقيت والجغرافيا. وفيما تتواصل التحقيقات لتحديد طبيعة الصلات بين الأشخاص الموقوفين والجهات المحتملة وراء عمليات النقل، تطرح مصادر فرضيات بشأن انعكاسات هذه التطورات على القدرات العسكرية لحزب الله.
في موازاة المسار الأمني، تتحدث المعطيات عن استمرار الحزب في التعامل بحذر مع الاستحقاقات السياسية الداخلية، وتجنب الانخراط في مواجهة مباشرة مع الحكومة اللبنانية، بينما تبقى احتمالات التصعيد في جنوب لبنان مرتبطة بتطورات الميدان والضغوط الإقليمية.
تحقيقات في مسارات نقل شحنات المتفجرات
بدأ أحد أبرز مسارات التحقيق بعد توقيف أشخاص كانوا على متن سيارة من نوع "دودج دورانغو" عند حاجز ضهر البيدر. وبحسب المعلومات المتداولة في إطار التحقيقات، شملت التوقيفات هيثم أمحز وعلي الكردي، فيما تعمل الجهات المعنية على تحديد طبيعة الأدوار التي يُشتبه في أن الموقوفين اضطلعوا بها، والجهات التي تواصلوا معها قبل توقيفهم.
وتتولى استخبارات الجيش اللبناني جانباً من التحقيقات بإشراف مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية كلود غانم، بالتوازي مع عمل شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي والنيابة العامة المختصة. ويهدف هذا المسار إلى إعادة بناء شبكة الاتصالات والتحركات التي سبقت عمليات الضبط، وتحديد ما إذا كانت هناك مجموعات أخرى شاركت في نقل المواد أو تأمينها.
تتضمن المعطيات التي يجري التدقيق فيها محتويات هاتف يعود إلى زوجة أحد الموقوفين، ظهرت فيه، وفق المعلومات، أسماء حركية من بينها "ساجد" و"ذو الفقار". ويعمل المحققون على تحديد هوية الأشخاص الذين يقفون وراء هذه الأسماء، وطبيعة التواصل معهم، وما إذا كانت الاتصالات مرتبطة بعمليات النقل أو التنسيق اللوجستي أو بأدوار أخرى.
لا تقتصر التحقيقات على الجانب اللبناني، إذ يجري تتبع مسارات يُشتبه في أنها امتدت إلى سوريا، بما في ذلك منطقة جديدة يابوس الحدودية. وتشير المعلومات إلى الاشتباه بوجود مجموعة في المنطقة، إلى جانب التحقيق مع 5 من عناصر الجيش السوري أو العاملين في الجمارك، بهدف تحديد ما إذا كان أي منهم قد أسهم في تسهيل عبور شحنات أو توفير غطاء لوجستي لها.
وتبقى طبيعة هذه الصلات قيد التحقق، إذ لا تكفي أسماء الأشخاص أو مواقع وجودهم وحدها لإثبات مشاركتهم في عمليات نقل شحنات المتفجرات. ويتركز عمل المحققين على مطابقة الإفادات والاتصالات والتحركات، وصولاً إلى تحديد المسار الفعلي للشحنات والجهات التي كانت تنتظر تسلمها.
فرضية نقل مخزونات عسكرية من سوريا
إلى جانب قضية ضهر البيدر، تتابع الأجهزة الأمنية معلومات بشأن شحنات من المتفجرات في منطقة القصر والهرمل، في البقاع الشمالي. وتشمل المواد التي وردت في المعطيات المتداولة مادتي "تي إن تي" (TNT) و"سي 4″ (C4)، فضلاً عن شحنتين أخريين يجري التدقيق في ظروف نقلهما ومصدرهما.
تكتسب هذه الوقائع أهمية بسبب الموقع الجغرافي للمنطقة، القريبة من الحدود اللبنانية السورية، وما يفرضه ذلك من أسئلة بشأن طرق النقل المستخدمة والجهات التي تولت تأمين الشحنات. وتعمل التحقيقات على تحديد ما إذا كانت المواد قد دخلت من سوريا، أم أنها نُقلت من مواقع تخزين داخل لبنان، فضلاً عن معرفة وجهتها النهائية والغرض من نقلها.
وتطرح مصادر مطلعة فرضية تتعلق بنقل مخزونات عسكرية كانت موجودة داخل سوريا قبل سقوط نظام الأسد، واحتمال انتقال جزء منها إلى لبنان خلال المرحلة التي أعقبت التغيير السياسي والأمني في دمشق. لكن هذه الفرضية لا تزال بحاجة إلى أدلة تربط الشحنات المضبوطة بمخازن محددة أو بأشخاص تولوا إخراجها ونقلها.
يكتسب هذا الاحتمال حساسية إضافية في ظل التغيرات التي طرأت على المشهد الأمني السوري، وما قد يترتب عليها من صعوبة في حصر الأسلحة والذخائر التي كانت موزعة على مواقع مختلفة. غير أن تحديد مصدر كل شحنة يظل مسألة منفصلة، تتطلب فحص المواد المضبوطة وتتبع مساراتها، ولا يمكن حسمها استناداً إلى الموقع الجغرافي وحده.
كما تحاول الأجهزة المعنية معرفة ما إذا كانت الشحنات الثلاث قد نُقلت ضمن عملية واحدة أو عبر مسارات منفصلة، وما إذا كانت هناك صلة بين الأشخاص الذين ظهروا في التحقيقات اللبنانية وأي شبكات محتملة داخل سوريا. ويُعد هذا الجانب أساسياً لفهم ما إذا كانت الوقائع تعكس تحركات فردية أم نشاطاً منظماً تقف خلفه شبكة أوسع.
في الوقت نفسه، لا تزال العلاقة بين شحنات المتفجرات والتحقيقات المرتبطة بالموقوفين عند ضهر البيدر موضع تدقيق. فالتقاطع في المناطق والمسارات المحتملة قد يفتح باباً للتحقق من وجود صلات، لكنه لا يشكل، بحد ذاته، دليلاً على أن الملفات جميعها جزء من عملية واحدة.
مؤشرات على استمرار التدريب المحدود
في تطور متصل، عُثر على مسيّرة صغيرة في بلدة شليفا بمنطقة البقاع، وهي واقعة أثارت تساؤلات بشأن طبيعة استخدام الطائرات المسيّرة في المنطقة، والجهة التي كانت تمتلكها أو تشرف على تشغيلها.
بحسب مصادر مطلعة، فإن المسيّرة لم تكن مسلحة، وتشير المعلومات إلى احتمال تخصيصها لأغراض التدريب. كما تتحدث الرواية التي نقلتها المصادر عن عطل تقني تعرضت له خلال عملية تدريب، قبل العثور عليها.
تقول المصادر إن هناك معطيات تربط المسيّرة بحزب الله، إلا أن طبيعة هذا الارتباط وتفاصيل استخدام الطائرة تظل بحاجة إلى التحقق من نتائج الفحص الفني والتحقيقات الميدانية. ولا تسمح المعلومات المتاحة وحدها بتحديد ما إذا كانت المسيّرة جزءاً من برنامج تدريب مستمر، أو أنها كانت تُستخدم في نشاط محدود.
تبرز أهمية هذه الواقعة في ضوء الدور الذي اكتسبته الطائرات المسيّرة في العمليات العسكرية خلال السنوات الماضية، سواء في الاستطلاع وجمع المعلومات أو في تنفيذ الهجمات. لكن العثور على مسيّرة تدريبية غير مسلحة لا يثبت، بحد ذاته، وجود خطة لعملية عسكرية أو استعداد لشن هجوم وشيك.
وتحاول الجهات المعنية تحديد مصدر الطائرة ومواصفاتها الفنية، والجهة التي تولت تشغيلها، وما إذا كانت مرتبطة بموقع تدريب محدد أو بأشخاص وردت أسماؤهم في تحقيقات أخرى. ويُفترض أن تساعد هذه المعطيات في التمييز بين الاستخدام التدريبي المحدود وأي نشاط عسكري أوسع.
تتقاطع هذه القضية مع الأسئلة التي تثيرها شحنات المتفجرات بشأن طبيعة الأنشطة العسكرية الجارية في البقاع، لكنها لا تقدم حتى الآن دليلاً حاسماً على وجود رابط تنظيمي أو عملياتي بين الملفين. ولذلك، يبقى الربط بينهما في نطاق الفرضيات التي يتعين اختبارها من خلال التحقيقات.
نشاط عسكري محتمل
تضع هذه الوقائع ملف القدرات العسكرية لحزب الله أمام أسئلة جديدة، في ظل التحولات التي شهدتها الساحة السورية والتحديات الأمنية والسياسية التي يواجهها لبنان. وتطرح مصادر مطلعة احتمال أن تكون بعض التحركات مرتبطة بمحاولات الحفاظ على قدرات أو مخزونات عسكرية، أو إعادة تنظيم جوانب من النشاط اللوجستي والتدريبي.
لكن لا تزال هناك فجوة بين هذه الفرضيات وبين ما يمكن استخلاصه بصورة مؤكدة من الوقائع المعلنة. فوجود متفجرات أو مسيّرة تدريبية، حتى مع الاشتباه في صلتها بالحزب، لا يكفي وحده لتحديد حجم قدراته الحالية أو طبيعة خططه المستقبلية.
في المقابل، تشير المعطيات السياسية إلى أن الحزب يتعامل بحذر مع الاستحقاقات الداخلية، متجنباً حتى الآن تحويل الخلافات السياسية إلى مواجهة مباشرة مع مؤسسات الدولة. ويظهر ذلك في عدم تعطيل جلسة مجلس النواب المخصصة لمناقشة الموازنة، وعدم اتخاذ موقف يؤدي إلى عرقلة عمل حكومة نواف سلام.
كما لم يتحول تحرك رئيس الحكومة إلى الجنوب إلى مواجهة منظمة أو محاولة واسعة لمنع الزيارة، وفق المعطيات الواردة. وتوحي هذه المؤشرات بأن الحزب يحرص على عدم فتح جبهة داخلية إضافية في وقت يواجه فيه ضغوطاً أمنية وسياسية متزايدة.
يبرز في هذا السياق دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يمثل أحد المسارات السياسية الأساسية في إدارة العلاقة بين القوى اللبنانية. وتكتسب المواقف المتعلقة بعمل المؤسسات والملفات المالية والخدماتية أهمية خاصة، لأنها تعكس مدى استعداد الأطراف للحفاظ على قنوات التفاهم الداخلي، حتى في ظل الخلافات بشأن الملفات الأمنية والعسكرية.
ومن بين الملفات التي تندرج في هذا الإطار تحويل نحو 67 مليون دولار إلى مجلس الجنوب، ضمن مبلغ إجمالي يُقدّر بنحو 90 مليون دولار. وتأتي هذه الأموال في سياق الملفات المرتبطة بالجنوب واحتياجاته، في وقت تتداخل فيه الاعتبارات المالية والخدماتية مع التوازنات السياسية والأمنية.
لا يعني استمرار المسار السياسي أن التوتر الأمني قد تراجع أو أن الخلافات بشأن السلاح قد حُسمت. بل إن المؤشرات المتاحة توحي بوجود مسارين متوازيين: محاولة إبقاء المؤسسات السياسية قادرة على العمل وتجنب الصدام الداخلي، في مقابل استمرار التحقيقات بشأن المتفجرات والمسيّرة والتحركات التي يُشتبه في ارتباطها بنشاط عسكري.
احتمالات التصعيد واختبار التنسيق
تتجاوز أهمية التحقيقات الحالية تحديد المسؤوليات عن شحنات المتفجرات بعينها، إذ تفتح الباب أمام اختبار مستوى التنسيق الأمني بين بيروت ودمشق، خصوصاً في الملفات التي تتصل بحركة الأسلحة والمواد المتفجرة عبر الحدود.
وتتطلب معالجة هذه القضايا تبادل المعلومات بشأن الأشخاص المشتبه في تورطهم، ومطابقة البيانات المتعلقة بمسارات النقل والاتصالات، إلى جانب تحديد ما إذا كانت هناك مخزونات عسكرية سابقة انتقلت من سوريا إلى لبنان. ويظل نجاح هذا المسار مرتبطاً بقدرة الطرفين على تحويل المعلومات الأولية إلى أدلة قابلة للتحقق، بعيداً عن الاستنتاجات المبكرة.
في لبنان، تزداد أهمية هذه التحقيقات مع استمرار التوتر في الجنوب، ولا سيما في مناطق إقليم التفاح وجبل الريحان. وتطرح المصادر احتمال أن تؤثر التطورات الأمنية والضغوط الميدانية في طبيعة التحركات العسكرية خلال المرحلة المقبلة، لكن من غير الممكن الجزم بأن ضبط المتفجرات أو العثور على المسيّرة يعنيان اقتراب مواجهة جديدة.
وتبقى احتمالات التصعيد مرتبطة بمجموعة من العوامل، تشمل تطورات الوضع على الحدود، ومسار الضغوط على حزب الله، وطبيعة التفاهمات السياسية الداخلية، فضلاً عن نتائج التحقيقات في شحنات المتفجرات ومصادرها.
وقد يؤدي الكشف عن شبكة منظمة أو مسارات نقل متصلة بمخزونات عسكرية إلى توسيع نطاق التحقيقات، فيما قد تقود النتائج إلى استنتاج أن بعض الوقائع منفصلة ولا يجمع بينها رابط مباشر.