إسبان وعسكريون وقائمة اغتيالات.. مصادر تكشف تفاصيل جديدة للتحقيقات مع خلية المسيّرات في ليبيا

عربي بوست
تم النشر: 2026/09/22 الساعة 11:34 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/09/22 الساعة 11:34 بتوقيت غرينتش
تفاصيل جديدة عن خلية المسيّرات في ليبيا/ عربي بوست

كشفت مصادر مطلعة لـ"عربي بوست" أن التحقيقات في خلية المسيّرات في ليبيا المتهمة بتنفيذ هجمات في غرب البلاد أظهرت ضلوع 3 عسكريين يتبعون لواء طارق بن زياد، إلى جانب إسباني واحد، فيما تمكن 3 إسبان آخرون من الفرار. وتحقق السلطات أيضاً في شبهة ارتباط العناصر الأجنبية بشركة تعمل في تجنيد المرتزقة وتنفيذ عمليات تخريب واغتيال.

الخلية لم تكن تستهدف منشآت النفط والكهرباء فقط، وفق المعلومات التي حصل عليها "عربي بوست"، فقد شملت قائمة الأهداف المحتملة مطار طرابلس الدولي ومنشآت حيوية أخرى، إلى جانب خطط لاستخدام المسيّرات في عمليات اغتيال طالت شخصيات سياسية وحكومية، بينها وليد اللافي وعبد السلام الزوبي وإبراهيم الدبيبة.

بعد تفكيك الخلية، توسعت التحقيقات من منفذي الهجمات إلى الجهات التي وفرت المسيّرات ومصادر التمويل والأشخاص الذين حددوا الأهداف وأصدروا التعليمات، إضافة إلى شبكات الدعم التي سهلت تحرك عناصرها في غرب ليبيا. وقادت بعض هذه الخيوط إلى مداهمات داخل طرابلس، بالتزامن مع رصد تحركات لإعادة تجميع مجموعات مسلحة وتمويلها.

تقول المصادر إن بعض هذه التحركات يرتبط بدائرة تعمل مع صدام حفتر، لكن هذه المعلومات لا تعني أن السلطات الليبية اتهمته أو قيادة قوات الشرق بالوقوف وراء الهجمات. وحتى الآن، لم تكشف وزارة الدفاع أسماء "الجهات المرتبطة" بالخلية، فيما تبقى التفاصيل المتعلقة بالأسماء والتمويل والتحركات معلومات خاصة منسوبة إلى مصادر "عربي بوست".

عسكريين وإسبان في خلية المسيّرات في ليبيا

بحسب مصادر مطلعة على التحقيقات تحدثت لـ"عربي بوست"، كشفت التحقيقات عن ضلوع 3 عسكريين يتبعون لواء طارق بن زياد، أحد أبرز التشكيلات العسكرية التابعة للقيادة العامة في شرق ليبيا.

كما كشفت، وفق المصادر، عن وجود شخص يحمل الجنسية الإسبانية ضمن العناصر التي جرى الوصول إليها، فيما تمكن 3 إسبان آخرون من الفرار.

ويحاول المحققون معرفة طبيعة العلاقة بين العسكريين الليبيين والعناصر الأجنبية، وما إذا كانت المجموعة تعمل ضمن هيكل قيادة واحد أو عبر شبكات منفصلة جرى ربطها لإنجاز عمليات محددة.

تقول المصادر إن أحد المسارات التي يجري التحقيق فيها يتعلق بشبهة ارتباط العناصر الإسبانية بشركة تنشط في تجنيد المرتزقة وتوفير عناصر لتنفيذ أعمال تخريب واغتيال.

لكن "عربي بوست" لم يتمكن بصورة مستقلة من التحقق من هوية هذه الشركة أو طبيعة نشاطها القانوني أو الأطراف التي تتعامل معها، كما لم يصدر حتى الآن إعلان رسمي إسباني بشأن وجود مواطنين إسبان في القضية.

من الزاوية إلى أهداف الخلية

وفق المعلومات التي حصل عليها "عربي بوست"، وصلت عناصر الخلية إلى مدينة الزاوية، الواقعة نحو 45 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس، بعد تنسيق مع مجموعات إجرامية محلية.

تقول المصادر إن أفراد المجموعة أقاموا في استراحة جرى استئجارها بواسطة قيادة عسكرية من المنطقة الغربية، قبل بدء عمليات الاستطلاع وتنفيذ الهجمات. وتحاول التحقيقات تحديد دور الأشخاص الذين وفروا الدعم اللوجستي للخلية، ومدى معرفتهم بطبيعة العمليات التي كان يجري التحضير لها.

وتكتسب الزاوية أهمية خاصة بسبب وجود منشآت نفطية وكهربائية رئيسية فيها، إلى جانب موقعها على الطريق الساحلي الرابط بين طرابلس والحدود التونسية.

في 6 سبتمبر/ أيلول 2026، أعلنت حكومة الوحدة الوطنية رسمياً أن عملية أمنية واستخباراتية نفذتها وزارة الدفاع أسفرت عن القبض على 5 أشخاص، ليبيين وأجانب، وتفكيك ما وصفته بـ"خلية تخريبية منظمة".

وقالت الحكومة إن الخلية استخدمت مسيّرات انتحارية لاستهداف خزانات النفط في طرابلس والزاوية ومحطة كهرباء الزاوية، وإن الأجهزة أحبطت عمليات أخرى كانت على وشك التنفيذ.

شملت العمليات التي قالت الحكومة إنها أحبطتها استهداف محطة كهرباء جنوب طرابلس، فضلاً عن منشآت حيوية وقيادات سياسية وأمنية وعسكرية.

لكن مصادر "عربي بوست" تقول إن التحقيقات أظهرت أن قائمة الأهداف كانت أوسع مما أُعلن في البداية، إذ شملت، إلى جانب المجمع النفطي في الزاوية ومحطة الكهرباء بالمدينة وخزانات الوقود بطريق المطار في طرابلس، مطار طرابلس الدولي ومنشآت أخرى كانت ضمن أهداف محتملة.

من تخريب المنشآت إلى قوائم الاغتيال

إذا كانت مهاجمة منشآت النفط والكهرباء تستهدف إلحاق أضرار مباشرة بالبنية التحتية، فإن الجزء الآخر من المخطط، بحسب المصادر، كان أكثر حساسية سياسياً.

تقول المصادر إن التحقيقات كشفت عن خطط لاستخدام الطائرات المسيّرة لاستهداف شخصيات سياسية وحكومية، ومن أبرز الأسماء التي ظهرت وليد اللافي، وعبد السلام الزوبي، وإبراهيم الدبيبة.

ولم تعلن وزارة الدفاع رسمياً حتى الآن أسماء الشخصيات التي كانت مستهدفة، كما لم يتمكن "عربي بوست" بصورة مستقلة من تحديد المرحلة التي وصل إليها التخطيط لتنفيذ تلك العمليات.

لكن الحكومة كانت قد أكدت في إعلانها الأول أن الخلية كانت تخطط لاستهداف "قيادات سياسية وأمنية وعسكرية"، من دون الكشف عن هوياتهم.

وإذا دعمت الأدلة الفنية ما توصلت إليه التحقيقات بشأن قوائم الاغتيال، فإن ذلك يعني أن نشاط الخلية لم يكن مقتصراً على تخريب منشآت اقتصادية وخدمية، بل شمل أيضاً أهدافاً سياسية وأمنية محددة.

تحقيق يتجاوز المنفذين

في 18 سبتمبر/ أيلول، أكدت وزارة الدفاع أن التحقيقات لا تزال مستمرة لكشف جميع المتورطين في الهجمات و"تحديد كافة الجهات المرتبطة بها". كما نفت الوزارة وجود أي توجه للتفاوض بشأن القضية مع أي طرف، وقالت إنها ستعلن نتائج التحقيقات للرأي العام بعد اكتمالها.

تكتسب عبارة "الجهات المرتبطة" أهمية كبيرة، لأنها تشير إلى أن التحقيق الرسمي لا يتوقف عند الأشخاص المقبوض عليهم، بل يبحث في شبكة أوسع من العلاقات والدعم.

يتقاطع ذلك مع معلومات "عربي بوست" بشأن التحقيق في مصادر المسيّرات والتمويل والاتصالات والجهات التي اختارت الأهداف وسهلت وصول أفراد الخلية إلى غرب ليبيا. وبحسب المعلومات، بدأت بعض نتائج التحقيق تتحول إلى عمليات ميدانية داخل العاصمة.

تقول مصادر مطلعة إن مداهمات نفذها اللواء 111 مجحفل وجهاز دعم مديريات الأمن في منطقة أبو سليم جاءت على خلفية المعلومات التي ظهرت خلال التحقيقات. واستهدفت العمليات عناصر مرتبطة بأسامة طليش، وأسفرت عن توقيف أيمن الحمروش، الذي ظهر مؤخراً في صورة برفقة طليش.

لم تعلن السلطات رسمياً حتى الآن أن طليش أو الحمروش شاركا بصورة مباشرة في هجمات المسيّرات، ولذلك تظل العلاقة بين المداهمات والقضية قائمة على المعلومات التي قدمتها المصادر المطلعة على مسار التحقيق.

تقول هذه المصادر إن الهدف من العمليات هو تتبع شبكات أوسع من العلاقات والتمويل والتحركات المسلحة التي ظهرت أسماؤها خلال التحقيقات.

تمويل من الشرق ومعسكر بطرابلس

في موازاة ذلك، تكشف مصادر "عربي بوست" عن استياء شديد داخل دوائر حكومة عبد الحميد الدبيبة من تحركات هيثم التاجوري، وهو قائد مسلح كان له نفوذ كبير في طرابلس خلال سنوات سابقة.

تقول المصادر إن التاجوري يعمل على إعادة تجميع عناصر مسلحة في منطقة عين زارة، جنوب شرقي العاصمة، وإنه عقد اجتماعاً مع عدد منها خلال الأيام الماضية قبل توزيع مبالغ مالية عليها.

وبحسب المعلومات التي وصلت إلى الجهات التي تتابع الملف، جاء التمويل من المنطقة الشرقية، لكن "عربي بوست" لم يتمكن من التحقق بصورة مستقلة من قيمة الأموال أو مسار وصولها.

تقول المصادر إن حكومة الدبيبة تنظر إلى محاولة إعادة بناء تشكيل مستقل في طرابلس باعتبارها تهديداً لترتيباتها الأمنية، وإنها تبحث خطوات لمنع ذلك، بينها إخراج التاجوري من العاصمة.

يظهر في المعلومات التي حصل عليها "عربي بوست" اسم هاشم بشر، الذي تصفه المصادر بأنه يعمل مستشاراً لصدام حفتر في المنطقة الغربية.

تقول المصادر إن بشر تلقى مبلغاً مالياً كبيراً مخصصاً لدعم مجموعات مرتبطة بهيثم التاجوري وأسامة طليش. وأضافت أن صدام حفتر طلب منه البحث عن قطعة أرض كبيرة في جنوب طرابلس وشرائها، تمهيداً لتحويلها إلى معسكر يضم هذه المجموعات.

ولم يتمكن "عربي بوست" بصورة مستقلة من التحقق من عملية شراء الأرض أو من حجم المبالغ التي تقول المصادر إنها خُصصت لهذه المجموعات، كما لم تعلن القيادة العامة وجود مشروع لإنشاء معسكر تابع لها جنوب طرابلس.

هذه المعلومات لا تثبت، في حد ذاتها، مسؤولية صدام حفتر عن هجمات المسيّرات، لكنها تضع أمام المحققين مساراً آخر يتعلق بشبكات التمويل والتحركات المسلحة التي ظهرت بالتزامن مع اتساع التحقيقات.

هل يدخل "الردع" على خط المواجهة؟

تقلل تقديرات عسكرية حصل عليها "عربي بوست" من قدرة هيثم التاجوري وأسامة طليش على خوض مواجهة واسعة بمفردهما.

ويقول مصدر عسكري مطلع على خريطة القوات في العاصمة إن عدد العناصر الموجودة مع التاجوري في عين زارة وقدراتها الحالية لا تجعل منها قوة قادرة منفردة على مواجهة تشكيلات رئيسية مرتبطة بوزارة الدفاع، مثل اللواء 111 مجحفل.

يرى المصدر أن ميزان القوة في أي مواجهة محدودة يميل لمصلحة اللواء 111. لكن أهمية هذه المجموعات، وفق المصدر، قد لا تكمن في قدرتها على الانتصار عسكرياً بقدر قدرتها على إشعال مواجهة تدفع قوى أكبر إلى التدخل.

في مقدمة هذه القوى جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، أحد أكبر التشكيلات المسلحة وأكثرها نفوذاً في طرابلس. وبحسب مصادر عسكرية، فإن دخول جهاز الردع في أي مواجهة مع القوات التابعة لوزارة الدفاع سيغير طبيعة الصراع بالكامل.

فبدلاً من مواجهة مجموعات محدودة، ستجد طرابلس نفسها أمام صدام بين مراكز قوة كبيرة تملك انتشاراً وتسليحاً ونفوذاً مستقلاً. لكن المعلومات التي حصل عليها "عربي بوست" تشير إلى أن قائد جهاز الردع عبد الرؤوف كارة لا يريد الانخراط في هذا السيناريو.

قال مصدر مطلع إن كارة اجتمع في 17 سبتمبر/ أيلول 2026 بوفد من وزارة الدفاع وعدد من القيادات العسكرية، وأبلغهم بأن جهاز الردع لن يقاتل إلى جانب هيثم التاجوري أو أسامة طليش.

أضاف أن كارة أكد أن الجهاز لن ينخرط في القتال مع أي طرف، وأن دوره سيقتصر على تأمين نطاق انتشاره. وبحسب المصدر، لن يمنع الردع كذلك قوات أخرى من التحرك ضد التاجوري أو طليش، ولم يصدر عن جهاز الردع بيان رسمي حتى الآن بشأن الاجتماع أو الموقف المنسوب إلى كارة.

إذا استمر هذا الموقف على الأرض، فإن المصادر العسكرية ترى أن قدرة التاجوري وطليش على تحويل تحركاتهما إلى مواجهة واسعة تصبح أكثر محدودية.

فالرهان على إشعال اشتباك صغير ثم جذب تشكيلات أكبر إليه يصبح أصعب إذا قررت إحدى أهم القوى المسلحة في طرابلس الوقوف خارج المواجهة. وهذا يفسر، بحسب المصادر، سبب أهمية موقف عبد الرؤوف كارة مقارنة بحجم العناصر التي يحاول التاجوري أو طليش تجميعها.

الملف يصل إلى المحكمة الجنائية

جاء تطور آخر ليضيف بُعداً دولياً إلى القضية. ففي 20 سبتمبر/ أيلول أعلن رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي أن الدولة الليبية تقدمت بطلب رسمي إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية للحصول على دعم فني وتقني وقانوني في التحقيقات المتعلقة بالخلية.

وقال المنفي إن الهجمات شملت خزانات للوقود ومحطات كهرباء ضمن خطة أوسع لاستهداف البنية التحتية المدنية، وإن الطلب يهدف إلى تعزيز التحقيقات وكشف ملابسات القضية وملاحقة المسؤولين عنها.

كما أشار بيان المجلس الرئاسي إلى وجود عناصر أجنبية وليبيين يحملون جنسيات دول أخرى في القضية.

ويعطي طلب المساعدة الدولية وزناً إضافياً للمسار المتعلق بالعناصر الأجنبية والشبكات العابرة للحدود التي تقول مصادر "عربي بوست" إن التحقيقات تركز عليها.

ولا تزال التحقيقات في بدايتها من الناحية القضائية، ولم تعلن وزارة الدفاع حتى الآن هوية جميع الجهات التي تقول إنها مرتبطة بالخلية. لكن الصورة التي ترسمها المعلومات المتاحة أصبحت أوسع بكثير من الإعلان الأول عن القبض على 5 أشخاص.

فمصادر "عربي بوست" تتحدث عن عسكريين من لواء تابع للقيادة العامة، وعناصر إسبانية، وشبهة ارتباط بشركة تعمل في تجنيد المرتزقة، ومجموعة من الأهداف الاقتصادية والحيوية، وخطط لاغتيال شخصيات سياسية وحكومية، قبل أن تقود التحقيقات إلى مداهمات وشبكات تمويل وتحركات مسلحة داخل العاصمة.

في المقابل، تؤكد وزارة الدفاع رسمياً أنها تبحث عن جميع "الجهات المرتبطة" بالقضية، فيما انتقل الملف إلى مستوى التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية.

بذلك لم تعد القضية مقتصرة على معرفة هوية من أطلق المسيّرات التي ضربت النفط والكهرباء، بل امتدت إلى تفكيك البنية التي يُشتبه في أنها وفرت العناصر والمعدات والتمويل والأهداف والدعم اللوجستي.

تحميل المزيد