أثار الاحتفاء المصري الواسع بالرئيس الصيني شي جينبينغ، خلال زيارته إلى القاهرة لأول مرة منذ 10 سنوات، تساؤلات حول مسار السياسة الخارجية المصرية وقدرتها على موازنة علاقاتها مع القوى الكبرى، خصوصاً الولايات المتحدة والصين، في ظل تزايد التنافس بينهما وتباين مواقف القاهرة وواشنطن في عدد من الملفات الإقليمية.
رغم أن العلاقات المصرية–الأميركية تبدو، على المستوى الرسمي، مستقرة ومتوافقة في العديد من القضايا، فإن تفاصيل المشهد تكشف عن تباينات مكتومة، برزت في الموقف المصري المعلن خلال زيارة شي، والذي أكد أن "تايوان جزء لا يتجزأ من أراضي الصين"، وذلك بالتزامن مع إعلان واشنطن وأديس أبابا الارتقاء بعلاقاتهما الدفاعية والأمنية إلى مستوى جديد.
وقال مصدر مصري مطلع إن البيان المشترك الصادر عن مصر والصين عقب استقبال الرئيس المصري لنظيره الصيني في قصر الاتحادية الرئاسي بالقاهرة، الأربعاء 2 سبتمبر/ أيلول 2026، يعكس تقارباً أوسع بين القاهرة وبكين، يمكن أن يتماس مع طبيعة العلاقات المصرية–الأميركية، رغم استمرار تأكيد مصر على سياسة الحفاظ على توازن استراتيجي في علاقاتها الدولية.
هذا التطور، يضيف المصدر، يأتي في ظل توترات مكتومة بين القاهرة وواشنطن، بسبب تباينات في ملفات عدة، أبرزها قضية سد النهضة، مع الأحاديث الأميركية المتكررة عن تدخلات تهدف إلى دفع أديس أبابا للتوقيع على اتفاق قانوني ملزم بشأن بناء وتشغيل السد، من دون أن تترجم تلك المواقف إلى خطوات عملية على أرض الواقع.
تضاف إلى ذلك، وفق المصدر، قضية الدعم الأميركي المستمر لإسرائيل، وعدم ممارسة ضغوط واضحة عليها بشأن النوايا التي تعلنها بصورة متكررة حول تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، وهو ملف تعتبره القاهرة مرتبطاً بصورة مباشرة بأمنها القومي.
تايوان مقابل الأمن المائي
يرى مصدر "عربي بوست" أن اتخاذ القاهرة موقفاً مباشراً مؤيداً لوحدة الأراضي الصينية والتأكيد على أن تايوان جزء من الصين يمثل تطوراً قد تكون له انعكاسات مستقبلية على العلاقات المصرية–الأميركية.
لكنه شدد على أن القاهرة لا تريد الاختيار بين واشنطن وبكين، وإنما تسعى إلى الاحتفاظ بعلاقات استراتيجية مع الطرفين، مع منح الصين مساحة أكبر كلما توسعت المصالح المصرية معها.
بحسب المصدر، فإن إدخال قضية تايوان في البيان المشترك يجعلها جزءاً من مشهد أوسع لإعادة تموضع السياسة الخارجية المصرية، إذ تؤكد القاهرة للصين دعمها في قضية تعتبرها بكين جوهرية، في مقابل الحصول على دعم صيني واضح في ملف الأمن المائي.
نص البيان المشترك بالفعل على أن "الجانب الصيني يدعم مصر لحماية الأمن المائي والغذائي والمصالح التنموية"، في إشارة إلى حساسية قضية نهر النيل بالنسبة للقاهرة.
ويشير المصدر إلى أن دلالات الموقف المصري في هذا التوقيت تحمل أبعاداً متعددة، خصوصاً أن القاهرة أكدت موقفاً يحظى بأهمية قصوى بالنسبة إلى بكين التي تنظر إلى تايوان باعتبارها قضية جوهرية لأمنها القومي، وترتبط بمفهومي السيادة ووحدة الأراضي في مواجهة الدعم الأميركي المستمر لتايوان.
لذلك، أرادت القاهرة، بحسب المصدر، التأكيد على مبدأ مهم خلال زيارة الرئيس الصيني، عبر إعلان "رفضها التدخل في الشؤون الداخلية للصين ومواصلة الالتزام الثابت بمبدأ الصين الواحدة".
مبدأ السيادة في تايوان والنيل
يرى مصدر "عربي بوست" أن التأكيد المصري على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للصين يتماشى مع مبدأ عام في السياسة الخارجية المصرية، يقوم على أن الدول صاحبة السيادة هي التي تحدد مصالحها وأمنها القومي، ولا ينبغي للقوى الخارجية أن تفرض عليها ترتيبات سياسية أو أمنية.
ويقول إن هذا المبدأ يتطابق بصورة واضحة مع قضايا مصرية أخرى، من بينها الأمن المائي، والسودان، وليبيا، وغزة، والبحر الأحمر.
في المقابل، أكدت الصين تفهمها لأهمية النيل بالنسبة إلى مصر وحقها في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية، كما دعت دول حوض النيل إلى احترام القانون الدولي وتجنب إلحاق الضرر.
يشي ذلك بوجود نوع من التبادل السياسي في المواقف؛ فمصر تحترم وحدة الأراضي الصينية ومصالحها الأساسية، بينما تؤكد الصين احترام المصالح الحيوية المصرية، وعلى رأسها الأمن المائي.
الصين لم تعد شريكاً اقتصادياً فقط
لكن المصدر يؤكد في الوقت ذاته أن الاستقبال الواسع للرئيس الصيني ينسجم مع سياسة تنويع الشركاء التي تعتمدها القاهرة منذ سنوات. فمصر تمتلك شراكات استراتيجية مع الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا ودول الخليج وغيرها، ولا يعني توسيع العلاقات مع طرف منها التخلي عن الأطراف الأخرى.
غير أن التطور الجديد، بحسب المصدر، يتمثل في أن الصين لم تعد بالنسبة إلى القاهرة مجرد شريك اقتصادي، بعدما امتد التعاون إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات وأشباه الموصلات وسلاسل الإمداد، إضافة إلى التعاون العسكري والتدريبات المشتركة.
في بيان مشترك صادر عن الرئاسة المصرية والصينية، أكد الجانبان مجدداً "تبادل الدعم الثابت في القضايا المتعلقة بالمصالح الجوهرية والشواغل الرئيسية للجانب الآخر".
وأكد الجانب الصيني، بحسب البيان الذي نشرته الرئاسة المصرية، إدراكه للأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة إلى مصر بوصفه شريان الحياة الرئيسي، وحقها المشروع في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية.
في المقابل، أكد الجانب المصري رفضه التدخل في الشؤون الداخلية للصين ومواصلة الالتزام الثابت بمبدأ الصين الواحدة، وأن تايوان جزء لا يتجزأ من أراضي جمهورية الصين الشعبية، مع دعم موقف بكين بشأن القضايا المتعلقة بسيادة الصين ووحدة أراضيها، ودعم تحقيق إعادة توحيد الصين.
تمويل وسياحة وتعاون اقتصادي
تضمن البيان المشترك أيضاً جوانب اقتصادية ومالية متعددة، إذ أعرب الرئيسان عن تقديرهما للتعاون المالي القائم بين البلدين، ما في ذلك إصدار سندات "الباندا" الصينية، وتوسيع ترتيبات تبادل العملات المحلية.
كما اتفق الجانبان على تشجيع المؤسسات المالية في البلدين على دعم الاستثمارات الصناعية والتنموية ومشروعات البنية التحتية والتحول الأخضر والرقمي، ورحبا في هذا السياق بتجديد اتفاقية تبادل العملات بين البلدين وزيادة قيمتها.
واتفق الجانبان كذلك على توسيع وتعزيز التعاون في مجال السياحة، ما في ذلك ترحيب الجانب الصيني بزيادة أعداد السائحين الصينيين إلى مصر، ودعم التعاون في إنشاء الفنادق وإدارة المنتجعات السياحية.
كما ثمن الرئيسان تنفيذ البرنامج التنفيذي للشراكة الاستراتيجية الشاملة للأعوام 2024–2028، واتفقا على تعزيز استخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار، وتشجيع المزيد من تسوية المعاملات التجارية والاستثمارية بالعملات المحلية.
شي: شعوب الشرق الأوسط صاحبة القرار
في البعد السياسي، أبلغ الرئيس الصيني شي جينبينغ نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، الأربعاء، ضرورة رفض "التدخل الخارجي" في الشرق الأوسط، عقب محادثات أجرياها في القاهرة.
وقال شي، وفق ما نقلته وكالة أنباء الصين الجديدة "شينخوا": "علينا التمسك بمبدأ أن شعوب الشرق الأوسط هي صاحبة القرار في شؤونها، ورفض التدخل الخارجي، ودعم دول المنطقة في تعزيز الحوار حول السلام والأمن".
وتتقاطع هذه الرسالة مع الخطاب المصري الذي يركز على احترام سيادة الدول ورفض فرض ترتيبات خارجية عليها، كما تتقاطع مع ملفات ترى القاهرة أنها تمس أمنها ومصالحها بصورة مباشرة.
وفي المقابل، أكد سفير مصري سابق لدى الصين أن التحرك المصري تجاه بكين يأتي في إطار سياسة "الاتزان الاستراتيجي"، وأن تطور العلاقات المصرية–الصينية لا يعني تحولاً في الموقف المصري من الولايات المتحدة أو تراجعاً في الشراكة القائمة بين البلدين.
وأوضح أن القاهرة تنظر إلى بكين باعتبارها شريكاً متنامي الأهمية في عدد من المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والتنموية، وأن التعاون دخل مجالات أكثر تقدماً تشمل توطين الصناعات، ما فيها الصناعات العسكرية المشتركة، فضلاً عن تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وتعزيز قدرات مصر الإنتاجية والتصديرية.
القاهرة لا تريد الاختيار بين واشنطن وبكين
شدد السفير المصري السابق على أن القاهرة تدرك طبيعة التنافس المتزايد بين الولايات المتحدة والصين وما يفرضه من ضغوط على الدول المتوسطة.
لذلك، تحاول مصر الحفاظ على مساحة مستقلة للحركة من خلال تطوير علاقاتها مع مختلف مراكز القوة الدولية، وإدارة علاقاتها الخارجية وفقاً لمصالحها الوطنية، وليس وفقاً لمنطق الاستقطاب أو الاختيار بين المعسكرات.
كما أشار إلى أن احتفاظ مصر بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، بالتوازي مع توسيع شراكاتها مع الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي وغيرها، يمنحها هامشاً أكبر للمناورة في بيئة دولية شديدة التنافس.
واستبعد أن يؤدي تعميق العلاقات المصرية–الصينية إلى تأثير مباشر في مستوى الدعم أو التعاون الأميركي مع القاهرة، نظراً إلى الطبيعة الاستراتيجية الممتدة للعلاقات بين البلدين، وإلى الأهمية التي تحظى بها مصر في الحسابات الأميركية المتعلقة بأمن الشرق الأوسط والبحر الأحمر واستقرار المنطقة.
لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن القاهرة ترى تقارباً أميركياً مقابلاً تجاه إثيوبيا، وهو أمر لا يقلقها بحد ذاته، لكنه يجعلها تراقب ما ستسفر عنه هذه التطورات، وبناء عليه قد تحدد بصورة أكبر شكل علاقاتها الخارجية.
يضيف أن هناك تشابكاً بين الملفات الأمنية في القرن الأفريقي وحوض النيل والبحر الأحمر، وهو ما يجعل أي تطور في العلاقات الأميركية–الإثيوبية موضع متابعة مصرية دقيقة.
واشنطن وأديس أبابا.. شراكة دفاعية جديدة
في هذا السياق، زار وفد إثيوبي رفيع المستوى العاصمة الأميركية في 19 و20 أغسطس/ آب الماضي، ليُعلن في مقر وزارة الحرب الأميركية عن اتفاق واشنطن وأديس أبابا على الارتقاء بالعلاقات في مجالي الدفاع والأمن إلى مستوى جديد.
بموجب الاتفاق، تعمل الولايات المتحدة وإثيوبيا على تطوير العلاقات الدفاعية لتصبح شراكة استراتيجية أكثر تقدماً ومواكبة للمستقبل.
وتقوم الاتفاقية على توسيع التعاون بين مؤسسات الدفاع في البلدين، وتعزيز التنسيق الاستراتيجي، وحماية المصالح الوطنية وتحقيق المنافع المتبادلة، وترسيخ تعاون طويل الأمد من خلال تعزيز الثقة المتبادلة.
كما تستهدف تكثيف جهود دعم السلام والأمن والاستقرار المستدام في منطقة القرن الأفريقي.
ويرى المصدر المصري أن ما يهم القاهرة في علاقتها بواشنطن ليس منع الولايات المتحدة من إقامة علاقات مع إثيوبيا أو غيرها، وإنما انتظار ما هو أبعد من ذلك، وتحديداً دعم مصر في تحركاتها للحفاظ على مصالحها القومية.
ويأتي الأمن المائي في مقدمة هذه المصالح، إلى جانب منع تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة والتوصل إلى حلول بشأن القضية الفلسطينية.
لكن المصدر يرى أن استمرار الولايات المتحدة في تقديم الدعم لإسرائيل، من دون ممارسة ضغوط واضحة عليها، يتعارض مع محددات الأمن القومي المصري، خصوصاً في ما يتعلق برفض القاهرة لأي مخطط لتهجير الفلسطينيين من القطاع.
ماذا تنتظر القاهرة من واشنطن؟
أكد المصدر أن القاهرة ستنظر بإيجابية إلى أي دور أميركي يدفع باتجاه التسوية والحوار واحترام قواعد القانون الدولي، سواء تعلق الأمر بأزمة سد النهضة أو بالقضية الفلسطينية ومنع التهجير.
لكنها، في المقابل، ستتعامل بحذر مع أي محاولة لتوظيف التعاون الأمني الأميركي–الإثيوبي في دعم ترتيبات أحادية الجانب يمكن أن تؤثر في أمن مصر أو مصالحها الحيوية.
يشمل ذلك، بحسب المصدر، أي مسار يمكن أن يتقاطع مع المساعي الإسرائيلية لتنفيذ مخطط تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، في حال لم تتحرك واشنطن لوقف هذه المساعي.
بذلك، لا تبدو زيارة شي إلى القاهرة مجرد محطة في مسار العلاقات الاقتصادية بين مصر والصين، بل تأتي في لحظة تتقاطع فيها ملفات تايوان والنيل وغزة والبحر الأحمر والقرن الأفريقي مع التنافس الأميركي–الصيني.
في المحصلة، تبدو القاهرة حريصة على إبقاء العلاقة مع واشنطن ضمن إطارها الاستراتيجي، بالتوازي مع توسيع مساحة الشراكة مع بكين، من دون الانضمام إلى أي منطق استقطابي بين القوتين.
لكن إدخال ملفات مثل تايوان والأمن المائي في البيان المشترك، بالتزامن مع تعميق التعاون الأميركي–الإثيوبي واستمرار الخلافات حول غزة وسد النهضة، يشير إلى أن سياسة "الاتزان الاستراتيجي" المصرية تدخل مرحلة أكثر تعقيداً.
فالقاهرة لا تريد استبدال واشنطن ببكين، بقدر ما تريد استخدام تعدد الشراكات لتوسيع هامش حركتها وحماية مصالحها في بيئة دولية تتداخل فيها المنافسة بين القوى الكبرى مع ملفات الأمن القومي المصري.