كشفت مصادر دبلوماسية غربية وعسكرية لبنانية لـ"عربي بوست" أن اجتماع باريس المقرر في 17 سبتمبر/ أيلول 2026 لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي سيجري في ظل نقاش يتجاوز احتياجات المؤسسة العسكرية التقليدية، ليرتبط بصورة متزايدة بملف سلاح حزب الله ومستقبل انتشاره شمال نهر الليطاني.
لن يكون الاجتماع مؤتمراً للمانحين بالمعنى التقليدي، ولن يشهد الإعلان مباشرة عن حزم مالية أو عسكرية جديدة، بل سيُستخدم لإعادة تقييم احتياجات الجيش اللبناني وتحديد طبيعة المهمات المنتظرة منه خلال المرحلة المقبلة، تمهيداً لمؤتمر سياسي أوسع لم يُحسم موعده بعد، وفق ما كشفته المصادر.
فقد تغيرت المقاربة الدولية لدعم الجيش اللبناني بوضوح خلال الأشهر الأخيرة، إذ لم تعد الأولوية مقتصرة على تعزيز قدراته وانتشاره في الجنوب، وإنما بات السؤال الأساسي يتعلق بقدرته على توسيع سلطة الدولة تدريجياً إلى مناطق لا تزال توجد فيها بنى عسكرية تابعة لحزب الله.
يأتي ذلك في وقت تتقاطع فيه 3 ملفات يصعب فصل أحدها عن الآخر: المساعدات الدولية للجيش، ومستقبل سلاح حزب الله شمال الليطاني، ومسار المفاوضات مع إسرائيل، الذي دخل مرحلة من الجمود بعد التطورات العسكرية الأخيرة في منطقة علي الطاهر والنبطية.
اجتماع لتحديد وظيفة الجيش اللبناني المقبلة
سيقدم الجانب اللبناني خلال اجتماع باريس عرضاً محدثاً لاحتياجات الجيش، يتناول الانتشار والعديد والتجهيز والنقل والمراقبة والقدرات اللوجستية، إضافة إلى الصعوبات التي تواجه المؤسسة العسكرية في تنفيذ المهمات المطلوبة منها في الجنوب ومناطق أخرى.
يأتي الاجتماع امتداداً للاجتماع التحضيري الذي عُقد في القاهرة في فبراير/ شباط 2026، بمشاركة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل وممثلين عن الدول المعنية بالملف اللبناني، بينها الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية وقطر ومصر، إلى جانب جهات عربية ودولية.
تشير مصادر دبلوماسية غربية إلى أن فرنسا تريد أن يشكل اجتماع باريس خطوة تمهيدية لإعادة إطلاق مؤتمر دولي واسع لدعم المؤسسة العسكرية، لكنها تواجه صعوبة في فصل الجانب المالي والعسكري عن النقاش السياسي المتعلق بحصرية السلاح بيد الدولة.
كانت باريس قد استضافت في أكتوبر/ تشرين الأول 2024 مؤتمراً لدعم لبنان، أُعلن خلاله جمع نحو 800 مليون دولار للمساعدات الإنسانية و200 مليون دولار لدعم الجيش اللبناني.
مصدر دبلوماسي عربي مطلع على الاتصالات المتعلقة بالمؤتمر قال لـ"عربي بوست" إن عدداً من الدول الداعمة يتعامل اليوم مع ملف الجيش وفق مقاربة مختلفة عن السنوات السابقة، تقوم على ربط أي برنامج دعم طويل الأمد بوجود خطة لبنانية واضحة لتعزيز احتكار الدولة للسلاح.
لا يعني ذلك وجود "شرط مكتوب" موحد تضعه جميع الدول أمام بيروت، يقول المصدر، إلا أن مستوى المساعدات ونوعيتها وسرعة توفيرها ستتأثر عملياً بالتقدم الذي يستطيع الجيش تحقيقه على الأرض.
تتركز الأسئلة الغربية بصورة خاصة حول الانتشار في الجنوب، وضبط الحدود، وقدرة الجيش على الدخول إلى المواقع العسكرية غير التابعة للدولة، إضافة إلى مستقبل البنية العسكرية لحزب الله شمال الليطاني، وهي ملفات تتقاطع مع نقاشات حول برنامج دعم أمريكي محتمل يمتد لعدة سنوات.
في المقابل، تقول مصادر لبنانية إن قيادة الجيش اللبناني تتحفظ على أي مقاربة يمكن أن تحول المؤسسة العسكرية إلى طرف في مواجهة داخلية مع حزب الله، وتعتبر أن توسيع سلطة الدولة يحتاج إلى قرار سياسي واضح وغطاء داخلي، وليس إلى تكليف الجيش وحده بمعالجة ملف بهذا الحجم.
تعثر روما يفتح سؤال شمال الليطاني
يتزامن اجتماع باريس مع تعثر الجولة 8 من المفاوضات التي كان يجري التحضير لعقدها في روما، في ظل تغير البيئة السياسية والميدانية التي كان يُفترض أن تستضيف هذه الجولة.
بحسب مصادر عسكرية لبنانية تحدثت إلى "عربي بوست"، فإن التطورات الأخيرة، ولا سيما السيطرة الإسرائيلية عملياتياً على مرتفعات علي الطاهر شمال الليطاني، غيّرت الظروف التي كان يُفترض أن تُعقد فيها الجولة.
تقول المصادر إن بيروت لا ترى جدوى من الدخول في جولة جديدة إذا لم تتضمن إمكانية تحقيق تقدم في ملف الانسحاب الإسرائيلي، بينما ترفض إسرائيل في المرحلة الحالية ربط أي انسحاب إضافي بتفاهمات لا تشمل خطوات لبنانية أكثر تقدماً في ملف سلاح حزب الله.
بذلك انتقل الخلاف من كيفية تطبيق الترتيبات جنوب الليطاني إلى سؤال أكثر حساسية: هل تمتد الإجراءات المتعلقة بالسلاح إلى شمال النهر؟
تشير المعطيات الواردة في الملف إلى أن هذا الموضوع مرشح ليصبح أحد العناوين الأساسية لأي مفاوضات لاحقة، في ظل مطالبة إسرائيل الجيش اللبناني بالدخول إلى مواقع تابعة للحزب وتفتيش منشآت وممتلكات، مقابل رفض حزب الله لذلك وتحفظ الجيش على خطوات قد تؤدي إلى احتكاك داخلي.
في هذا السياق، برزت النبطية خلال الأيام الماضية باعتبارها اختباراً لقدرة الدولة على منع انتقال سيناريو التصعيد من المناطق العسكرية المفتوحة إلى مركز سكاني وسياسي رئيسي في الجنوب.
تقول مصادر عسكرية لبنانية إن تعزيز انتشار الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية في النبطية ومحيطها جاء ضمن قرار رسمي هدفه تثبيت وجود الدولة ومنع استخدام المدينة في أي نشاط عسكري قد يوفر لإسرائيل ذريعة لتوسيع عملياتها.
وأكدت المصادر أن الانتشار لا يعني إطلاق عملية عسكرية لنزع السلاح داخل المدينة، بل إقامة حضور أمني وعسكري أكثر كثافة، وزيادة الدوريات والحواجز وضبط الحركة ما يخفض احتمالات التصعيد.
جاءت الخطوة وسط اتصالات سياسية ودبلوماسية مكثفة، بالتزامن مع زيارة الرئيس جوزيف عون للمنطقة، في رسالة تهدف إلى تأكيد مسؤولية الدولة عن أمن السكان وإظهار قدرة المؤسسات الرسمية على إدارة الوضع الميداني.
تشير المعلومات الواردة في الملف إلى أن الهدف الأساسي كان تجنيب النبطية انتقال العمليات إليها بعد ما جرى في علي الطاهر.
أين تتجه إسرائيل؟
لكن القلق داخل المؤسسة العسكرية لا يقتصر على النبطية، إذ قالت مصادر عسكرية لبنانية إن السؤال المطروح حالياً يتعلق ما إذا كانت إسرائيل ستعتبر عملية علي الطاهر نقطة نهاية مؤقتة، أم ستستخدم السيطرة على المرتفعات للانتقال إلى نطاق جغرافي أوسع باتجاه الريحان وإقليم التفاح ومناطق أخرى شمال الليطاني.
بحسب المعلومات لدى الجهات اللبنانية، فإن الاهتمام الإسرائيلي يتركز على شبكة من المنشآت والأنفاق ومحاور الحركة الممتدة بين يحمر وكفرتبنيت وأرنون وعلي الطاهر، إضافة إلى محاور ميفدون وشوكين والريحان.
وتورد المعطيات الواردة في الملف تقديرات بوجود أكثر من 15 نفقاً في نطاق يحمر–كفرتبنيت–أرنون–علي الطاهر، مع توجه إسرائيلي لتدمير هذه البنية.
وتتعامل مصادر عسكرية لبنانية بحذر مع المعلومات المتعلقة بخطط تقدم بري إسرائيلية جديدة، لكنها تؤكد أن المناطق الواقعة بين النبطية وإقليم التفاح والريحان أصبحت موضع متابعة ميدانية مكثفة.
كما تشير المصادر إلى أن الجيش اللبناني يعزز وجوده في بعض النقاط بهدف منع تشكل فراغ أمني يمكن أن تستفيد منه إسرائيل لتوسيع عملياتها.
إعادة انتشار حزب الله ومخاوف التصعيد
في المقابل، تتابع الأجهزة اللبنانية مؤشرات ميدانية مرتبطة بإعادة انتشار حزب الله بعد خسارة مواقع في المرتفعات.
إذ نقل الحزب عناصر إلى محور ميفدون–شوكين بعد التطورات في علي الطاهر، في محاولة لتعزيز خطوطه في المنطقة، كما تتحدث عن استعدادات مرتبطة باحتمال اتساع المواجهة باتجاه النبطية ومحيطها.
لكن مصادر عسكرية لبنانية شددت على أن بعض المعلومات المتداولة بشأن حجم التعزيزات أو طبيعة العناصر الموجودة لا تزال بحاجة إلى تحقق. وأكدت أن المؤسسة العسكرية تتعامل مع الوقائع الميدانية لا مع الروايات السياسية المتداولة حولها، في ظل حساسية المرحلة وخطورة أي تقديرات غير دقيقة على مسار التصعيد.
في المحصلة، تكشف التطورات المتزامنة أن مركز الثقل في الملف اللبناني يتحرك تدريجياً من جنوب الليطاني إلى شماله. فالمعادلة التي حكمت المرحلة السابقة كانت تركز على انتشار الجيش جنوب النهر، وإبعاد السلاح غير الشرعي عن المنطقة الحدودية، وربط ذلك بانسحاب إسرائيلي تدريجي.
أما النقاش الحالي، وفق مصادر دبلوماسية غربية، فأصبح يتناول بصورة متزايدة مستقبل المنشآت العسكرية للحزب شمال الليطاني، ودور الجيش اللبناني في التعامل معها.
وهنا تحديداً تكمن العقدة اللبنانية؛ فحزب الله يرفض توسيع عملية نزع السلاح إلى شمال الليطاني، بينما لا تريد قيادة الجيش اللبناني تنفيذ مهمة قد تضعها في مواجهة مباشرة معه.
في المقابل، تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه توسيع نطاق الإجراءات التي تنفذها الدولة، فيما تحاول الرئاسة اللبنانية زيادة انتشار الجيش وفرض حضور المؤسسات الرسمية من دون دفع البلاد إلى صدام داخلي.
لهذا سيكون اجتماع باريس أكثر من مجرد اجتماع تقني لتحديد احتياجات الجيش، إذ ستبقى المسألة الأساسية خلف النقاشات هي تحديد الوظيفة التي يريد المجتمع الدولي دعم الجيش من أجلها، وحدود ما تستطيع المؤسسة العسكرية تنفيذه من دون تعريض استقرارها الداخلي للخطر.
لذلك، فإن الأسابيع المقبلة ستكشف ما إذا كان يمكن التوصل إلى صيغة تقوم على تعزيز تدريجي لسلطة الدولة مقابل مساعدات وضمانات وانسحابات إسرائيلية، أم أن الربط المتزايد بين الدعم العسكري ونزع السلاح سيضع الجيش أمام مهمة سياسية وأمنية تتجاوز قدرته على تنفيذها منفرداً.