مصادر تكشف تفاصيل اجتماعات في القاهرة حول الانتخابات التشريعية الفلسطينية وإدارة غزة

عربي بوست
تم النشر: 2026/08/25 الساعة 15:34 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/08/25 الساعة 15:34 بتوقيت غرينتش
تتحرك مصر للبحث عن صيغة توازن بين الضغوط الدولية والإسرائيلية ومطالب حماس والفصائل/ عربي بوست

تسابق القاهرة الزمن لترتيب تفاهمات فلسطينية تفتح الطريق أمام إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها المقرر خلال نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، وسط خلافات لم تُحسم بعد بين الفصائل الفلسطينية، وعراقيل مرتبطة بالقدس وغزة وشروط المشاركة السياسية.

وكشف مصدر مصري مطلع على تفاصيل اجتماعات القاهرة لـ"عربي بوست" أن الاتصالات الأخيرة تركز على سد الفجوات بين الفصائل، وفي مقدمتها الخلافات المستمرة بين "فتح" و"حماس"، بالتوازي مع بحث شروط مشاركة الحركة وآليات التعامل مع الانتخابات في القدس.

تأتي التحركات المصرية في وقت ترى فيه القاهرة أن الانتخابات يمكن أن تتحول إلى ورقة سياسية في مواجهة التشدد الإسرائيلي، خصوصاً مع استمرار رفض إقامة الدولة الفلسطينية، وتوسع الاستيطان في الضفة الغربية، وتعقيدات الوضع الإنساني والسياسي في قطاع غزة.

بحسب المصدر، فإن الهدف المصري لا يقتصر على إنجاز الاستحقاق الانتخابي، وإنما ترتيب مرحلة سياسية جديدة تمنع تكرار الانقسام الذي أعقب انتخابات عام 2006، وتوفر موقفاً فلسطينياً موحداً في مواجهة الحرب والتهجير ومحاولات تصفية القضية.

الانتخابات وجبهة فلسطينية موحدة

قال المصدر المصري الذي تحدث لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن القاهرة ترى أن بقاء الوضع الفلسطيني على حاله يشكل خطراً متزايداً، وتسعى إلى تحريك ملف الانتخابات باعتباره ورقة يمكن استخدامها للضغط السياسي على إسرائيل.

يرتبط ذلك، وفق المصدر، باستمرار عدم السماح بدخول المساعدات الكافية إلى قطاع غزة، والقتل اليومي وانتشار المجاعة، في ظل عدم حصول المواطن الغزاوي على ثلث احتياجاته اليومية من السعرات الحرارية، ما يهدد أدوات الصمود على الأرض خلال الأشهر المقبلة.

كما أن الضفة الغربية، يضيف مصدر "عربي بوست"، تواجه بدورها تحديات متزايدة بسبب سياسات الاستيطان التي تقوض فعلياً فرص إقامة دولة فلسطينية، فيما تظهر إسرائيل، في الخطاب والممارسة على الأرض، موقفاً أكثر تشدداً تجاه هذا الخيار.

وترى القاهرة، بحسب المصدر، أن مواجهة ذلك تتطلب موقفاً فلسطينياً جامعاً حول دولة فلسطينية متفق عليها من الجميع، وبرنامجاً موحداً باسم الشعب الفلسطيني، يحظى بدعم عربي ودولي من الدول المؤيدة للسلام.

وتريد مصر البناء أيضاً على المواقف الدولية الرافضة للتوسع الاستيطاني داخل الضفة الغربية، وتحويل التوافق الفلسطيني إلى عنصر ضغط سياسي في مواجهة الموقف الإسرائيلي.

في هذا السياق، شهدت الأيام الماضية اجتماعات في القاهرة بين عدد من الفصائل، أبرزها حركة "حماس" و"تيار الإصلاح" داخل حركة "فتح"، في محاولة لتشكيل جبهة فلسطينية أوسع تضم فصائل أخرى وتخوض انتخابات المجلس التشريعي بقائمة موحدة.

"حماس" وشروط المشاركة

تدرك القاهرة، وفق المصدر، أن دمج "حماس" في العملية السياسية يمثل إحدى أكثر القضايا تعقيداً، لذلك تميل إلى أن تقتصر مشاركة الحركة على الانتخابات التشريعية دون الرئاسية، في ظل صعوبة التعامل معها دولياً.

وتستهدف الاتصالات المصرية أيضاً سد الفجوات بين "فتح" و"حماس" لمنع تكرار الأزمة التي أعقبت انتخابات 2006، والتي أسهمت في تكريس الانقسام بين قطاع غزة والضفة الغربية.

ويواجه المسار الانتخابي، بحسب المصدر، أكثر من أزمة، في مقدمتها كيفية دمج "حماس" في عملية سياسية تحظى بتوافق داخلي وخارجي، وربما يكون ذلك عبر تحالف أوسع يضم عدداً من الفصائل.

أما العقدة الثانية فتتعلق بقرار الرئيس محمود عباس اشتراط أن تكون مشاركة أي فصيل في الانتخابات تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية ومبادئها، ما في ذلك الاعتراف بإسرائيل.

يعني ذلك، وفق المصدر، أن "حماس" ستكون أمام ضرورة تغيير موقف سياسي لم يكن من السهل التخلي عنه، خصوصاً في وقت قدمت فيه الحركة تنازلات أخرى تتعلق بتسليم السلاح.

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أجرى تعديلات على قانون الانتخابات، خصوصاً فيما يتعلق بالتزام القوائم المترشحة ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية، بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

يتضمن برنامج المنظمة الاعتراف بقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ومنها الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف وغيرها من الالتزامات التي كانت ترفضها "حماس" وفصائل فلسطينية أخرى سابقاً.

و"حماس" ليست عضواً في منظمة التحرير الفلسطينية ولا تلتزم بالتزاماتها السياسية، ولا سيما المتعلقة باتفاق أوسلو مع إسرائيل، لكنها أعلنت بصورة مفاجئة قرار المشاركة في الانتخابات ودعت الفلسطينيين إلى التسجيل، في مؤشر على توجهها للمشاركة الفاعلة فيها.

عرقلة الانتخابات في القدس وغزة

تتمثل الأزمة الثالثة، بحسب المصدر المصري، في الخط الأحمر الذي وضعه الرئيس الفلسطيني سابقاً بشأن إجراء الانتخابات في القدس، وهو الموقف الذي أدى إلى إرجاء انتخابات عام 2021.

كان عباس قد أصدر في 30 أبريل/ نيسان 2021 مرسوماً يقضي بإرجاء الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في 22 مايو/ أيار من العام نفسه، مبرراً القرار بعدم ضمان مشاركة الفلسطينيين في القدس الشرقية.

ولا تزال إسرائيل ترفض إجراء الانتخابات في القدس الشرقية، ولا تتوقع القاهرة أن تكون موافقتها متاحة هذه المرة، فيما قد تواجه الانتخابات عراقيل إضافية في الضفة الغربية وقطاع غزة بسبب موجات التشدد الإسرائيلي الحالية.

لهذا، تسعى القاهرة إلى تفويت الفرصة على أي محاولة جديدة لعرقلة الانتخابات، عبر التوصل مسبقاً إلى آليات متفق عليها للتعامل مع ملف القدس وبقية المناطق الفلسطينية.

وقال مصدر فلسطيني إن إجراء الانتخابات يواجه بالفعل مجموعة من التحديات والخلافات التي لا تزال بحاجة إلى معالجة، وفي مقدمتها مسألة القدس، إلى جانب الوضع القائم في قطاع غزة.

وأوضح أن التحدي في غزة لا يتعلق فقط بقبول العملية الانتخابية، وإنما أيضاً بتوفير التسهيلات اللازمة لإتمامها في ظل الوضع الذي خلفته الحرب.

تبرز هنا مسألة الجهة التي ستتولى إدارة قطاع غزة خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً أن لجنة إدارة القطاع لم تدخل غزة حتى الآن، رغم أن طرحاً سابقاً كان يقضي بتوليها هذه المهمة.

كما أن الموقف الإسرائيلي زاد التعقيد، إذ كانت هناك موافقة سابقة على دخول اللجنة إلى القطاع قبل أن تتراجع إسرائيل عن موقفها وترفض ذلك.

اجتماعات القاهرة وتوحيد الموقف الفلسطيني

التقى رئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، الأحد 23 أغسطس/ آب 2026، وفد السلطة الفلسطينية برئاسة نائب رئيس دولة فلسطين حسين الشيخ، وبمشاركة رئيس المجلس الوطني الفلسطيني ورئيس المخابرات الفلسطينية.

وقالت الهيئة العامة للاستعلامات في مصر إن اللقاء جاء في إطار الجهود المصرية لجمع الشمل الفلسطيني، وإنه تناول تطورات الأوضاع في الضفة الغربية والاستحقاقات الانتخابية الفلسطينية المقبلة.

بحسب الهيئة، جرى التوافق خلال اللقاء على توحيد الجهود الوطنية لمواجهة التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية خلال المرحلة الراهنة. وجاء اللقاء بعد اتصال هاتفي أجراه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع حسين الشيخ، أكد خلاله وحدة الأراضي الفلسطينية في غزة والضفة الغربية.

شدد عبد العاطي على الرفض القاطع لمشروع الاستيطان في منطقة "A1″، وما يمثله من تهديد بتقسيم الضفة الغربية وتطويق القدس الشرقية وعزلها، وتقويض فرص إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط 4 يونيو/ حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

"فتح" تتحرك لتوحيد صفوفها

بالتوازي مع التحرك المصري، توجه وفد قيادي من حركة "فتح"، السبت 22 أغسطس/ آب 2026، إلى القاهرة للقاء مسؤولين مصريين وممثلين عن الفصائل الفلسطينية، وبحث ملف الانتخابات التشريعية.

ضم الوفد حسين الشيخ، نائب رئيس حركة "فتح" ونائب الرئيس الفلسطيني، إلى جانب عضو اللجنة المركزية ماجد فرج، ورئيس المجلس الوطني روحي فتوح.

وقال الشيخ للصحافيين الفلسطينيين في رام الله قبل مغادرته إلى القاهرة إن اتصالات تجري مع عدة فصائل وجهات، ومنها "تيار دحلان"، بهدف إعادته إلى الحركة، مؤكداً أن "فتح" ستخوض الانتخابات بقائمة واحدة تحمل اسمها.

في المقابل، قال الشيخ إنه لا يحق لـ"حماس" المشاركة في الانتخابات باسمها الحالي أو من خلال شخصياتها القيادية المعروفة، مشيراً إلى أن هذا ما أكدته الحركة للمسؤولين الأميركيين و"مجلس السلام" خلال التفاهمات الأخيرة في القاهرة.

كان قائد تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة "فتح"، محمد دحلان، قد التقى "حماس" في القاهرة يوم 17 أغسطس/ آب 2026، حيث بحث معها موضوع الانتخابات إلى جانب قضايا أخرى.

تكشف هذه الاتصالات أن ترتيب البيت الداخلي لا يجري فقط بين "فتح" و"حماس"، بل يشمل أيضاً محاولة إعادة تنظيم مكونات حركة "فتح" نفسها قبل الاستحقاق الانتخابي.

الانتخابات والوضع في قطاع غزة

يطرح الوضع في غزة سؤالاً إضافياً أمام المسار الانتخابي، يتعلق بالجهة التي ستتولى إدارة القطاع خلال المرحلة المقبلة، وما إذا كانت الترتيبات الحالية تسمح بإجراء انتخابات في بيئة سياسية وإدارية مستقرة.

وقال المصدر الفلسطيني إن هذه المسألة لا تزال عالقة، خصوصاً مع عدم دخول لجنة إدارة القطاع إلى غزة، رغم طرحها سابقاً لتولي المهمة، إلى جانب التراجع الإسرائيلي عن الموافقة التي كانت قائمة بشأن دخولها.

كما تطرح مقترحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب والترتيبات المرتبطة بغزة تساؤلات حول مستقبل الفصائل الفلسطينية، وطبيعة مشاركتها في العملية السياسية، وإمكانية إدماجها تدريجياً في المسار المتعلق بالسلاح.

ويشمل ذلك أيضاً مسألة مشاركتها في الانتخابات، في ظل تحفظات دولية سابقة على التعامل مع حكومة تكون "حماس" ممثلة فيها.

وقال المصدر إن إسرائيل تستخدم أحياناً هذه المسألة ذريعة لعدم تسهيل إجراء الانتخابات الفلسطينية، ما يجعل التوافق على شكل المشاركة السياسية للفصائل واحداً من الملفات الرئيسية التي تحتاج إلى معالجة.

خلاف فلسطيني حول مستقبل الفصائل

داخل السلطة الفلسطينية، توجد أصوات ترى أن دور الفصائل، وفي مقدمتها "حماس"، قد انتهى، وأن عليها الانسحاب من المشهد وترك إدارة المرحلة للسلطة، انطلاقاً من اعتبار أن هذه الفصائل فشلت في إدارة المرحلة السابقة.

لكن هذا الطرح لا يحظى بإجماع فلسطيني، ولا يمكن أن يكون بديلاً عن التوافق الوطني، بحسب المصدر الفلسطيني.

ويرى المصدر أن التوافق الفلسطيني يظل العامل الأساسي في أي مسار سياسي مقبل، سواء جرت الانتخابات أم تعثرت، لأن المرحلة الحالية تتطلب موقفاً موحداً في مواجهة مخاطر الحرب والتهجير وتصفية القضية الفلسطينية.

أضاف مصدر "عربي بوست" أن ضمان عدم العودة إلى الحرب أو فرض التهجير أو تصفية القضية يتطلب، قبل أي شيء، تحقيق حد أدنى من التوافق الفلسطيني، ما يسمح بتوحيد الموقف السياسي والتعامل مع الاستحقاقات المقبلة.

تشمل هذه الاستحقاقات الانتخابات، وإدارة قطاع غزة، ومستقبل العملية السياسية، وهي الملفات التي تؤكد مصر باستمرار ضرورة التعامل معها من خلال تفاهم فلسطيني أوسع.

بذلك، تبدو الوساطة المصرية الحالية محاولة لمعالجة أكثر من ملف في وقت واحد: فتح الطريق أمام الانتخابات، وتقليص الفجوة بين "فتح" و"حماس"، وترتيب إدارة غزة، والتعامل مع ملف القدس، ومنع عودة الانقسام الذي أعقب انتخابات 2006.

لكن نجاح هذا المسار سيبقى مرتبطاً بقدرة القاهرة والفصائل على تجاوز شروط المشاركة السياسية، وبإيجاد صيغة لا تصطدم بالمواقف الإسرائيلية والدولية، وفي الوقت نفسه لا تؤدي إلى إعادة إنتاج الانقسام الفلسطيني السابق.

في هذا السياق، لا تبدو الانتخابات مجرد استحقاق داخلي، بل تتحول إلى اختبار لقدرة الفصائل على إعادة بناء إطار سياسي موحد، وإلى أداة تحاول القاهرة استخدامها في مواجهة واقع إسرائيلي يزداد تشدداً بشأن الدولة الفلسطينية والاستيطان ومستقبل الضفة الغربية وغزة.

تحميل المزيد