يجري المغاربة الأربعاء 23 سبتمبر/أيلول 2026، الانتخابات التشريعية لاختيار أعضاء مجلس النواب قبل التعرف على رئيس الحكومة الجديد الذي سيختاره العاهل المغربي الملك محمد السادس من الحزب الذي سيتصدر نتائج الانتخابات ويكلف بتشكيل "حكومة المونديال".
وبينما تستعد الأحزاب لخوض واحدة من أكثر الاستحقاقات تنافسية من حيث عدد اللوائح والمرشحين، تطرح الانتخابات في الوقت نفسه أسئلة أوسع حول علاقة المغاربة بالأحزاب السياسية، وحجم المشاركة السياسية، وقدرة الأحزاب على استعادة ثقة الناخبين، خصوصاً فئة الشباب.
تأتي هذه الانتخابات في سياق تتقاطع فيه رهانات سياسية واقتصادية واجتماعية متعددة؛ فمن جهة، توجد أوراش استراتيجية مرتبطة بالاستثمار والبنية التحتية والحماية الاجتماعية والاستعداد لاحتضان كأس العالم 2030، ومن جهة أخرى تتزايد المطالب المرتبطة بالتشغيل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
في ظل هذه المعادلة، لن تكون الحكومة المقبلة مطالبة فقط بمواصلة المشاريع القائمة، وإنما أيضاً بإقناع الناخب بأن ثمار هذه السياسات قادرة على الوصول إلى حياته اليومية.
في قلب هذه المنافسة، تبرز أربعة أحزاب باعتبارها أطرافاً رئيسية في معادلة ما بعد 23 سبتمبر/أيلول الأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، والاستقلال، ثم العدالة والتنمية الذي يخوض الاستحقاق من موقع المعارضة بعد تجربة حكومية امتدت لنحو عقد، وبعد تراجع كبير في تمثيله البرلماني خلال انتخابات 2021.
وبينما يسعى كل حزب إلى تحقيق أهداف مختلفة، فإن القاسم المشترك بينها يظل مرتبطاً بسؤال واحد: أي خريطة سياسية ستفرزها صناديق الاقتراع، وكيف ستنعكس على شكل الأغلبية والحكومة المقبلتين؟
أبرز أرقام الانتخابات التشريعية المغربية
يتنافس خلال هذه الانتخابات التشريعية في المغرب 28 حزباً سياسياً، من بينها تحالف حزبي تأسس خصيصاً لخوض هذا الاستحقاق، إلى جانب لائحتين لمرشحين غير منتمين سياسياً، على 395 مقعداً بمجلس النواب.
ويبلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة 15 مليوناً و801 ألفاً و162 ناخباً. ويشكل الرجال 54% من مجموع المسجلين، مقابل 46% للنساء. كما ينحدر 55% من الناخبين المسجلين من الوسط الحضري، بينما يمثل المسجلون المنحدرون من الوسط القروي 45%.
وتكشف المعطيات المتعلقة بالتركيبة العمرية للناخبين المسجلين عن حضور لافت للفئات الأكبر سناً، إذ يمثل الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فأكثر أكثر من 29% من مجموع المسجلين في اللوائح الانتخابية.
في المقابل، لا تتجاوز نسبة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و34 سنة 15%، بينما تمثل الفئة العمرية بين 18 و24 سنة نحو 4% فقط من مجموع المسجلين.
على مستوى الترشيحات، بلغ العدد الإجمالي للوائح الترشيح المقدمة على الصعيد الوطني 1850 لائحة، تضمنت 7288 ترشيحاً، بمعدل وطني يتجاوز 18 ترشيحاً لكل مقعد. وتعكس هذه الأرقام حجم المنافسة على المقاعد الـ395 التي يتشكل منها مجلس النواب.
بالنسبة إلى الدوائر الانتخابية المحلية، فقد بلغ عدد لوائح الترشيح المقدمة 1615 لائحة، تضم في مجموعها 5505 مترشحين ومترشحات، بمعدل يتجاوز بدوره 18 ترشيحاً عن كل مقعد.
أما على مستوى الدوائر الانتخابية الجهوية المخصصة حصرياً للنساء، فقد تم تقديم 235 لائحة ترشيح، تضمنت ما مجموعه 1783 مترشحة. وباحتساب مختلف مستويات الترشح، بلغ مجموع الترشيحات النسوية المسجلة في هذا الاستحقاق 2658 ترشيحاً.
وتشمل المنافسة الانتخابية أيضاً عدداً من البرلمانيين الذين يشغلون عضويتهم حالياً داخل المؤسسة التشريعية، إذ بلغ عدد البرلمانيين المزاولين الذين قدموا ترشيحاتهم للانتخابات المقبلة 227 برلمانياً، ما يفتح الباب أمام إعادة انتخاب جزء من أعضاء المجلس الحالي واستمرارهم في المؤسسة التشريعية المقبلة.
الأحزاب أمام امتحان البقاء والثقة
تمثل انتخابات 2026 بالنسبة إلى الأحزاب، اختباراً انتخابياً يتعلق بعدد المقاعد، واختباراً سياسياً يتعلق بقدرتها على إقناع الناخبين بأن المؤسسات الحزبية قادرة على التأثير في حياتهم اليومية.
إذ تكشف الأرقام المتعلقة بالترشيحات عن منافسة واسعة على المقاعد الـ395، لكن ارتفاع عدد المرشحين لا يعني بالضرورة ارتفاع المشاركة الشعبية، وهو ما يجعل القدرة على تحويل الحضور التنظيمي إلى أصوات فعلية أحد أهم رهانات الأحزاب. وتضع تحليلات حديثة مسألة تعبئة الناخبين، ولا سيما الشباب، في صلب التحديات التي تواجه مختلف التنظيمات السياسية.
بالنسبة إلى الأحزاب التي شاركت في الحكومة خلال الولاية المنتهية، وعلى رأسها التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، فإن الرهان يرتبط أيضاً بالدفاع عن حصيلة خمس سنوات من التدبير الحكومي، في وقت أصبحت فيه قضايا مثل البطالة والقدرة الشرائية والخدمات العمومية أكثر حضوراً في النقاش الانتخابي.
أما أحزاب المعارضة، فتواجه بدورها اختبار تحويل الانتقادات الموجهة إلى الحكومة إلى عرض سياسي قادر على استقطاب الناخبين وإقناعهم بجدوى التغيير داخل المؤسسات. وتظهر البرامج الانتخابية المنشورة اختلافاً في مقاربات الأحزاب لقضايا التشغيل والأجور والصحة والتعليم والضرائب والأسعار والاستثمار.
رهانات أحزاب الأغلبية الحكومية المنتهية
تخوض أحزاب الأغلبية الحكومية الثلاثة، الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال، انتخابات 2026 من موقع مختلف عن استحقاق 2021، بعدما أصبحت مطالبة بالدفاع عن حصيلة خمس سنوات من العمل الحكومي، وفي الوقت ذاته تقديم وعود تستجيب للملفات الأكثر حضوراً في انشغالات الناخبين، وعلى رأسها التشغيل والقدرة الشرائية والخدمات الاجتماعية.
ركز الأصالة والمعاصرة في حملته على التشغيل والسكن والدخل والتقاعد والمساعدات الاجتماعية. أما التجمع الوطني للأحرار، الذي قاد الحكومة، يخوض الاستحقاق للدفاع عن حصيلته، واضعاً التشغيل في صدارة برنامجه، مع وعد بخلق مناصب شغل ومواصلة أوراش الدولة الاجتماعية.
بينما يسعى حزب الاستقلال إلى إبراز خصوصيته داخل الأغلبية من خلال التركيز على القدرة الشرائية والسيادة الاقتصادية والخدمات العمومية.
ولا يقتصر التنافس بين الأحزاب الثلاثة على مواجهة المعارضة، بل يمتد إلى إعادة تحديد موازين القوى داخل الأغلبية نفسها وهو ما تجلى في تبادل الاتهامات بين أحزاب الأغلبية نفسها خلال الحملة التي سبقت يوم الاقتراع.
إذ ستمنح النتائج لكل حزب وزنا تفاوضيا مختلفا في صياغة التحالفات وتركيبة الحكومة المقبلة. وفي الوقت ذاته، تواجه الأحزاب الثلاثة اختباراً مشتركاً يتمثل في تحويل حصيلتها وبرامجها الانتخابية إلى قدرة فعلية على استقطاب الناخبين، خصوصاً في ظل تصاعد المطالب الاجتماعية وتحدي العزوف السياسي.
هل يستطيع الإسلاميون استعادة موقعهم؟
في الجهة الأخرى يقف حزب العدالة والتنمية في وضع مختلف عن أحزاب الأغلبية الثلاثة. فقد انتقل الحزب، بعد انتخابات 2021، من قيادة الحكومة لعقد كامل تقريباً إلى موقع المعارضة، بعدما تعرض لخسارة انتخابية كبيرة أفقدته الجزء الأكبر من تمثيله البرلماني.
تصف رويترز تلك النتيجة بأنها كانت هزيمة قاسية للحزب الذي قاد الحكومة لنحو عشر سنوات.
وتحاول قيادة الحزب في انتخابات 2026 إعادة بناء حضوره السياسي والانتخابي، مستفيدة من خطاب معارض يركز على انتقاد أداء الحكومة، مع الاحتفاظ بموقعه كحزب ذي مرجعية إسلامية.
وفي الأيام الأخيرة من الحملة، جعل الحزب الخطاب المحافظ وانتقاد الحكومة من أبرز محاور خطابه الانتخابي، في محاولة لإعادة تعبئة قاعدته التقليدية واستعادة جزء من الناخبين الذين فقدهم في 2021.
وأكد عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، أم حكومة عزيز أخنوش فعلت العديد من المصائب التي كانت تستوجب رحيلها منذ سنوات، مستدركا، لكن لم يبق الكثير أمامها الآن.
وشدد ابن كيران في كلمة له خلال مهرجان خطابي في مدينة أكادير، السبت 19 سبتمبر/أيلول 2026، أن حزب العدالة والتنمية هو البديل الحقيقي لإصلاح ما أفسدته هذه الحكومة، لأن فيه الصرامة اللازمة ليعطي الحقوق ولا يظلم الناس، قاطعا الوعد للحضور بأن الحزب لن يبخل بأي جهد لإيصال الحقوق إلى مستحقيها.
لكن التحدي أمام العدالة والتنمية لا يتعلق فقط بعدد المقاعد التي يمكن أن يحصل عليها، بل بقدرته على إعادة بناء العلاقة مع الناخب بعد تجربة حكم استمرت عشر سنوات ثم انهيار انتخابي كبير في 2021، كما أن البيئة السياسية والاجتماعية تغيرت منذ وصول الحزب إلى السلطة للمرة الأولى.
من هنا، تحمل انتخابات 2026 بالنسبة إلى العدالة والتنمية معنى يتجاوز مجرد المنافسة على المقاعد؛ فهي اختبار لقدرة الحزب على إعادة تثبيت نفسه كقوة سياسية وبرلمانية بعد خمس سنوات في المعارضة.
في المقابل، يبقى حجم المشاركة الانتخابية، خصوصاً بين الشباب، عاملاً مهماً في تحديد قدرة مختلف الأحزاب على تعبئة قواعدها، في ظل مؤشرات على ضعف الثقة في الأحزاب والمؤسسات لدى جزء من الشباب المغربي.
الانتخابات وجيل Z
وتأتي هذه الانتخابات بعد أن أظهرت الاحتجاجات الشبابية والتحولات الاجتماعية الأخيرة، وفق تقارير دولية، اتساع الفجوة بين مؤشرات التنمية والاستثمار من جهة، وشعور فئات من الشباب بصعوبة الوصول إلى فرص العمل والخدمات من جهة أخرى.
من هذه الزاوية، تصبح المشاركة الانتخابية والثقة في المؤسسات جزءاً من الرهان السياسي نفسه، إذ أن ضعف مشاركة الشباب، خصوصاً في ظل محدودية تسجيل الفئة العمرية 18-24 سنة في اللوائح الانتخابية، لا يمثل فقط مشكلة بالنسبة إلى الأحزاب، وإنما يطرح سؤالاً أوسع حول علاقة الجيل الجديد بالمؤسسات المنتخبة.
وركزت التحليلات الأخيرة للانتخابات على صعوبة استعادة اهتمام الشباب بالعمل السياسي، في سياق يتسم بما وصفته مصادر إعلامية بـ"الخيبة السياسية" لدى جزء من هذه الفئة، خاصة بعد القمع الذي تعرضت له احتجاجات "جيل زد" التي شهدها المغرب في سبتمبر وأكتوبر 2025.