لم يعد الخطر الذي يواجه البحارة المصريين مرتبطاً فقط بحوادث البحر وظروف العمل، بعدما تحولت مناطق الإبحار نفسها إلى ساحات للصراعات والتهديدات، فمن البحر الأسود إلى البحر الأحمر ومضيق هرمز، بات البحارة أمام مخاطر تبدأ بالقصف والمسيّرات، ولا تنتهي بالاحتجاز والقرصنة.
أعاد مقتل ربان مصري قبل أسبوعين، إثر قصف أوكراني استهدف سفينة بضائع بالقرب من أحد الموانئ الروسية، تسليط الضوء على هذه المخاطر، وبعد أيام من الحادث، انتُشل جثمانه وسُلّم إلى الإسعاف التركي، في واقعة عكست طبيعة المخاطر التي باتت تحيط بالبحارة المصريين.
بالتزامن مع ذلك، لا يزال 8 من البحارة المصريين محتجزين لدى قراصنة صوماليين منذ 5 أشهر، فيما تحدثت وزارة الخارجية المصرية عن بحارة محتجزين في مضيق هرمز واجهوا صعوبات في العودة، وسط أخطار الحرب المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران.
لا تتوقف الأزمة عند المخاطر الأمنية، إذ تتداخل معها أزمات مرتبطة بحقوق البحارة المادية والمهنية، من تأخر صرف الرواتب والمستحقات إلى صعوبة تبديل الأطقم، فضلاً عن مسؤولية تأمينهم عندما تعمل السفن في مناطق مضطربة أو عالية الخطورة.
البحارة المصريون تحت رحمة المسيّرات
شهد البحر الأسود واقعة بحرية مأساوية بعد استهداف سفينة "نوران"، ما أسفر عن مقتل الربان المصري سعيد عبد العزيز سلامة، قائد السفينة، بينما تمكن عدد من أفراد الطاقم من النجاة بعد إجلائهم من السفينة.
وكانت السفينة تحمل على متنها 13 بحاراً، بينهم 9 مصريين و2 من الهند و2 من سوريا، واستُهدفت بـ6 مسيّرات أوكرانية، وفقاً للمعلومات التي أوردتها نقابة البحارة المصريين.
تابعت وزارة الخارجية المصرية تداعيات حادث القصف الذي تعرضت له السفينة بالقرب من أحد الموانئ جنوب غرب روسيا، ووجّه وزير الخارجية بدر عبد العاطي السفارة المصرية في موسكو بمتابعة الحادث وتقديم أوجه الدعم والمساعدة القنصلية للبحارة المصريين الموجودين على متن السفينة.
بحسب وزارة الخارجية، نجحت السفارة المصرية في موسكو في تيسير عودة 8 بحارة مصريين كانوا على متن السفينة إلى أرض الوطن، ضمن جهود التعامل مع تداعيات الحادث، وجرى انتشال رفات البحار المصري بعد مرور 10 أيام أو أكثر من وقوع الحادث، بسبب صعوبات كثيرة في المنطقة.
ثم جرى تسليم الرفات إلى الإسعاف التركي وإيداعه في مشرحة بأحد المستشفيات، واستدعاء شقيقه لمطابقة البصمة الوراثية. وأكد السفير حداد الجوهري، مساعد وزير الخارجية للشؤون القنصلية والمصريين بالخارج، أن الوزارة على تواصل يومي مباشر مع شقيق الربان وأسرته لإطلاعهم على المستجدات.
وأصدرت الخارجية توجيهات فورية للقنصلية المصرية في إسطنبول والسفارة في أنقرة للتحرك العاجل واستلام الجثمان بعد إجراء الفحوصات اللازمة للتأكد من هويته، وشددت على التزامها الكامل بإنهاء المعاملات القانونية والطبية بالتعاون مع السلطات التركية لنقل الجثمان إلى مصر في أقرب وقت.
ويرى مصدر بنقابة البحارة المصريين أن أزمات البحارة تعددت خلال الأشهر الأخيرة بسبب اضطراب الملاحة في أكثر من منطقة، مشيراً إلى وجود أوضاع ساخنة في البحر الأحمر في ظل التوتر القائم بين إثيوبيا وإريتريا والصومال.
وأضاف أن وصول جماعة الحوثيين إلى مدن ومناطق يمنية على ساحل البحر الأحمر ضاعف الهواجس من إمكانية تكرار عمليات القرصنة، إلى جانب التصعيد اللافت بين روسيا وأوكرانيا في البحر الأسود.
وأشار المصدر الذي تحدث لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم ذكر اسمه، إلى الحرب المستمرة منذ أشهر بين الولايات المتحدة وإيران في مضيق هرمز، والتي تسببت في احتجاز مئات السفن وعلى متنها عشرات المصريين قبل تسهيل عودتهم مؤخراً.
البحارة المصريون بين القرصنة والاحتجاز
في الوقت الذي تتزايد فيه المخاطر الأمنية، يقول المصدر النقابي إن رواتب البحارة تضاعفت نتيجة هذه الاضطرابات، لكن المخاطر ارتفعت بصورة كبيرة أيضاً.
وأشار إلى أن العديد من البحارة من دول مختلفة يخشون العمل في مناطق الصراعات، بينما يبرز في المقابل خطر آخر يتعلق بمدى التزام أصحاب السفن بدفع الرواتب وتأمين البحارة.
في شهر أغسطس/ آب 2026، قالت الخارجية المصرية إنها تمكنت من الإفراج عن بحارين كانا محتجزين على متن السفينة "ريم البحار" في ميناء بندر عباس الإيراني منذ يناير/ كانون الثاني 2026، وتأمين خروجهما من إيران وتسهيل عودتهما إلى مصر.
وأنهت بعثة رعاية المصالح المصرية في طهران إجراءات عودتهما إلى مصر، ضمن التحركات المصرية للتعامل مع أوضاع البحارة المحتجزين في الخارج. لكن جهود الخارجية المصرية لم تنجح بعد في الإفراج عن 8 بحارة محتجزين على متن ناقلة نفط قبالة السواحل الصومالية منذ مطلع مايو/ أيار 2026.
وقالت الخارجية المصرية هذا الشهر إن تحركاتها واتصالاتها المكثفة مستمرة لضمان سلامة البحارة، وتوفير ظروف معيشية ملائمة لهم إلى حين انتهاء الأزمة وعودتهم سالمين إلى مصر. ووجّه وزير الخارجية بمواصلة التحرك المكثف، وبذل الجهود لضمان سلامة المصريين وسرعة الإفراج عنهم.
وسبق أن حذرت السلطات المصرية البحارة المصريين في منتصف يوليو/ تموز الماضي، داعية إياهم إلى توخي أقصى درجات الحيطة والحذر قبل الالتحاق بالعمل أو الإبحار على متن السفن المتجهة إلى المناطق البحرية عالية الخطورة أو مناطق النزاعات. وطالبت السلطات البحارة المصريين كذلك بالإحاطة الكاملة بالأوضاع الأمنية السائدة في تلك المناطق قبل الإبحار إليها.
يشير مصدر مطلع بنقابة البحارة المصريين إلى أن التطورات الأخيرة في عدد من الممرات البحرية أعادت ملف سلامة البحارة إلى الواجهة، خصوصاً مع استمرار التوترات في مناطق مثل البحر الأحمر ومضيق هرمز.
وأوضح أن هناك سفناً تدخل مناطق التوتر رغم المخاطر القائمة، وهو ما يضع الطواقم أمام مخاطر لا تكون دائماً بإرادتهم أو بقرار شخصي منهم.
وأضاف أن المشكلة لا تقتصر على السفن التي تتعرض للاحتجاز، وإنما تشمل أيضاً السفن التي تبحر في مناطق عالية الخطورة رغم إدراك ملاكها أو مشغليها لطبيعة الوضع الأمني.
حسب مصدر "عربي بوست"، فإن بعض السفن قد تلجأ إلى إجراءات لتقليل إمكانية رصدها، من بينها تعطيل أو تغيير بيانات أنظمة التعرف الآلي أو تعديل طريقة بث البيانات، وهو ما يثير مخاوف إضافية بشأن سلامة الطواقم وقدرة الجهات المعنية على تحديد موقع السفينة في حالات الطوارئ.
خطر يبدأ من داخل السفينة
لا تقتصر أزمات البحارة المصريين على المخاطر الأمنية، إذ يعاني بعضهم مشكلات تتعلق بحقوق العمل، بحسب المصدر النقابي. وأوضح أن هناك فئات انتهت عقود عملها وتواصل العمل دون تجديدها، أو تتأخر أجورها ومستحقاتها المالية، أو تتعذر عمليات تبديل أطقم السفن.
كما أشار المتحدث إلى أن التعامل مع أوضاع البحارة المصريين في الخارج يتطلب تنسيقاً مباشراً بين وزارة الخارجية والسلطة البحرية المختصة، ممثلة في الهيئة المصرية لسلامة الملاحة البحرية، إلى جانب النقابة والاتحاد الدولي لعمال النقل (ITF).
وتملك هذه الجهات، بحسب المصدر، آليات مختلفة للتعامل مع الحالات التي قد يتعرض فيها البحارة لمخاطر أو انتهاكات لحقوقهم.
وتؤدي السفارات المصرية في الخارج دوراً دبلوماسياً وإجرائياً في التعامل مع المواطنين، إلا أن ملف البحارة المصريين له طبيعة خاصة، وتتطلب بعض الحالات تدخلاً من السلطة البحرية المختصة والنقابات والمنظمات الدولية المعنية بالعمل البحري.
وأشار إلى أن السفارة تستطيع التواصل واتخاذ إجراءات لمساعدة البحار على العودة، لكنها لا تستطيع بمفردها ضمان حصوله على أجوره أو مستحقاته، أو ممارسة الضغط الفني والقانوني المطلوب على مالك السفينة.
وشدد المصدر على أهمية وجود آلية تنسيق واضحة، قائلاً إن أي جهة دبلوماسية تتلقى بلاغاً بشأن وجود بحار مصري عالق أو متضرر من ظروف العمل ينبغي أن تحيل الحالة إلى الجهات البحرية المختصة.
وتتولى كل جهة، وفق المصدر، دورها بحسب الاختصاصات المقررة، لافتاً إلى أن حقوق البحارة في حالات تأخر الأجور أو التخلي عنهم على متن السفن تخضع في جانب مهم منها لأحكام اتفاقية العمل البحري "MLC 2006". وتضع الاتفاقية قواعد دولية بشأن ظروف العمل والمعيشة والحماية الاجتماعية وحقوق البحارة.
يشير المصدر المطلع إلى أن هذه الظروف تساهم أحياناً في ضياع حقوق البحارة، إذ تكون هناك مبررات لتأخر دفع الأجور والمستحقات لفترات طويلة، أو تخلي مالك السفينة عن مسؤولياته تجاه الطاقم.
وفي هذه الحالات، تضغط النقابة من أجل اعتبار السفينة "مهجورة"، بحيث لا تستطيع التعاقد على شحنات نقل جديدة، وفق الآليات الدولية المعمول بها، مع إمكانية تسجيل الحالة وإبلاغ منظمة العمل الدولية بها، ما يسمح باتخاذ إجراءات تجاه السفينة والمالك.
ولفت المصدر إلى أن قضية العودة الآمنة للبحارة لا تقل أهمية عن حصولهم على مستحقاتهم المالية، خصوصاً عندما تعمل السفن في مناطق تشهد نزاعات أو تهديدات أمنية.
ففي بعض الحالات قد يصبح استبدال الطاقم ضرورة مرتبطة بالسلامة، ويتطلب ذلك تنسيقاً بين مالك السفينة والسلطات المختصة والجهات الدبلوماسية والنقابات، فضلاً عن تحمل مالك السفينة التكاليف المرتبطة بإعادة البحار إلى بلده عندما تكون المسؤولية القانونية عليه.
الحاجة إلى آلية إنقاذ استباقية
أكد السفير حداد الجوهري في تصريحات إعلامية أن هناك مئات السفن العالقة في مضيق هرمز، وعلى متنها بحارة مصريون وغير مصريين، وأشار إلى أن الوزارة تحث البحارة المصريين الموجودين في مناطق الخطر على التواصل مع أقرب سفارة أو قنصلية.
ولفت إلى أن الوزارة نجحت بالفعل في تسهيل دخول بحارة مصريين إلى موانئ إماراتية والحصول على تأشيرات استثنائية لهم، ما أتاح لهم مغادرة السفن والعودة إلى مصر، مشيراً إلى إعادة عشرات البحارة بهذه الآلية.
وبحسب خبير في النقل البحري، فإن بعض البحارة قد يكونون تعرضوا لأزمات دون أن يتم التوصل إليهم سريعاً، خصوصاً إذا كانوا يعملون على سفينة ترفع علم دولة أجنبية.
يرى الخبير أن التواصل المباشر مع البحارة أو ذويهم يمثل مصدراً مهماً للمعلومات، وبالتالي فإن تصاعد الاضطرابات الملاحية يجعل من المهم التوافق على آلية استباقية تتضمن متابعة أوضاع السفن التي تحمل بحارة مصريين في مناطق التوتر.
وتشمل هذه الآلية، بحسب المصدر، التنسيق مع السلطات البحرية والدبلوماسية في الدول المعنية، مشيراً إلى أن التواصل مع السلطات الإيرانية والعمانية، على سبيل المثال، يمكن أن يكون مهماً في حالات السفن الموجودة في محيط مضيق هرمز.
ويهدف ذلك إلى التعرف إلى الطواقم المصرية الموجودة على متن السفن وتحديد احتياجاتها، حتى إذا كان التدخل المطلوب ذا طبيعة إنسانية فقط. بعض الحالات التي جرى التعرف إليها خلال الفترة الأخيرة تم التعامل معها، لكن طبيعة الوضع البحري تجعل المعلومات متغيرة بصورة يومية.
لذلك، يستدعي الأمر تحديث البيانات باستمرار وعدم الاعتماد على معلومات قديمة. وحذر المصدر من عودة نشاط القرصنة البحرية إلى الواجهة مع استمرار التوترات الجيوسياسية، مشيراً إلى أن البحر الأحمر يظل من المناطق التي تحتاج إلى متابعة أمنية مستمرة.
وتشمل المتابعة أيضاً مناطق أخرى مثل سواحل الصومال والممرات البحرية المحيطة بها، خصوصاً في ظل استمرار التوترات التي ترفع مستوى المخاطر أمام السفن وطواقمها.
وأوضح أن القرصنة لا ترتبط فقط بالوضع الأمني، وإنما تتداخل معها عوامل جغرافية وبيئية ومناخية، إذ توفر بعض المناطق والظروف البحرية فرصاً للقراصنة لاستهداف السفن. وتزداد هذه المخاطر عندما تتزامن تلك العوامل مع ضعف الرقابة أو ارتفاع مستوى التوترات السياسية والعسكرية.
وهكذا يجد البحارة المصريون أنفسهم أمام منظومة متداخلة من المخاطر، تبدأ من السفينة التي قد تدخل منطقة نزاع، وتمتد إلى احتمالات القصف أو القرصنة أو الاحتجاز، ولا تنتهي عند حقوق العمل والرواتب والقدرة على العودة الآمنة إلى بلدهم.