من القطيعة إلى الدعم والمساندة.. كيف كسر اليمين الشعبوي في أمريكا اللاتينية عزلة إسرائيل ونتنياهو

عربي بوست
تم النشر: 2026/10/09 الساعة 10:31 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/10/09 الساعة 10:32 بتوقيت غرينتش
صعود اليمين الشعبوي في أمريكا اللاتينية أعاد العلاقات مع إسرائيل/ عربي بوست

تكشف التطورات الأخيرة في أمريكا اللاتينية عن تحول لافت في علاقة عدد من دول القارة بإسرائيل، بعد سنوات شهدت قطع العلاقات وسحب السفراء واتهام تل أبيب بارتكاب جرائم حرب وإبادة في غزة، ويأتي ذلك تزامناً مع تقدم قوى اليمين في أمريكا اللاتينية، التي تعيد رسم مواقفها الخارجية.

بحسب المعطيات التي أوردها عدد من الصحفيين والمصادر الإسرائيلية، فإن إسرائيل ترى في هذا التحول فرصة لكسر العزلة الدولية التي تواجهها، خصوصاً مع عودة العلاقات مع دول كانت في مقدمة البلدان التي اتخذت إجراءات دبلوماسية ضد تل أبيب بعد اندلاع الحرب في غزة.

كانت كولومبيا وتشيلي وهندوراس والبرازيل قد سحبت سفراءها من إسرائيل، فيما قطعت بوليفيا علاقاتها معها بعد وقت قصير من اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

لكن صعود قوى يمينية وشعبوية في عدد من دول القارة، إلى جانب تطورات سياسية مرتبطة بفنزويلا، فتح الباب أمام تغيير في المواقف، شمل استئناف العلاقات وعودة السفراء والتعاون الأمني والاقتصادي، بل ووصل في بعض الحالات إلى خطوات تتعلق بالقدس والجولان والمحافل الدولية.

اليمين اللاتيني يفتح الباب أمام إسرائيل

سبق هذا التحول سلسلة من المؤشرات التي تكشف تغيراً في مواقف دول أمريكا اللاتينية تجاه إسرائيل. وقالت مراسلة الشؤون السياسية في صحيفة "هآرتس" ليزا روزوفسكي إن إسقاط الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي مادورو وصعود اليمين في الانتخابات المحلية شكّلا تطورين مفيدين لإسرائيل، التي تستغل هذه التطورات لتحسين علاقاتها مع دول المنطقة، خصوصاً فنزويلا وتشيلي وهندوراس وبوليفيا.

وصلت مؤشرات التقارب إلى البرلمان في باراغواي، حيث ظهر رئيس مجلس النواب راؤول لاتور في قاعة واحدة من محاكمات بنيامين نتنياهو في خطوة وصفها بأنها "تضامنية"، ما تسبب في وقف الجلسة. وأعلن نتنياهو حينها أن "هناك شيئا كبيرا يحدث في أمريكا اللاتينية"، من دون أن يكشف تفاصيله.

في أغسطس/ آب 2026، وبعد 3 أيام من أداء اليمين الدستورية، اعترفت حكومة كولومبيا الجديدة برئاسة الرئيس أبيلاردو دي لا إسبيريا بضم إسرائيل مرتفعات الجولان، وقبل توليه منصبه وافق على إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع إسرائيل، ونقل السفارة إلى القدس المحتلة، واستئناف صادرات الفحم.

كما انسحبت كولومبيا من انضمامها إلى شكوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية التي تتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة، ومن عضويتها في "مجموعة لاهاي"، وأعلن الرئيس الكولومبي إلغاء خطة فتح سفارة في فلسطين، وتعهد بعدم التوقف عن الدفاع عن إسرائيل "لأنها شعب الله".

ويصعب الفصل بين استئناف علاقات دول أمريكا اللاتينية مع إسرائيل وتصاعد حضور القادة اليمينيين المتطرفين والشعبويين في الانتخابات التشريعية والرئاسية، بما فيها الأرجنتين وباراغواي وبوليفيا وتشيلي وبيرو والإكوادور وكولومبيا وهندوراس.

في الوقت الذي يواصل فيه الائتلاف اليميني الحاكم في إسرائيل سياساته ضد الفلسطينيين ودول المنطقة، نقلت باراغواي وهندوراس وغواتيمالا سفاراتها إلى القدس، فيما أعلنت الأرجنتين وكولومبيا اعتزامهما القيام بذلك، وفق ما كشفه موقع "محادثة محلية".

يظهر هذا التحول أيضاً في المواقف التي باتت تتبناها حكومات وشخصيات سياسية في القارة تجاه إسرائيل، بالتزامن مع محاولات تل أبيب استثمار التغير السياسي في بناء علاقات جديدة تتجاوز المستوى الدبلوماسي إلى التعاون الاقتصادي والأمني.

نتنياهو يجد في اللاتينيين منفذاً من العزلة

برز مؤشر جديد على التقارب المتزايد خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حين عاش نتنياهو حالة عزلة، ورفض أيٌّ من رؤساء العالم الاجتماع به، باستثناء قادة الأرجنتين وهندوراس وغواتيمالا والإكوادور، وفق ما ذكرته صحيفة "يديعوت أحرونوت".

في المقابل، عقد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر اجتماعاً سياسياً في منزل السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر، بمشاركة قادة من أمريكا اللاتينية، على خلفية افتتاح مجموعة عمل مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة لإجراء حوار استراتيجي حول قضايا أمريكا اللاتينية.

شارك في الاجتماع نظراء ساعر من الأرجنتين وباراغواي والإكوادور، وكان الوزير الإسرائيلي قد حدد عام 2026 باعتباره "عام أمريكا اللاتينية"، وزار باراغواي والأرجنتين والإكوادور وكولومبيا، والتقى عدداً من نظرائه هناك.

كما زار الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ بنما، في أول زيارة لرئيس إسرائيلي إليها، فيما اعتُبرت زيارة ساعر إلى الإكوادور الأولى التي يقوم بها وزير خارجية إسرائيلي إليها منذ 44 عاماً.

يشير مراسل القناة 12 للشؤون الدولية، تومر آلماغور، إلى أنه في الوقت الذي تواجه فيه إسرائيل اتهامات أوروبية وغربية وأممية بانتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية ومخالفة القانون الدولي، أظهر جيل جديد من القادة اليمينيين الشعبويين في أمريكا اللاتينية استعداداً لتعميق العلاقات معها.

من الأمثلة على ذلك قرار تشيلي تعيين غابرييل زيلياسنيك سفيراً لها لدى إسرائيل، وهو محامٍ معروف ورئيس سابق للجالية اليهودية ومدافع علني عن المصالح الإسرائيلية، وعرّف نفسه بأنه "صهيوني فخور".

تحدث زيلياسنيك عن الحاجة إلى تعزيز العلاقات بين الجانبين وترسيخ تصوره بأن إسرائيل دولة لليهود فقط، وليست لجميع مواطنيها، فيما حظي تعيينه بدعم قوي من الرئيس خوسيه أنطونيو كاستي، المدافع عن الدكتاتور الراحل أوغستو بينوشيه، والذي تضم دائرة مستشاريه في السياسة الخارجية شخصيات لها علاقات طويلة الأمد مع المنظمات المؤيدة لإسرائيل.

لم يقتصر الانفتاح على العلاقات الثنائية، إذ أطلق نتنياهو والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلاي "اتفاقيات إسحاق" للتعاون الثنائي والجماعي مع دول أخرى في المنطقة، على غرار اتفاقيات أبراهام للتطبيع مع الدول العربية والإسلامية.

جاء في البيان التأسيسي أن الاتفاقية تربط "أحفاد أبينا يتسحاق مع الأمم المؤسسة على التقليد اليهودي المسيحي"، فيما ستمنح إسرائيل، وفق المعطيات الواردة، ما لم تحصل عليه حتى الآن من التطبيع الدبلوماسي المنفصل عن سيادة القانون الدولي.

لكن في أجزاء مختلفة من أمريكا اللاتينية، تتزايد المعارضة الداخلية لتشديد العلاقات مع إسرائيل، باعتبارها تطبيعاً لما يصفه معارضوها بجرائم الحرب التي ترتكبها.

في السياق الاقتصادي، وقّع وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريش ورئيس بنك التنمية لبلدان أمريكا اللاتينية إيلان غولدفين بيان نوايا في واشنطن للترويج لإنشاء "صندوق اتفاقيات إسحاق" ضمن أنشطة مجموعة البنك.

ويُفترض أن يشكل الصندوق جسراً اقتصادياً بين الجانبين، ضمن مبادرة أطلقها ميلاي لتعميق العلاقات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، وإنشاء إطار عملي للتعاون في مجالات البنية التحتية والابتكار والاستثمار والتنمية.

ومن خلال الصندوق، ستتمكن الابتكارات والحلول التي طُورت في إسرائيل من الاستجابة للاحتياجات والتحديات في دول المنطقة.

موجة "زرقاء وبيضاء"

يقول الكاتب في وكالة الأنباء اليهودية، أريئيل كاهانا، إنه قبل عام واحد فقط لم يكن أحد يتخيل أن إسرائيل ستتواصل مع 2 من أكثر الدول عداءً لها في أمريكا اللاتينية.

لكن الصيف الماضي شهد إقلاع 112 خبيراً من إسرائيل إلى فنزويلا وكولومبيا بهدف مساعدتهما على التعامل مع الزلزال القوي الذي هز أرجاء البلدين، ما دفع الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز إلى مطالبة الطواقم الإسرائيلية بتمديد إقامتها في البلاد.

أغدقت رودريغيز الثناء على القادة الإسرائيليين، زاعمة أنه منذ تلك اللحظة بدأ التاريخ يتغير وأن "التصحيح الكبير" قد بدأ، ما دفع نتنياهو إلى الاستجابة إيجابياً لطلبها تمديد بقاء الوفد الإسرائيلي.

وردت فنزويلا على المبادرة الإسرائيلية بإلغاء عضويتها في المحكمة الجنائية الدولية، التي أصدرت مذكرات اعتقال بحق نتنياهو وغالانت، وبعد أسابيع قليلة أعلنت إسرائيل وفنزويلا رسمياً تجديد علاقاتهما الرسمية.

يعني ذلك إلقاء إرث العداء بين البلدين خلف ظهريهما، في تطور ليس الوحيد ضمن ما يسميه الإسرائيليون "الموجة الزرقاء البيضاء"، نسبة إلى ألوان العلم، التي تجتاح أمريكا اللاتينية.

في السياق ذاته، افتُتح خط طيران مباشر بين تل أبيب وبوينس آيرس، بمبادرة من السفير الأرجنتيني في القدس المحتلة، الحاخام أكسل فيهانيش، ومبعوث الرئيس خافيير ميلاي، الملقب بـ"العاشق الكبير" لإسرائيل.

ومثّل دخول ميلاي إلى الرئاسة في ديسمبر/ كانون الأول 2023 بداية ما يصفه بـ"انقلاب أمريكا اللاتينية" لصالح إسرائيل، لأسباب شخصية وأيديولوجية ودينية، إذ يرى ميلاي إسرائيل نموذجاً لبلاده. وتلت ذلك سلسلة من التغيرات في الحكومات المجاورة، أدت إلى انتخاب زعماء موالين لإسرائيل.

كما جددت بوليفيا وكولومبيا علاقاتهما الرسمية، عندما أعلنتا وضع سفارتيهما في القدس واعترفتا بإسرائيل كدولة ذات سيادة، فيما كانت الإكوادور وكوستاريكا قد افتتحتا وزارات رسمية في القدس، ووقّعت الإكوادور اتفاقية تجارة حرة مع إسرائيل.

وباتت بوينس آيرس، بحسب الكاتب السياسي دودي سيغال، مركزاً دبلوماسياً كبيراً لإسرائيل خلال الأشهر السابقة، وستبقى كذلك في الأشهر اللاحقة، بعدما اجتمع عشرات المشرعين والسفراء والقادة السياسيين من أنحاء أمريكا اللاتينية في مؤتمر رؤساء أمريكا اللاتينية بهدف توسيع "اتفاقيات إسحاق" وتعزيز التحالف الناشئ بين إسرائيل ودول المنطقة.

عمل المشاركون في المؤتمر على اعتماد تعريف التحالف الدولي لمعاداة السامية، وتعزيز التعاون في مكافحة "الإرهاب" والتطرف، وتعميق التنسيق البرلماني في أنحاء القارة.

وزعمت عضوة البرلمان الأرجنتيني سابرينا أجامشيت أن الأرجنتين حليف قوي لإسرائيل في هذه اللحظة الحرجة، وأن أمن إسرائيل ومكانتها في العالم على المدى الطويل يُبنيان من خلال حشدها في أمريكا اللاتينية، مضيفة: "ونحن جزء منها".

أسهمت موجة جديدة في أمريكا اللاتينية في تغيير قواعد اللعبة لإسرائيل، مع استعداد قادة يمينيين في القارة لدعمها. حتى الرئيس الحالي لكولومبيا غوستافو بيترو لم يتردد، وفق المادة، في الدفاع عن حرب الإبادة التي يتعرض لها الفلسطينيون، بالقول إن "إسرائيل تفعل ما يتعين عليها فعله لحماية نفسها".

لا تقتصر هذه الموجة على كولومبيا، ففي الأرجنتين حوّل خافيير ميلاي بلاده إلى أحد أقوى حلفاء إسرائيل في العالم، وفي السلفادور عمّق نائب بوكالا التعاون الأمني معها، بينما اتخذ الرئيس التشيلي الجديد خوسيه أنطونيو كاستي موقفاً حاداً مؤيداً لها، وألقى باللوم على سلفه في معاداة السامية، وفق محرر الشؤون الدولية بمجلس "غلوبس" الاقتصادي تومار شماي.

التطبيع يتجاوز عودة السفراء

استعرض خبير القضايا السياسية في موقع "واللا" عاميت أفيتان سلسلة الخطوات التطبيعية المتبادلة بين تل أبيب ودول أمريكا اللاتينية. فقد أعلنت إسرائيل وفنزويلا إنشاء آلية تنسيق تسمح بتقديم الخدمات القنصلية لمواطنيهما، وصولاً إلى تجديد العلاقات الدبلوماسية الكاملة وتبادل السفراء وفتح السفارات.

وتجددت علاقات إسرائيل مع بوليفيا، وأعيدت العلاقات مع تشيلي، فيما سحبت كولومبيا كل تحركاتها تقريباً ضد إسرائيل، بل واعترفت بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان. وفي الوقت نفسه، تعمل الأرجنتين وباراغواي على تعميق تحالفهما مع تل أبيب، بينما تطلب الإكوادور المساعدة من إسرائيل في حربها ضد المنظمات الإجرامية.

ويؤكد نائب مدير قسم أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي في وزارة الخارجية الإسرائيلية أمير أوفيك أن الوزارة تعترف بوجود تغيير كبير، لكنه يشدد على أن التقارب الحالي لم يولد في اليوم الذي تغيرت فيه حكومات دول القارة.

ويقول إن السفارات الإسرائيلية واصلت تنمية العلاقات مع المسؤولين المنتخبين ومنظمات المجتمع المدني ومراكز النفوذ، حتى في البلدان التي اتخذت خطاً عدائياً تجاه إسرائيل.

في المقابل، يرى عضو هيئة التدريس في قسم العلاقات الدولية والمنتدى الأوروبي في الجامعة العبرية بالقدس دانييل وينر أن تطور العلاقات بين الجانبين أكثر تعقيداً من قصة "قارة أعادت اكتشاف إسرائيل".

فإسرائيل، التي كانت في السنوات الأخيرة هدفاً لانتقادات لاذعة ومقاطعات، بل وحتى قطع للعلاقات، أصبحت الآن رمزاً للانتماء إلى المعسكر الموالي لأمريكا والمؤيد للغرب. وبحسب وينر، فإن التغيير في العلاقات الإسرائيلية مع أمريكا اللاتينية ليس نتيجة مباشرة لتحول أيديولوجي، بل يرتبط أيضاً بالقيود المفروضة على دولها.

يرى وينر أن ما يدفع التغيير الرمزي تجاه إسرائيل هو البراغماتية السياسية والحاجة إلى التقرب من الغرب، ولذلك ينبغي قراءة هذا التحول كجزء من محاولات تلك الدول تحسين وضعها الدولي، وليس فقط كتغيير مستقل في علاقتها مع إسرائيل.

يؤكد ذلك، وفق هذا التقييم، أن الطريق إلى احتمال تجديد العلاقات الكاملة لا يزال طويلاً، وأن إسرائيل ستضطر أيضاً إلى التعامل مع الإرث السياسي والأمني للأنظمة السابقة في دول القارة.

ويختلف اليمين الشعبوي السائد في أمريكا اللاتينية عن الأنظمة اليسارية السابقة في موقفه من إسرائيل. فقد كانت حكومات مثل حكومات شافيز في فنزويلا، وموراليس في بوليفيا، وكوريا في الإكوادور، وأورتيغا في نيكاراغوا، تحمل ما تصفه المادة بـ"الحمض النووي" المرتبط بالعداء لإسرائيل.

كانت معارضة إسرائيل جزءاً من هويتها المناهضة لأمريكا، لكن اليمين الشعبوي اتخذ موقفاً معاكساً لتمييز نفسه، ليس بالضرورة لأسباب أيديولوجية وسياسية فقط، وإنما أيضاً لحسابات مصلحية.

فالعديد من دول القارة تتعامل مع العصابات والموانئ التي اخترقتها منظمات المخدرات وارتفاع معدلات القتل، وقد استعانت هذه الدول بإسرائيل لتزويدها بمعلومات استخباراتية في حربها على الجريمة.

إسرائيل كجسر إلى واشنطن

يؤكد محرر الشؤون السياسية في صحيفة "يديعوت أحرونوت" إيتمار آيخنر أن عدداً من دول أمريكا اللاتينية افتتحت مراكز للابتكار وريادة الأعمال، ولم تعد تنظر إلى إسرائيل فقط باعتبارها رمزاً للمعسكر المحافظ.

بل يُنظر إليها، وفق آيخنر، باعتبارها مزوداً للقدرات التي تحتاج إليها تلك الحكومات بشكل عاجل، فضلاً عن محاولات جذب الاستثمارات خلال الأزمة الاقتصادية الحادة، وتوسيع التعاون في مجالات الزراعة والطب والتكنولوجيا والأمن.

ولا يتجلى التحول فقط في التصريحات الرئاسية وعودة السفراء والأصوات في الأمم المتحدة، إذ شهدت الشهور الأخيرة سلسلة طويلة من الوفود والزيارات السياسية والعلاقات مع البرلمانات والزيارات المتبادلة للشخصيات العامة.

وبحلول نهاية عام 2026، سيصل عدد الوفود من أمريكا اللاتينية التي زارت إسرائيل خلال العامين الماضيين إلى 80 وفداً، وهو رقم غير مسبوق، شارك فيها أعضاء برلمان وصحفيون وأصحاب نفوذ ورجال أعمال ومبدعون وقادة مجتمعيون وممثلون عن المجتمع المدني.

تتمثل إحدى النقاط اللافتة في استئناف العلاقات الإسرائيلية مع دول أمريكا اللاتينية في اعتبار إسرائيل "جسرا دبلوماسيا محتملا" نحو الولايات المتحدة.

ولا يعني ذلك، وفق المعطيات، أن واشنطن تملي على دول القارة تبني خط مؤيد لإسرائيل، ففي كثير من الحالات تسعى الحكومات نفسها، من خلال التواصل مع إسرائيل، إلى الإشارة إلى رغبتها في التقرب من الولايات المتحدة والانتماء إلى معسكرها.

وتنطلق هذه الحكومات من قناعة مفادها أنه "من أجل التقرب من الولايات المتحدة، عليك أولاً أن تقترب من إسرائيل"، خصوصاً مع وجود ترامب في البيت الأبيض والنظر إلى علاقاته مع الحكومة الإسرائيلية على أنها وثيقة، ما يجعل التقارب مع تل أبيب عاملاً يمكن الاستفادة منه لتحقيق أهداف تلك الدول في واشنطن.

لكن هذا التقارب لا يخلو من مخاطر بالنسبة إلى إسرائيل نفسها، إذ حذر خبير العلاقات الدولية وأمريكا اللاتينية في الجامعة العبرية، البروفيسور أرييه كاتسوفيتز، من التغير الدراماتيكي في مواقف دول أمريكا اللاتينية بين رئيس وآخر، ما يستدعي من إسرائيل بناء علاقات ثنائية عملية ومستقرة، وعدم الاعتماد على التماهي الأيديولوجي مع الحكومات اليمينية.

ويكمن العنصر الأساسي في المخاوف الإسرائيلية في أن تجارب كولومبيا وبوليفيا وباراغواي تثبت أن السفارات وصفقات الأسلحة والتصويت في الأمم المتحدة قد تتغير مع تغيير الرؤساء.

لمواجهة هذه التقلبات الدورية، تسعى إسرائيل إلى إنشاء علاقات شخصية مع تلك الدول، ليس فقط على المستوى الدبلوماسي، وإنما أيضاً في الأوساط الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني والمستويات المدنية الأخرى، لأن هزيمة رئيس واحد قد تمحو سنوات من العمل الدبلوماسي خلال أسابيع.

بذلك، فإن عودة العلاقات بين إسرائيل وعدد من دول أمريكا اللاتينية لا تقتصر على استعادة السفراء أو فتح السفارات، وإنما تمتد إلى الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا والبرلمانات والمجتمع المدني.

وفي الوقت نفسه، تكشف المعطيات أن هذا الانفتاح يرتبط بتحولات سياسية داخلية في دول القارة، ورغبة لدى بعضها في التقرب من واشنطن، فيما تحاول إسرائيل تحويل هذه الموجة إلى علاقات طويلة الأمد لا تتأثر سريعاً بتغير الحكومات.

لكن استمرار هذا المسار يبقى مرتبطاً بقدرة تل أبيب على تجاوز إرث القطيعة والمقاطعة، وبمدى قدرة الحكومات اليمينية الجديدة على الحفاظ على سياساتها تجاه إسرائيل مع تغير الظروف السياسية داخل بلدانها.

تحميل المزيد