وساطة مصرية بين طهران وواشنطن: تفاصيل تحركات القاهرة وخطتها لخفض التوتر في المنطقة

عربي بوست
تم النشر: 2026/08/09 الساعة 10:12 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/08/09 الساعة 10:13 بتوقيت غرينتش
تحركات مصرية للحيلولة دون تفاقم الصراع في المنطقة/ عربي بوست

كشفت مصادر دبلوماسية مصرية أن القاهرة كثفت تحركاتها على خط الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، بالتوازي مع اتصالات إقليمية ودولية تهدف إلى منع اتساع رقعة الصراع، في وقت تترقب فيه عواصم المنطقة نتائج المشاورات الجارية بين طهران وسلطنة عُمان بشأن مضيق هرمز، باعتبارها المدخل المحتمل لاستئناف المفاوضات بين الجانبين. 

وبحسب مصادر "عربي بوست"، لا تنظر مصر إلى الوساطة باعتبارها محاولة لاحتواء أزمة عابرة، بل كفرصة لإطلاق مسار سياسي وأمني أوسع، يبدأ بخفض التصعيد في الخليج، ويمتد إلى إعادة صياغة ترتيبات الأمن الإقليمي، بما يضمن حماية الملاحة في مضيق هرمز، ويخفف التوتر بين إيران ودول الخليج.

وتؤكد المصادر أن القاهرة تنسق تحركاتها مع عدد من الدول، بينها قطر وتركيا وباكستان، مع انخراط سلطنة عُمان والسعودية في بعض المسارات، انطلاقاً من قناعة مشتركة بأن استمرار المواجهة سيحمل كلفة اقتصادية وأمنية باهظة على المنطقة، في ظل اضطراب أسواق الطاقة وتأثر حركة الملاحة والتجارة.

وتأتي هذه التحركات في وقت ترى فيه القاهرة أن تداعيات الحرب لم تعد تقتصر على أطرافها المباشرين، بعدما امتدت آثارها إلى الاقتصاد المصري وقناة السويس، ووصلت شظاياها إلى الداخل المصري مع حادث استهداف سفينتي الغاز في ميناء دمياط، وهو ما عزز تمسكها بدفع جميع الأطراف نحو التهدئة، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.

دخول القاهرة على خط الوساطة

كشفت مصادر دبلوماسية مصرية لـ"عربي بوست" أن القاهرة انخرطت خلال الأسابيع الماضية في مسار وساطة إقليمي يضم مصر وتركيا وباكستان وقطر، مع مشاركة سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية في بعض المحطات، بهدف احتواء التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

وأوضحت المصادر أن مصر تسعى إلى لعب دور فاعل في هذا المسار، انطلاقاً من كونها من أكثر الدول تضرراً من استمرار الحرب، سواء بسبب تراجع إيرادات قناة السويس، أو انعكاسات التوترات الإقليمية على الاقتصاد المصري وسعر صرف الجنيه ومعدلات التضخم، فضلاً عن البعد الأمني المرتبط باعتبار أمن الخليج جزءاً من الأمن القومي المصري.

وعزز حادث استهداف سفينتي الغاز في ميناء دمياط الأسبوع الماضي قناعة القاهرة بأن الصراع لم يعد محصوراً في ساحاته التقليدية، وأن تداعياته أصبحت تمس الأراضي المصرية بصورة مباشرة، وهو ما دفعها إلى تكثيف اتصالاتها السياسية والدبلوماسية لمنع انتقال المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة.

في هذا السياق، أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي سلسلة اتصالات مع المبعوث الأميركي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، ووزراء خارجية قطر والعراق ودول أخرى، ركزت على توحيد مسارات خفض التصعيد، سواء بين الولايات المتحدة وإيران، أو في ما يتعلق بالحرب في قطاع غزة.

وأكدت المصادر أن القاهرة لمست خلال هذه الاتصالات رغبة أميركية في العودة إلى طاولة المفاوضات مع إيران، باعتبار أن الخيار السياسي أقل كلفة من استمرار المواجهة العسكرية، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والمالية التي تواجهها واشنطن، واقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، إلى جانب تنامي المعارضة الداخلية لاستمرار الحرب.

لكن المصادر تشدد في المقابل على أن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطاً بقدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على التوافق بشأن مستقبل التهدئة في المنطقة، باعتبار أن أي تفاهم مع طهران سيكون من الصعب ترجمته عملياً إذا استمرت ساحات التوتر الأخرى، وفي مقدمتها غزة، مفتوحة أمام التصعيد.

هل تمهد التفاهمات لعودة المفاوضات؟

قالت مصادر دبلوماسية مصرية إن القاهرة تتابع باهتمام المشاورات الجارية بين سلطنة عُمان وإيران بشأن مضيق هرمز، انطلاقاً من قناعة بأن التوصل إلى تفاهم حول الملاحة في المضيق قد يشكل المدخل الرئيسي لإحياء المفاوضات الأميركية الإيرانية، وفتح الباب أمام ترتيبات أمنية أوسع في الخليج.

وترى مصر في إعادة فتح مضيق هرمز خطوة ضرورية لخفض التوتر الإقليمي، ليس فقط لما يمثله المضيق من أهمية استراتيجية للتجارة العالمية وأسواق الطاقة، وإنما لأنه قد يوفر أرضية مناسبة لاستئناف الحوار بشأن البرنامج النووي الإيراني، وإعادة بناء الثقة بين الطرفين.

ويأتي ذلك في وقت أعلن فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب موافقته على إلغاء ضربة عسكرية مقابل التوصل سريعاً إلى اتفاق يتضمن إعادة فتح مضيق هرمز، وإنهاء ما وصفه بـ"التهديد النووي الإيراني"، كما تحدث عن بدء جولة جديدة من المفاوضات.

في المقابل، نفت طهران وجود أي مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن المناقشات الجارية تقتصر على سلطنة عُمان، وتركز على إيجاد مسار آمن ومؤقت لحركة الملاحة في مضيق هرمز، مع التشديد على أن إعادة فتح المضيق تظل مرتبطة بوقف ما تصفه إيران بـ"العدوان الأميركي".

وأشارت المصادر إلى أن القاهرة تنظر بحذر إلى الموقف الإيراني، خشية عدم وجود توافق كامل داخل دوائر صنع القرار في طهران بشأن خيار التهدئة، لكنها ترى في الوقت نفسه أن المصالح الاقتصادية والسياسية لإيران تدفعها إلى تجنب الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة قد تزيد الضغوط عليها.

وخلصت المصادر إلى أن التفاهم المحتمل حول هرمز لن يمثل نهاية الأزمة، بل بداية لمسار تفاوضي جديد قد يمتد إلى ملفات أكثر تعقيداً، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، ومستقبل الأمن الخليجي، والعلاقة بين إيران ودول المنطقة، وهي الملفات التي تستعد القاهرة للمشاركة في مناقشتها ضمن الجهود الإقليمية الرامية إلى صياغة ترتيبات أمنية أكثر استقراراً.

من الوساطة إلى منظومة أمن إقليمي جديدة

قالت مصادر مصرية مطلعة لـ"عربي بوست" إن القاهرة لا تنظر إلى الوساطة الحالية باعتبارها مجرد محاولة لوقف التصعيد بين واشنطن وطهران، بل كمدخل لإطلاق نقاش أوسع حول إنشاء منظومة أمن إقليمي جديدة، تتولى دول المنطقة قيادتها بعيداً عن الاستقطابات الدولية.

الدور المصري مرشح للتوسع خلال المرحلة المقبلة، في ظل قناعة أميركية متزايدة بضرورة البحث عن مخرج سياسي يحقق مكاسب استراتيجية من دون الانخراط في مواجهة عسكرية طويلة ومكلفة، وهو ما يفتح الباب أمام وساطات إقليمية أكثر تأثيراً.

وترى القاهرة، بحسب المصادر، أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التوصل إلى اتفاق بشأن مضيق هرمز أو البرنامج النووي الإيراني فقط، وإنما في صياغة رؤية أمنية شاملة تعالج الفراغ الذي خلفه تراجع الحضور العسكري الأميركي في عدد من المواقع الإقليمية، بما فيها الكويت والبحرين وشمال العراق.

وتضيف المصادر أن أي تصور مستقبلي ينبغي أن يقوم على توافق بين القوى الإقليمية الرئيسية، وفي مقدمتها مصر والسعودية وتركيا وباكستان وإيران، بهدف تأسيس منظومة أمن جماعي تراعي مصالح المنطقة، وتمنع تكرار الأزمات التي استنزفت دول الشرق الأوسط خلال السنوات الماضية.

ولم يعد الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأميركية يحقق الاستقرار المنشود، في ظل ارتباط السياسات الأميركية بحساباتها الاستراتيجية الخاصة، وانعكاسات انحيازها لإسرائيل على تعقيد عدد من أزمات المنطقة، وهو ما يدفع الدول العربية إلى إعادة تعريف أولوياتها الأمنية وفقاً لمصالحها الوطنية.

كما ترى القاهرة أن بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الإقليمية، بما فيها إيران، لا يتعارض مع حماية الأمن العربي إذا كان ذلك يتم ضمن إطار يحترم سيادة الدول ويمنع التدخل في شؤونها الداخلية، ويحد من استنزاف المنطقة في صراعات مفتوحة كما حدث في اليمن والسودان وغيرهما.

لماذا تراهن القاهرة على دور الوسيط؟

تؤكد مصادر دبلوماسية مصرية أن حادث استهداف سفينتي الغاز في ميناء دمياط لن يدفع القاهرة إلى التخلي عن نهجها الدبلوماسي أو تغيير موقعها كوسيط بين الأطراف المتصارعة، بل على العكس، عزز قناعتها بأن احتواء الأزمات سياسياً أصبح ضرورة لحماية الأمن القومي المصري.

وتوضح المصادر أن الدولة المصرية تميز بين حقها في اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لحماية أمنها ومصالحها، وبين استمرارها في أداء دور إقليمي يقوم على فتح قنوات الحوار مع جميع الأطراف، باعتبار أن توسيع دائرة المواجهة سيضاعف الأخطار على المنطقة بأكملها.

ويستند هذا الدور إلى مجموعة من العوامل التي تمنح القاهرة هامش حركة أوسع من أطراف أخرى، أبرزها علاقاتها المتوازنة مع دول الخليج، وعدم انخراطها في محاور إقليمية متصارعة، إلى جانب احتفاظها بقنوات اتصال مع إيران، وعلاقاتها الوثيقة مع تركيا وباكستان وعدد من القوى المؤثرة في المنطقة.

وتشير المصادر إلى أن ترامب أكد في تصريحات أخيرة مشاركة مصر إلى جانب سلطنة عُمان وقطر وباكستان في الجهود الرامية إلى استئناف الحوار مع إيران، وهو ما يعكس اعترافاً أميركياً بالدور الذي تؤديه القاهرة في هذا المسار.

كما تتحدث تقارير إعلامية أميركية عن وساطة إقليمية أفضت إلى "استراحة محارب" لمدة 48 ساعة، تمهيداً لاستئناف المفاوضات حول مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني.

فيما نقلت شبكة CBS News عن مسؤول إقليمي مشارك في الوساطة وجود مقترحات لإعادة واشنطن وطهران إلى طاولة التفاوض مقابل إعادة فتح مضيق هرمز وتخفيف القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية، من دون التوصل حتى الآن إلى اتفاق نهائي.

وتخلص المصادر إلى أن القاهرة تعتبر نجاح أي وساطة لا يمثل مكسباً لطرف بعينه، وإنما خطوة نحو بناء هيكل أمني إقليمي أكثر استقراراً، تكون فيه أدوار الدول العربية والإقليمية متكاملة، بما يقلل احتمالات اندلاع مواجهات جديدة ويحافظ على أمن الملاحة والطاقة والاستقرار الاقتصادي في المنطقة.

هل تفتح الوساطة باباً أوسع للتسوية؟

تؤكد مصادر دبلوماسية مصرية لـ"عربي بوست" أن القاهرة لا تراهن على نجاح الوساطة في إعادة فتح مضيق هرمز فحسب، بل تنظر إليها باعتبارها فرصة لإطلاق مسار تفاوضي أشمل يعالج بؤر التوتر الرئيسية في المنطقة، ويمنع تحولها إلى مواجهات متزامنة تستنزف جميع الأطراف.

وتقوم الرؤية المصرية على أن أمن الخليج، واستقرار الملاحة الدولية، والحرب في غزة، والملف النووي الإيراني، كلها ملفات مترابطة لا يمكن فصل أحدها عن الآخر، وأن أي اتفاق مستدام يجب أن يتعامل معها ضمن مقاربة سياسية متكاملة، لا عبر تسويات جزئية أو مؤقتة.

في هذا السياق، أشارت تقارير إعلامية أميركية إلى أن مصر شاركت، إلى جانب قطر والسعودية وتركيا وباكستان وسلطنة عُمان، في جهود دبلوماسية أفضت إلى ما وصفته بـ"استراحة محارب" لمدة 48 ساعة، بهدف تهيئة الأجواء لاستئناف المفاوضات بشأن مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني، من دون أن يعني ذلك التوصل إلى اتفاق نهائي.

كما نقلت شبكة CBS News عن مسؤول إقليمي مشارك في الوساطة أن أحد المقترحات المطروحة يقضي بعودة واشنطن وطهران إلى طاولة المفاوضات، مقابل إعادة فتح مضيق هرمز، وإنهاء الحصار البحري على إيران، والسماح لها باستئناف صادراتها النفطية، وهي أفكار لا تزال قيد البحث ولم تتحول إلى تفاهمات ملزمة.

وتبدو الولايات المتحدة أكثر ميلاً لإعطاء الأولوية للحل السياسي، في ظل المخاوف من انعكاسات أي حرب جديدة على أسواق الطاقة والاقتصاد الأميركي، إضافة إلى تراجع شعبية الرئيس دونالد ترامب واقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وهو ما يمنح جهود الوساطة الإقليمية زخماً إضافياً خلال المرحلة المقبلة.

وخلصت مصادر "عربي بوست" إلى أن نجاح الوساطة لن يُقاس فقط بإعادة فتح مضيق هرمز أو استئناف الحوار الأميركي الإيراني، وإنما بقدرة دول المنطقة على استثمار هذه الفرصة لإطلاق ترتيبات أمنية وسياسية أكثر استدامة، بما يخفف حدة الاستقطاب، ويحد من احتمالات اندلاع أزمات جديدة، وهو المسار الذي ترى القاهرة أنه يمثل الضمانة الحقيقية لاستقرار الشرق الأوسط على المدى الطويل.

تحميل المزيد