انتقل اتفاق 4+4 في ليبيا من معركة التوقيع إلى معركة التنفيذ، بعدما أصبح مصيره مرتبطاً ليس فقط بمستوى التأييد الذي حصل عليه داخل المؤسسات الليبية، وإنما أيضاً بالغطاء السياسي والمؤسسي المطلوب لتحويله إلى خطوات عملية، وفق ما كشفته مصادر خاصة لـ"عربي بوست".
ففي الوقت الذي حصل فيه الاتفاق على تأييد واسع داخل مجلس النواب وترحيب من الأمم المتحدة ومجلس الأمن، يواجه المسار اعتراضاً من رئاسة المجلس الأعلى للدولة، فيما تبحث البعثة الأممية تشكيل لجنة حوار وطني تضم نحو 47 عضواً للتعامل مع ملف السلطة التنفيذية إذا تعذر استكمال المسار عبر المؤسسات القائمة.
في الخلفية، تتقاطع حسابات القوى الإقليمية والدولية حول شكل المرحلة المقبلة؛ إذ تتحرك مصر لضمان أن تراعي الترتيبات السياسية والاقتصادية الجديدة مصالحها الاستراتيجية، بينما تتحفظ روسيا على بعض جوانب الاتفاق والغطاء السياسي والمؤسسي اللازم لتنفيذه، كما وضعت مصر وتركيا ضمن حسابات البيئة الإقليمية المحيطة بالمسار الليبي.
هكذا لم تعد المعركة الأساسية تدور حول اتفاق "4+4" وحده، ولا حول التحركات المصرية بمعزل عن بقية الأطراف، وإنما حول السؤال الأوسع: من يملك القدرة على تشكيل مرحلة ما بعد الاتفاق، ومن يستطيع توفير القاعدة السياسية والمؤسسية التي تحول التفاهم الموقع إلى سلطة تنفيذية ومسار انتخابي قابلين للتنفيذ؟
من اتفاق انتخابي إلى معركة على الشرعية
قد لا يكون مصطلح "4+4" مألوفاً للقارئ العربي خارج ليبيا، لكنه أصبح خلال أسابيع قليلة أحد أكثر المسارات السياسية حساسية في طريق حل الأزمة الليبية المستمرة منذ سنوات.
يشير المصطلح إلى الاجتماع المصغر الذي رعته بعثة الأمم المتحدة بمشاركة للتوصل إلى تفاهمات بشأن أول عقدتين في خارطة الطريق الأممية: إعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا للانتخابات، ومعالجة الخلافات العالقة في الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات الرئاسية والتشريعية.
انتهت هذه المشاورات إلى اتفاق وُقّع في طرابلس في 30 أغسطس/ آب 2026، ويتضمن ترتيبات لإجراء الانتخابات تحت سلطة تنفيذية موحدة خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً. لكن أهمية "4+4" لا تكمن فقط في بنوده الانتخابية، بل في أنه أصبح اختباراً جديداً لمعضلة أقدم في ليبيا: من يملك شرعية تقرير قواعد المرحلة المقبلة؟
فقد رحبت الأمم المتحدة ومجلس الأمن بالاتفاق، ثم أعلن مجلس النواب تأييده له، مستنداً أيضاً إلى دعم 103 من أعضائه، بينما بقي موقف المجلس الأعلى للدولة موضع خلاف. هنا انتقل الاتفاق من كونه تفاهماً حول الانتخابات إلى ساحة جديدة للصراع على الشرعية والنفوذ وشكل السلطة التي ستقود ليبيا إلى المرحلة التالية.
مجلس الدولة.. العقدة أمام التنفيذ
جاء تأييد مجلس النواب للاتفاق في وقت لم يُحسم فيه موقف المجلس الأعلى للدولة، الذي أصبح موقفه أحد أهم العوامل التي تحدد ما إذا كان اتفاق "4+4" سينتقل إلى مرحلة التنفيذ أم سيواجه انسداداً جديداً.
فقد كانت البعثة قد أرسلت الاتفاق إلى مجلسي النواب والأعلى للدولة وأمهلتهما شهراً للموافقة عليه، فيما قالت تيتيه في تصريحات علنية إن البعثة لم تكن قد تلقت رداً من مجلس الدولة في ظل معارضة رئيسه محمد تكالة.
وأشارت تيتيه إلى الحاجة إلى البحث عن آليات بديلة إذا تعذر تنفيذ الاتفاق عبر المسار القائم، فيما ترى قيادة البعثة، بحسب مصادر الاجتماع، أن اعتماد مجلس النواب يمثل تقدماً مهماً، لكنه لا يحل وحده كل المعضلات المرتبطة بالتنفيذ.
وفي تطور يزيد من تعقيد المشهد، وجّه تكالة مراسلة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اعترض فيها على المسار الذي أفضى إلى اتفاق "4+4".
بحسب نص المراسلة الذي اطلع عليه معد التقرير، قال تكالة إن البعثة جمعت عدداً محدوداً من الأشخاص لا يملكون، بحسب موقفه، صفة تمثيلية تتيح لهم اتخاذ قرارات بشأن بنية العملية السياسية وإعادة تشكيل المؤسسات المرتبطة بالانتخابات.
اعتبر تكالة أن ما جرى يتجاوز الدور المنوط بالبعثة في التيسير والدعم، وتمسّك بأن الاختصاصات المتعلقة بهذه الملفات تعود إلى المؤسسات المنبثقة عن الاتفاق السياسي الليبي والمرجعيات الدستورية القائمة.
كما رفض مخرجات المسار، ورأى أن التوافقات المحدودة لا تفرض التزامات قانونية أو سياسية على المؤسسات التي لم تشارك فيها، داعياً إلى البناء على التوافقات السابقة للجنة "6+6".
طلب تكالة من غوتيريش ضمان التزام البعثة بنطاق ولايتها وعدم إضفاء شرعية على ما وصفه بمسارات محدودة التمثيل. وبذلك تحولت المسألة من مجرد تأخر مجلس الدولة في اعتماد الاتفاق إلى خلاف أعمق حول أصل المسار والجهة التي تملك صلاحية إنتاج قواعد المرحلة المقبلة.
"لجنة الـ47".. خيار أممي لتجاوز الانسداد
هنا تكتسب المعلومات الخاصة التي حصل عليها "عربي بوست" من داخل اجتماع عقدته تيتيه ونائبتها للشؤون السياسية ستيفاني خوري مع وفد من "تجمع الرؤية الوطنية" أهمية خاصة.
بحسب هذه المعلومات، تبحث البعثة حالياً تشكيل لجنة للحوار الوطني تضم في حدود 47 عضواً، يمكن أن تتولى معالجة ملف السلطة التنفيذية إذا تعذر استكمال المسار عبر المؤسسات القائمة.
لا تزال التفاصيل النهائية المتعلقة بتشكيلة اللجنة ومعايير اختيار أعضائها وصلاحياتها قيد البحث، إلا أن الحجم المقترح لها يشير إلى أن البعثة تفكر في جسم أوسع بكثير من لجنة "4+4".
من شأن هذا التصور أن يسمح بإدخال طيف أكبر من القوى السياسية والاجتماعية والفاعلين المرتبطين بالمسار السياسي، بدلاً من حصر النقاش في المؤسسات والأجسام التي تشارك في المسارات القائمة.
وإذا استقر التصور على هذا العدد، فإن السؤال لن يتعلق فقط بتشكيل حكومة جديدة، بل بمن سيختار أعضاء اللجنة نفسها، وكيف ستوزع مقاعدها بين المناطق والتيارات والقوى السياسية.
كما سيكون مطروحاً تحديد ما إذا كانت اللجنة ستملك صلاحية اختيار السلطة التنفيذية مباشرة، أم ستقتصر مهمتها على التفاوض حول صيغة تقدم لاحقاً إلى المؤسسات القائمة.
تكتسب هذه التفاصيل أهمية، لأن لجنة من نحو 47 عضواً تعيد إلى الأذهان نماذج الحوارات السياسية الموسعة التي استخدمتها الأمم المتحدة سابقاً في ليبيا لإنتاج ترتيبات تنفيذية عندما تعذر التوافق عبر المؤسسات الموجودة.
وتتفق هذه الخطوة مع ما تحدثت عنه تيتيه داخل الاجتماع بشأن الصعوبات التي تواجه الانتقال من التأييد السياسي للاتفاق إلى وضعه موضع التنفيذ.
بحسب المصادر، أبلغت تيتيه المشاركين بأن البعثة لا تزال تواجه تحديات كبيرة في آلية تنفيذ اتفاق "4+4″، وأن القضية لم تعد تتعلق فقط بتوقيع الاتفاق أو دعم جزء من المؤسسات له، وإنما بتوفير قاعدة سياسية ومؤسسية أوسع تسمح بتنفيذ مخرجاته.
يتفق ذلك مع ما أعلنته تيتيه علناً في وقت سابق، عندما أكدت أن مسؤولية المرحلة التالية تتمثل في تحويل الاتفاق إلى خطوات عملية من خلال "الاعتماد الوطني" والتنفيذ وتهيئة الظروف المؤسسية والسياسية اللازمة للانتخابات.
مصر وروسيا وتركيا.. حسابات تتجاوز الاتفاق
لا تجري معركة تنفيذ اتفاق "4+4" داخل المؤسسات الليبية فقط، إذ تتقاطع معها حسابات إقليمية ودولية حول شكل الترتيبات السياسية والاقتصادية المقبلة.
وبحسب مصادر متطابقة، تعمل القاهرة على ضمان أن تراعي هذه الترتيبات مصالحها الاستراتيجية، مستفيدة من علاقاتها الوثيقة بعدد من القوى والمؤسسات في شرق البلاد، وفي مقدمتها رئاسة مجلس النواب.
وقالت المصادر إن التحركات المصرية تتضمن اتصالات سياسية مرتبطة بمستقبل السلطة التنفيذية وترتيبات المرحلة المقبلة، بالتوازي مع اهتمام بملفات اقتصادية وسيادية، بينها قطاع النفط والموانئ وممرات التجارة والمشروعات الإقليمية المطروحة داخل ليبيا.
تشير المصادر إلى أن القاهرة تتابع بحساسية أي ترتيبات يمكن أن تغير موازين النفوذ الإقليمي في ليبيا، خصوصاً في ظل الحضور التركي السياسي والاقتصادي والأمني، إلى جانب تنامي الاهتمام الصيني والدولي بالبنية التحتية والطاقة والتجارة.
لا تنحصر الحسابات المصرية في هوية السلطة التنفيذية المقبلة، توضح المصادر، وإنما تمتد إلى طبيعة التحالفات الاقتصادية والسياسية التي قد تنتج عن أي تسوية جديدة وموقع ليبيا المستقبلي في شبكات التجارة والطاقة في شمال أفريقيا والبحر المتوسط.
ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من تفاصيل هذه الاتصالات أو مدى تأثيرها المباشر في مواقف الأطراف الليبية. وفي اجتماعها مع وفد "تجمع الرؤية الوطنية"، أشارت تيتيه كذلك إلى مصر وتركيا أثناء حديثها عن البيئة الإقليمية المحيطة بالمسار السياسي.
بحسب المصادر، لم تقدم مواقف القاهرة وأنقرة باعتبارها مماثلة للتحفظ الروسي، وإنما جاءت الإشارة إليهما ضمن الحديث عن الدول الأكثر تأثيراً في المشهد الليبي والحسابات الإقليمية التي تحيط بأي ترتيبات جديدة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية بالنظر إلى طبيعة نفوذ البلدين؛ إذ ترتبط مصر بعلاقات سياسية وأمنية وثيقة مع قوى ومؤسسات في شرق ليبيا، فيما تحتفظ تركيا بعلاقات وحضور واسع في غرب البلاد.
يتقاطع ذكر مصر في حديث تيتيه مع المعلومات التي كشفتها مصادر التقرير بشأن التحركات المصرية المتعلقة بترتيبات المرحلة المقبلة، لكن لا يوجد ما يكفي للقول إن القاهرة تتبنى الموقف الروسي نفسه من الاتفاق.
روسيا.. تحفظ على الغطاء المؤسسي
بحسب المصادر المطلعة على اجتماع تيتيه، أشارت الممثلة الخاصة كذلك إلى وجود تحفظ روسي يتعلق ببعض جوانب اتفاق "4+4" والغطاء السياسي والمؤسسي اللازم لتنفيذه.
وقالت المصادر إن جوهر الموقف الذي جرى الحديث عنه يتعلق بدور مجلسي النواب والأعلى للدولة والمرجعيات المنظمة للعملية السياسية الليبية. ولا ينبغي فهم ذلك باعتباره رفضاً روسياً معلناً للاتفاق من حيث المبدأ.
فمجلس الأمن، الذي تعد روسيا عضواً دائماً فيه، رحب بالإجماع في 8 سبتمبر/ أيلول بتوقيع اتفاق اللقاء المصغر، واعتبره خطوة مهمة نحو الانتخابات وتوحيد المؤسسات، لكنه شدد في الوقت نفسه على أهمية حصول الاتفاق على دعم الأطراف الليبية والعمل على تنفيذه.
وبالتالي، فإن التحفظ الروسي الذي تحدثت عنه المصادر يتعلق، وفق ما نُقل عن الاجتماع، بمرحلة الانتقال إلى التنفيذ وأساسه المؤسسي أكثر من كونه اعتراضاً معلناً على توقيع الاتفاق نفسه.
وقالت مصادر الاجتماع إن تيتيه تحدثت أيضاً عن صعوبة التعامل مع الاتفاق في مرحلته الحالية باعتباره إطاراً تنفيذياً مكتملاً قبل معالجة الخلافات السياسية والمؤسسية المحيطة به.
لا يعني ذلك أن الاتفاق لم يصل سياسياً إلى مجلس الأمن؛ فالمجلس سبق أن رحب به رسمياً في 8 سبتمبر/ أيلول ودعا الأطراف الليبية إلى دعمه والعمل من أجل تنفيذه.
والفارق هنا بين الترحيب السياسي الدولي باتفاق تم توقيعه وبين الانتقال لاحقاً إلى ترتيبات تنفيذية تحتاج إلى أن تدافع البعثة عن قدرتها على التطبيق وعن مستوى القبول الليبي الذي تستند إليه. وهذه النقطة باتت أكثر حساسية بعد تأييد مجلس النواب من جهة، واعتراض تكالة من جهة أخرى.
السلطة والمال.. معركة ما بعد الاتفاق
لم تقتصر النقاشات، بحسب المصادر، على المسار السياسي، إذ تحدثت تيتيه بقلق عن الوضع الاقتصادي. وأشارت المصادر إلى أن محاولات الوصول إلى إنفاق عام موحد لم تحقق النتائج المطلوبة حتى الآن، في ظل استمرار الانقسام المالي والمؤسسي.
كان مجلس الأمن قد دعا في بيانه الأخير بشأن ليبيا إلى خطوات إضافية لتعزيز تنفيذ إطار الإنفاق الموحد المعلن في أبريل/ نيسان 2026، بالتوازي مع المطالبة بتوحيد المؤسسات والسلطة التنفيذية.
يجعل الملف الاقتصادي مسألة السلطة التنفيذية أكثر حساسية، لأن الخلاف لا يتعلق بالإشراف على الانتخابات فقط، وإنما أيضاً بإدارة المال العام والإنفاق وعائدات النفط والمؤسسات السيادية.
بذلك تتسع معركة ما بعد اتفاق "4+4" من قواعد الانتخابات إلى السؤال المتعلق بمن يملك أدوات إدارة الدولة ومواردها، ومن يمتلك الغطاء السياسي والمؤسسي لتولي السلطة التنفيذية.
من يملك مفاتيح المرحلة المقبلة؟
تظهر الصورة الكاملة أن اتفاق "4+4" حقق تقدماً سياسياً ملموساً؛ فقد رحبت به الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وحصل على تأييد مجلس النواب، مستنداً أيضاً إلى بيان وقعه 103 نواب.
لكن هذا التقدم لم يحسم معركة التنفيذ، إذ يعترض رئيس المجلس الأعلى للدولة على المسار نفسه، بينما تشير المعلومات الحصرية من اجتماع تيتيه إلى استمرار البحث عن غطاء سياسي ومؤسسي أوسع، وإلى تحفظ روسي يتعلق ببعض تفاصيل الانتقال إلى التنفيذ.
في الوقت نفسه، تتحرك القاهرة، بحسب مصادر التقرير، لحماية مصالحها ونفوذها في الترتيبات السياسية والاقتصادية المقبلة، بينما تظهر تركيا وروسيا ضمن الحسابات الإقليمية والدولية المحيطة بالمسار.
أما البعثة الأممية، فتضع أمامها خياراً يتجاوز المؤسسات القائمة إذا استمر الانسداد، عبر لجنة حوار وطني قد تضم نحو 47 عضواً، بالتوازي مع استمرار العمل على تنفيذ اتفاق "4+4".
وهكذا لم تعد المعركة تدور فقط حول ما إذا كان الاتفاق يحظى بالدعم، وإنما حول الجهة التي تستطيع تحويله إلى واقع سياسي ومؤسسي.
فمجلس النواب يملك خطوة التأييد، ورئاسة مجلس الدولة تملك ورقة الاعتراض، والبعثة تملك خيار توسيع قاعدة الحوار، بينما تتحرك القوى الإقليمية والدولية لحماية مصالحها والتأثير في شكل الترتيبات المقبلة.
من هنا يصبح السؤال الأساسي في المرحلة التالية: من يملك القدرة على تشكيل السلطة التي ستنفذ اتفاق "4+4″، ومن يملك الشرعية لتحديد شكل ليبيا بعد الاتفاق؟