مصر تتجه شرقاً.. رهانات اقتصادية وحسابات سياسية وراء الانفتاح على آسيا، هذه تفاصيلها

عربي بوست
تم النشر: 2026/10/14 الساعة 13:28 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/10/14 الساعة 13:28 بتوقيت غرينتش
مصر تعيد رسم علاقاتها مع دول جنوب شرق آسيا/ عربي بوست

تتحرك مصر لتوسيع شراكاتها الاقتصادية والسياسية مع دول شرق آسيا، في مسعى لجذب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا وتنويع مصادر التعاون، بالتزامن مع تصاعد المنافسة الأمريكية الصينية واضطراب سلاسل الإمداد العالمية. ويبرز هذا التوجه من خلال جولات الرئيس المصري إلى كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، أعقبتها زيارة وزير الخارجية إلى تايلاند.

وقال مصدر مصري مطلع لـ"عربي بوست" إن القاهرة تسعى إلى الاستفادة من النمو الاقتصادي والتكنولوجي في آسيا، وتقديم نفسها بوصفها مركزاً إقليمياً للتصنيع والخدمات اللوجستية، وبوابة للشركات نحو أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا. وأضاف أن التقارب يتجاوز المصالح التجارية إلى التنسيق السياسي بشأن أمن الممرات البحرية وتسوية الأزمات الإقليمية.

وتراهن مصر على تحويل هذه التحركات إلى مشروعات واستثمارات ملموسة، مستفيدة من المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وتطوير الموانئ واتفاقيات التجارة التي تربطها بأسواق متعددة. كما تسعى إلى الاستفادة من التجارب الآسيوية في الصناعات المتقدمة والطاقة والتعليم والتكنولوجيا، ما يعزز الإنتاج المحلي وقدرة الاقتصاد على مواجهة الاضطرابات الدولية.

انفتاح على آسيا وتنويع الشراكات الدولية

بدأ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي جولته بزيارة كوريا الجنوبية خلال الفترة من 7 إلى 9 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، ثم ماليزيا يومي 9 و10 أكتوبر/ تشرين الأول، قبل زيارة إندونيسيا. وأعقبت هذه الجولات زيارة وزير الخارجية بدر عبد العاطي إلى تايلاند، التي تُعد الأولى من نوعها لوزير خارجية مصري منذ 30 عاماً، في مؤشر على توجه القاهرة نحو تعزيز حضورها في شرق آسيا.

يرتبط هذا التحرك في دول شرق آسيا بانفتاح مصر على دول رابطة جنوب شرق آسيا "آسيان"، بعد انضمامها مؤخراً إلى معاهدة الصداقة والتعاون الخاصة بدول الرابطة، كما يأتي امتداداً لتوجه القاهرة شرقاً من خلال انضمامها إلى مجموعة "بريكس" وتطوير تعاونها مع الصين.

وقال المصدر إن الزيارات تستهدف استكشاف فرص استثمارية جديدة، وتعزيز الروابط التجارية، وتقديم السوق المصرية باعتبارها وجهة قادرة على استيعاب جانب من إنتاج الاقتصادات الآسيوية الصاعدة. وتتيح جغرافية مصر لهذه الدول فرصاً لتوزيع إنتاجها والوصول إلى أسواق أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.

لا يقتصر التوجه المصري على تعزيز العلاقات الثنائية، بل يستهدف بناء شراكات طويلة الأمد تتيح نقل الخبرات والتكنولوجيا، وتدعم التنمية وزيادة الإنتاج. ويرى المصدر أن الثقل الصناعي والمعرفي للدول الآسيوية، إلى جانب تجاربها التنموية، يوفر فرصاً للتعاون في التكنولوجيا والابتكار والطاقة والصناعات المتقدمة.

كما تسعى القاهرة إلى الاستفادة من التجارب الآسيوية في تطوير التعليم والبحث العلمي وتأهيل الكوادر البشرية وتوطين التكنولوجيا وربط الإنتاج بالمعرفة. غير أن تحقيق هذه الاستفادة يتطلب تكييف تلك التجارب مع الظروف الاقتصادية والاجتماعية المصرية، ما يضمن انعكاسها على الإنتاج والتنمية المستدامة ومستوى معيشة المواطنين.

الرهان على موقع قناة السويس

تحتل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس موقعاً محورياً في الرهان المصري على الشراكات الآسيوية. وبحسب المصدر، شكّل طرح الفرص الاستثمارية في المنطقة قاسماً مشتركاً بين الزيارات، إذ تسعى القاهرة إلى تحويلها إلى قاعدة للتصنيع والخدمات والتصدير، ما يسمح للشركات الآسيوية بتوسيع حضورها في الأسواق الإقليمية والدولية.

وتوظف مصر استثماراتها في تطوير الموانئ والبنية التحتية لتسهيل نقل المنتجات والصناعات الآسيوية، كما تسعى إلى الاستفادة من اتفاقيات التجارة التي تربطها بدول أفريقية وأوروبية لتوفير مزايا للمستثمرين. وتستحضر القاهرة التجربة الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وقدرة الاستثمارات الصينية على دعم التصنيع وتسويق المنتجات خارجياً.

وقال المصدر لـ"عربي بوست" إن هذه الشراكات يمكن أن تحقق لمصر عوائد استثمارية وتزيد موارد الاقتصاد، عبر تطوير الصناعات المحلية والتعاون مع عدد أكبر من الموردين. كما يمكن أن تسهم في اكتساب العمالة المصرية مهارات جديدة وتوفير فرص العمل، إلى جانب توسيع قاعدة الإنتاج والتصدير.

وتراهن القاهرة كذلك على التعاون مع الموردين الآسيويين لتأمين احتياجاتها من الطاقة ومكونات الطاقة المتجددة. وأوضح المصدر أن هذه الشراكات يمكن أن تساعد في توفير غطاء دولاري يدعم تلبية الاحتياجات، ويعزز قدرة المصانع العاملة في مصر على الوفاء بعقود تصديرية وتحقيق تنافسية أعلى في الأسواق العالمية.

قطاعات التعاون مع دول شرق آسيا

تستهدف الشراكة مع كوريا الجنوبية تعزيز الصناعات المصرية وزيادة المكونات المحلية في التصنيع، خصوصاً في قطاعات السيارات وبناء السفن والاتصالات والذكاء الاصطناعي والبتروكيماويات والتعدين. وقال المصدر إن القاهرة تتطلع أيضاً إلى الاستفادة من الخبرات الكورية في تدريب المهندسين والفنيين المصريين في الإلكترونيات والسيارات الكهربائية ومكونات الطاقة النظيفة.

وأضاف أن التعاون بين البلدين يُتوقع أن يمتد إلى مجالي السكك الحديدية ومترو الأنفاق، بالتوازي مع تعميق التعاون الدفاعي الذي اتخذ مسارات إيجابية خلال السنوات الماضية. وعلى المستوى الرسمي، اتفق البلدان خلال زيارة السيسي على رفع العلاقات الثنائية إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية"، وتعزيز التنسيق السياسي والروابط التجارية والاستثمارية.

أما في ماليزيا، فتتمثل أبرز الفرص في تنويع القاعدة الإنتاجية والتمويلية، والاستفادة من أنظمة الجودة المتقدمة لتسهيل وصول المنتجات المصرية، ولا سيما الأغذية والأدوية، إلى أسواق جديدة، بدلاً من الاقتصار على الأسواق العربية والأفريقية.

كما تسعى مصر إلى الاستفادة من الخبرات الماليزية في تنويع الصادرات وتوسيع صادرات الحاصلات الزراعية بالتوازي مع تطوير القاعدة الصناعية.

وأعلنت مصر وماليزيا رفع علاقاتهما إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية"، وأكدتا تسريع التعاون في التجارة والاستثمار والزراعة وصناعة الحلال والتعليم والتدريب الفني والمهني والطاقة المتجددة والبنية التحتية والتحول الرقمي وصناعة السيارات وأشباه الموصلات.

في إندونيسيا، يتركز التعاون على الأمن الغذائي والتكنولوجيا الزراعية وصناعات الغزل والنسيج، إلى جانب ترتيبات النقل والتخزين والتسعير وتوفير بدائل للإمداد. وأشار المصدر إلى وجود توافق بين البلدين بشأن إصلاح المؤسسات الدولية وتعزيز تمثيل الدول النامية وتحسين شروط التمويل ومعالجة أعباء الديون.

وشهد السيسي والرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو توقيع 4 مذكرات تفاهم في مجالات الشؤون البحرية ومصايد الأسماك والتعاون الإحصائي وخطة العمل الخاصة بالشراكة الاستراتيجية، والإعفاء من تأشيرات الدخول لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية والمهمة والخاصة.

أمن الممرات البحرية والقضايا الإقليمية

تمتد المصالح المشتركة بين مصر ودول شرق آسيا إلى أمن الممرات البحرية، خصوصاً البحر الأحمر ومضيق باب المندب ومضيق هرمز، التي تمثل شرايين أساسية للتجارة الدولية. وقال المصدر إن الاقتصادات الآسيوية الصاعدة تحتاج إلى استقرار الملاحة، ما يفتح المجال أمام حوار سياسي بشأن خفض التصعيد وتسوية الصراعات التي تهدد حركة التجارة.

في هذا الإطار، أكدت مصر وماليزيا التزامهما بالعمل على تعزيز الاستقرار في منطقة الخليج وغرب آسيا وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز وفقاً للقانون الدولي. وجاء ذلك في بيان مشترك صدر في ختام زيارة السيسي إلى ماليزيا، وكانت الأولى للرئيس المصري إلى البلاد منذ توليه الرئاسة.

وتناول السيسي وسوبيانتو خلال محادثاتهما تطورات القضية الفلسطينية، واتفقا على أن التسوية الشاملة والعادلة التي تفضي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة على خطوط الرابع من يونيو/ حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، تمثل السبيل الوحيد لتحقيق سلام عادل ودائم وشامل في المنطقة، وفق ما أعلنه المتحدث باسم الرئاسة المصرية محمد الشناوي.

وأشاد السيسي بدور إندونيسيا، بصفتها عضواً في مجلس السلام، في دعم جهود تثبيت الاستقرار وحماية المدنيين وإعادة إعمار قطاع غزة وتقديم المساعدات الإنسانية للفلسطينيين. كما تبادل الرئيسان وجهات النظر بشأن الأوضاع في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وأكدا أهمية خفض التصعيد والتوصل إلى تسويات سياسية للأزمات باعتبارها السبيل لتحقيق الأمن والاستقرار المستدامين.

وتطرقت المحادثات المصرية الإندونيسية أيضاً إلى قضية نهر النيل، التي وصفها السيسي بأنها ذات أهمية وجودية لمصر، باعتبار النهر شريان الحياة للشعب المصري. وشدد على تمسك بلاده بحقوقها المائية ورفض أي إجراءات أحادية من شأنها الإضرار بأمنها المائي أو الانتقاص من حقوقها التاريخية والمكتسبة.

وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، جدد البيان المصري الماليزي التأكيد على مركزية القضية في الشرق الأوسط، ودعم حل الدولتين ما يفضي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

كما رفض الجانبان أي مخططات لتهجير الفلسطينيين، ودعوا إلى تثبيت وقف إطلاق النار في غزة وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون قيود والتنفيذ الكامل لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.

مواجهة المنافسة الأمريكية الصينية

تكتسب الشراكات المصرية الآسيوية أهمية إضافية في ظل المنافسة الأمريكية الصينية، التي تؤثر في الوصول إلى التكنولوجيا والاستثمارات وسلاسل الإمداد. وقال المصدر إن القاهرة تسعى إلى تحقيق التوازن وتجنب ربط احتياجاتها الحيوية بمصادر يصعب استبدالها، عبر تنويع الشركاء وتوسيع بدائل التعاون الاقتصادي والسياسي.

كما يعزز تنامي الدور الآسيوي على الساحة الدولية، سواء عبر الاقتصادات الكبرى أو من خلال التكتلات متعددة الأطراف، أهمية الحضور المصري في المنطقة.

وتمثل مجموعات مثل "بريكس" ومجموعة العشرين ورابطة "آسيان" مساحات إضافية لتوسيع الشراكات وتنويع مصادر التعاون، ما يتناسب مع التحولات في موازين القوى العالمية.

لا تنفصل هذه المقاربة عن الأبعاد الثقافية والتعليمية للعلاقات مع ماليزيا وإندونيسيا، إذ تراهن القاهرة على الروابط التاريخية ودور الأزهر الشريف في استضافة طلاب من دول جنوب شرق آسيا وتعزيز التواصل الديني والثقافي.

ويمكن البناء على هذه الروابط لتوسيع التعاون في التعليم والثقافة والتبادل المعرفي، ووضع استراتيجيات لمواجهة التطرف ونشر الوسطية.

خلص مصدر "عربي بوست" إلى أن الانفتاح المصري على الاقتصادات الآسيوية الصاعدة يعكس رغبة في توسيع هامش الحركة الدولية وعدم حصر المصالح في نطاق جغرافي أو شراكات تقليدية بعينها.

ويبقى الرهان على تحويل التفاهمات السياسية والاتفاقيات الموقعة إلى استثمارات ومشروعات قابلة للتنفيذ، تدعم الاقتصاد المصري وتزيد قدرته على التعامل مع الاضطرابات العالمية، وتمنح الدول النامية فرصاً أوسع للمشاركة في صياغة نظام دولي أكثر تعددية وتوازناً.

تحميل المزيد