كشفت مصادر سياسية وبرلمانية مطلعة لـ"عربي بوست" أن الأزمة التي انفجرت داخل مجلس النواب الليبي في بنغازي تتجاوز الخلاف المعلن حول عقد جلسة أو تعديل اللائحة الداخلية، وتمتد إلى صراع أوسع على مستقبل رئاسة المجلس وموقعه في أي تسوية سياسية مقبلة.
بحسب المصادر، فإن التحركات داخل مجلس النواب في بنغازي تتقاطع مع تباينات في حسابات الدوائر المحيطة بخليفة حفتر، ولا سيما المرتبطة بأبنائه صدام وخالد وبلقاسم، في وقت تتقدم فيه اتصالات أممية وأمريكية تبحث إعادة ترتيب المؤسسات والسلطة في ليبيا.
تقول المصادر إن مستقبل عقيلة صالح أصبح جزءاً من هذا الصراع، بعدما بدأ نواب التحرك لتعديل اللائحة الداخلية وآليات إدارة مجلس النواب الليبي، وهي خطوة يمكن أن تفتح لاحقاً الباب أمام إعادة النظر في هيئة الرئاسة التي يتولاها عقيلة صالح منذ عام 2014.
لكن الأزمة، وفق المصادر، لا تدور فقط حول بقاء عقيلة أو تغييره. فالسؤال الأوسع يتعلق بمن سيمتلك القرار داخل مجلس النواب الليبي عندما تبدأ ترتيبات التسوية المقبلة، وما إذا كان المجلس سيبقى تحت صيغة القيادة الحالية أم سيشهد إعادة توزيع لمراكز النفوذ داخله.
كيف انفجرت أزمة مجلس النواب الليبي؟
خرج الخلاف إلى العلن يوم الإثنين 21 سبتمبر/ أيلول 2026، عندما أعلن 86 عضواً في مجلس النواب الليبي أنهم تمكنوا من الوصول إلى النصاب القانوني اللازم لعقد جلسة لمناقشة إصلاح المجلس وتعديل لائحته الداخلية.
وقال النواب إنهم مُنعوا من دخول مقر البرلمان في بنغازي لعقد الجلسة، مؤكدين أن المنع تم بتعليمات من رئاسة المجلس، وأعلنوا في الوقت نفسه أنهم سيواصلون تحركهم، وأن منعهم من دخول المقر لن يحول دون اجتماعهم في مكان آخر داخل ليبيا.
شدد النواب في بيانهم على أن تحركهم لا يستهدف تعطيل المسارات السياسية أو الانتخابية، ما فيها مسار "4+4″، وإنما يتعلق بإصلاح عمل مجلس النواب الليبي وتمكين أعضائه من ممارسة مهامهم.
كما أعلنوا أن اجتماعهم المقبل سيستند إلى المادة 137 من اللائحة الداخلية للمجلس، في إشارة إلى استمرار المسار الإجرائي الذي بدأه النواب بعيداً عن الصيغة التي تتمسك بها رئاسة البرلمان.
في المقابل، قدمت رئاسة مجلس النواب الليبي رواية مختلفة تماماً. وقال المتحدث الرسمي عبد الله بليحق إنه لم تصدر دعوة رسمية من الرئاسة لعقد جلسة في ذلك اليوم، وبالتالي "لا توجد جلسة ليتم عرقلتها".
أضاف بليحق أن الإجراءات الأمنية حول مقر المجلس كانت إجراءات تأمين روتينية، ونفى كذلك أن يكون البرلمان لم يعقد جلسة منذ 8 أشهر، مشيراً إلى انعقاد جلسة رسمية قبل ذلك بأسبوع برئاسة عقيلة صالح.
لكن مصادر "عربي بوست" قالت إن الخلاف حول ما إذا كانت جلسة الإثنين رسمية من عدمه لا يمثل سوى الجزء الظاهر من أزمة بدأت تتصل مباشرة بطريقة إدارة مجلس النواب الليبي ومستقبل رئاسته.
معركة اللائحة تفتح الباب أمام عقيلة صالح
بحسب المصادر، يقود عدد من أعضاء مجلس النواب منذ فترة تحركاً لتعديل اللائحة الداخلية وإعادة تنظيم آليات إدارة المجلس، وهي خطوة يمكن أن تفتح لاحقاً باب إعادة تشكيل هيئة الرئاسة التي يتولاها عقيلة صالح منذ عام 2014.
قالت المصادر إن مجموعة تضم نحو 62 نائباً كانت في قلب التحرك المطالب بتعديل اللائحة، فيما يدور داخل المجلس خلاف حول حجم التأييد الحقيقي لهذا المسار، خصوصاً مع اتساع عدد النواب الذين أعلنوا اعتراضهم على طريقة إدارة المجلس خلال الأسابيع الأخيرة.
لكن الخلاف لم يتوقف عند عدد المؤيدين والمعارضين. فقد كشفت مصادر برلمانية لـ"عربي بوست" أن الجدل امتد إلى صحة بعض التوقيعات الواردة في قوائم نُسبت إلى النواب المؤيدين للتحرك.
بحسب المصادر، قال عدد من أعضاء مجلس النواب الليبي إن أسماءهم أُدرجت أو نُسبت إليهم توقيعات لا يقرون بصحتها، وهو ما يجعل مسألة التوقيعات جزءاً أساسياً من المعركة الإجرائية داخل البرلمان.
قالت المصادر ذاتها إن عدد أعضاء مجلس النواب الموقعين والمعتمدين المتداول داخل المؤسسة يبلغ 164 نائباً، ما يجعل الأرقام نفسها عنصراً حاسماً في تحديد قدرة أي طرف على الادعاء بامتلاك الأغلبية اللازمة لاتخاذ قرارات تتعلق باللائحة أو هيئة الرئاسة.
لا تعني هذه المعطيات أن النواب الـ86 الذين وقعوا بيان منع الجلسة يمثلون بالضرورة المجموعة نفسها التي بدأت التحرك الأول لتعديل اللائحة، لكن اتساع عدد الموقعين على البيان الأخير يعكس، وفق المصادر، زيادة مساحة الاعتراض داخل المجلس.
تضيف المصادر أن حسم مسألة التوقيعات والنصاب سيصبح أكثر أهمية إذا انتقل التحرك من الاعتراض على طريقة إدارة مجلس النواب الليبي إلى محاولة فعلية لتغيير رئاسته.
صراع داخل معسكر الشرق
قالت مصادر "عربي بوست" إن اختزال ما يجري في مواجهة مباشرة بين عقيلة صالح ومجموعة من النواب لا يفسر كامل المشهد، لأن مجلس النواب الليبي أصبح جزءاً من معركة أوسع تتعلق بموقع المؤسسات السياسية في شرق ليبيا داخل أي تسوية مقبلة.
بحسب المصادر، فإن دوائر النفوذ المحيطة بخليفة حفتر لا تتعامل جميعها بالطريقة نفسها مع مستقبل عقيلة صالح أو مع الدور الذي ينبغي أن يلعبه مجلس النواب خلال المرحلة المقبلة.
تشير المعلومات التي حصل عليها "عربي بوست" إلى وجود تباينات في حسابات الدوائر المرتبطة بكل من صدام وخالد وبلقاسم حفتر، تمتد من توزيع الملفات العسكرية والاقتصادية إلى كيفية التعامل مع التحركات السياسية الجارية ومستقبل مؤسسات الشرق في حال الوصول إلى ترتيبات جديدة للسلطة.
وكانت تقارير صحفية منشورة قد تحدثت بدورها عن ارتباط الأزمة البرلمانية بتباينات في الاصطفافات داخل معسكر الشرق، وربطت التحرك ضد رئاسة المجلس بدوائر أقرب إلى صدام حفتر، مقابل علاقات تربط عقيلة صالح بدوائر أخرى داخل عائلة حفتر.
لكن الأطراف المعنية لم تقدم رواية رسمية متكاملة عن طبيعة هذه التباينات. وتقول مصادر "عربي بوست" إن هذه الخلافات لا ينبغي قراءتها حتى الآن باعتبارها انقساماً نهائياً داخل معسكر حفتر، لكنها تعكس تنافساً متصاعداً على المواقع التي يمكن أن تصبح أكثر أهمية عند بدء إعادة توزيع النفوذ السياسي.
لماذا أصبح المجلس أكثر أهمية الآن؟
تكتسب الأزمة أهميتها من توقيتها، إذ جاءت بعد أيام من تحركات سياسية مرتبطة بمسار "4+4". ففي 14 سبتمبر/ أيلول، عقد مجلس النواب جلسة في بنغازي برئاسة عقيلة صالح، أيد خلالها اتفاق "الاجتماع المصغر" الموقع في طرابلس في 30 أغسطس/ آب.
وقالت بعثة الأمم المتحدة إن تأييد المجلس سبقته رسالة مشتركة من 103 أعضاء في البرلمان تؤيد الاتفاق. ويعالج الاتفاق مرحلتين أساسيتين من خارطة الطريق الأممية، هما إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ومعالجة القضايا العالقة في الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات الرئاسية والتشريعية.
كما يتضمن الاتفاق التزاماً بالعمل على إجراء الانتخابات خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً. وفي 20 سبتمبر/ أيلول، أي قبل أزمة مجلس النواب بيوم واحد، اجتمع أعضاء "الاجتماع المصغر" في تونس برئاسة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه لمتابعة تنفيذ الاتفاق.
وأعلن المشاركون استمرار العمل على توسيع قاعدة الدعم للاتفاق، على أن يُعقد اجتماع متابعة آخر مطلع أكتوبر/ تشرين الأول.
بحسب مصادر "عربي بوست"، يفسر هذا السياق حرص النواب المعارضين لطريقة إدارة عقيلة صالح على التأكيد صراحة أن تحركهم لا يستهدف إسقاط اتفاق "4+4" أو تعطيل المسار الانتخابي.
وتقول المصادر إن الرسالة التي يريد هؤلاء النواب إيصالها هي أن اعتراضهم يتعلق بطريقة إدارة مجلس النواب، وليس بموقف المجلس من التسوية التي ترعاها الأمم المتحدة.
مسعد بولس وصعود دور صدام حفتر
يتزامن ذلك مع اتصالات أمريكية يقود جانباً منها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، بهدف الدفع نحو توحيد المؤسسات ومعالجة الانقسام السياسي في ليبيا.
في 22 سبتمبر/ أيلول 2026، دافع بولس عن التحركات الأمريكية المتعلقة بليبيا، رافضاً تصويرها باعتبارها محاولة لمنح السيطرة لطرف واحد، وقال إن التصور يقوم على شراكة بين الأطراف، وإن الأولوية هي توحيد مؤسسات البلاد قبل الانتخابات التي تقودها الأمم المتحدة.
وتأتي تصريحاته وسط تقارير تتحدث عن تصورات لتقاسم السلطة تمنح صدام حفتر دوراً سياسياً بارزاً مقابل استمرار عبد الحميد الدبيبة في موقع تنفيذي، وهي صيغة لم يؤكد بولس اعتمادها بصورة نهائية، بينما شدد في تصريحاته على أن الاتصالات لا تتمحور حول شخص واحد.
وهذه النقطة تحديداً تجعل الصراع على مجلس النواب الليبي أكثر أهمية في تقدير مصادر "عربي بوست"، فصدام حفتر أصبح خلال الفترة الأخيرة أكثر حضوراً في ملفات الاتصالات السياسية والخارجية، بالتوازي مع مواقع نفوذ أخرى يحتفظ بها إخوته داخل البنية العسكرية والتنفيذية والاقتصادية في شرق البلاد.
وتقول المصادر إن أي انتقال إلى مرحلة تتضمن إعادة تشكيل الحكومة أو المؤسسات السيادية أو تعديل ترتيبات السلطة سيجعل السيطرة على القرار داخل مجلس النواب ورقة مهمة، نظراً إلى الدور التشريعي والسياسي الذي يمكن أن يؤديه المجلس في إضفاء الغطاء على أي ترتيبات جديدة.
عقيلة صالح ورقة في معركة أوسع
بحسب المعلومات التي حصل عليها "عربي بوست"، لا توجد رؤية واحدة تماماً داخل الدائرة المقربة من خليفة حفتر بشأن الشكل الذي ينبغي أن تكون عليه التسوية المقبلة أو توزيع الأدوار داخلها.
وتقول المصادر إن صدام حفتر يدفع باتجاه توسيع حضوره في الملفات السياسية والخارجية، بينما يحتفظ خالد حفتر بنفوذ عسكري متزايد، في حين أصبح بلقاسم حفتر، من خلال جهاز التنمية وإعادة الإعمار، لاعباً رئيسياً في ملفات المشروعات والإنفاق وإعادة الإعمار.
وترى المصادر أن هذه المراكز المختلفة لم تتحول حتى الآن إلى جبهات سياسية منفصلة بصورة معلنة، لكنها لم تعد متطابقة المصالح في كل الملفات أيضاً.
ويبرز مستقبل عقيلة صالح، بحسب المصادر، كواحد من الملفات التي تكشف هذا التباين، لأن بقاءه على رأس البرلمان أو تغييره سيؤثر في توزيع أوراق النفوذ داخل الشرق، وفي الطرف الأكثر قدرة على التعامل مع التسوية المقبلة.
وتحدثت المصادر عن مخاوف داخل بعض الدوائر من أن يؤدي اشتداد التنافس على المؤسسات ومراكز القرار إلى رفع مستوى التوتر بين هذه الأجنحة.
بعض المصادر ذهبت إلى التحذير من احتمال انتقال التنافس مستقبلاً من المجال السياسي إلى الأمني إذا أصبح الخلاف على ترتيبات السلطة مباشراً، لكن لا توجد حتى الآن وقائع معلنة ومستقلة تثبت حدوث مواجهة مسلحة بين أبناء حفتر أو وجود قرار باتجاهها.
بهذا المعنى، لم يعد الخلاف حول عقيلة صالح متعلقاً بشخص رئيس مجلس النواب الليبي وحده. فاستمراره يعني احتفاظه بإحدى أهم المؤسسات السياسية في شرق ليبيا وبقدرة مؤثرة في تمرير أو تعطيل ترتيبات تحتاج إلى غطاء تشريعي.
وفي المقابل، يمكن أن يؤدي تغيير رئاسة مجلس النواب الليبي، إذا تحقق بنصاب وإجراءات قانونية معترف بها، إلى إعادة توزيع ورقة أساسية داخل معسكر الشرق.
كما أن الخلاف حول صحة التوقيعات والنصاب والجهة المخولة بالدعوة إلى الجلسات يمنح رئاسة المجلس أدوات للطعن في شرعية أي تحرك موازٍ، وهو ما يجعل المواجهة المقبلة داخل البرلمان قانونية وإجرائية بقدر ما هي سياسية.