الفيلق الأفريقي الروسي: حرب مالي تؤكد دور ليبيا في مشروع موسكو وتعيد الجزائر إلى الواجهة

عربي بوست
تم النشر: 2026/08/07 الساعة 13:22 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/08/07 الساعة 13:22 بتوقيت غرينتش
تطورات كثيرة تشهدها منطقة الساحل وهناك دور جديد لليبيا والجزائر/ عربي بوست

لم تعد القواعد الروسية المنتشرة في ليبيا تُستخدم فقط لدعم حلفاء موسكو داخل الأراضي الليبية، بل تحولت تدريجياً إلى منصة إقليمية لإدارة عمليات "الفيلق الأفريقي الروسي" في منطقة الساحل، في تحول يعكس اتساع المشروع الروسي جنوب الصحراء بعد تراجع النفوذ الغربي، ولا سيما الفرنسي. 

وبرز هذا الدور بوضوح عقب الهجوم الواسع الذي شهدته مالي في أبريل/ نيسان الماضي، حين سارعت موسكو إلى تعزيز دعمها العسكري لباماكو، مستفيدة من شبكة قواعدها في ليبيا لنقل الأفراد والمعدات، بالتوازي مع تحرك دبلوماسي واسع لإعادة وصل ما انقطع بين الجزائر والمجلس العسكري المالي.

لكن التطورات نفسها كشفت أيضاً حدود القوة الروسية؛ فبينما أثبتت موسكو قدرتها على تحريك السلاح والمقاتلين عبر ممر ليبي متنامٍ، أظهرت الحرب أن الحسم في شمال مالي لا يعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل يحتاج إلى تفاهمات سياسية وإقليمية بقيت الجزائر أحد أهم مفاتيحها.

وتكشف معلومات حصل عليها "عربي بوست"، مدعومة بتقارير استخباراتية مفتوحة وتحليلات خبراء، أن الحرب الأخيرة لم تُبرز فقط اتساع النفوذ الروسي في أفريقيا، بل أظهرت أيضاً أن ليبيا أصبحت القلب اللوجستي للمشروع الروسي في الساحل، فيما باتت الجزائر شريكاً لا يمكن تجاوز دوره عند إدارة نتائج هذا النفوذ سياسياً وأمنياً.

حرب مالي والدور الحقيقي لفيلق أفريقيا الروسي؟

شكّل الهجوم الواسع الذي تعرضت له مالي في 25 أبريل/ نيسان 2026 نقطة تحول في قراءة الدور الروسي داخل منطقة الساحل.

فالهجمات المنسقة التي نفذتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بالتعاون مع جبهة تحرير أزواد لم تستهدف مواقع عسكرية في الشمال فحسب، بل امتدت إلى محيط العاصمة باماكو، وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا، أحد أبرز مهندسي التحالف العسكري مع موسكو بعد إنهاء الشراكة مع فرنسا.

لم تكمن أهمية الهجوم في اتساع رقعته الجغرافية، بل في أنه استهدف للمرة الأولى بصورة متزامنة الجيش المالي وعناصر فيلق أفريقيا الروسي المنتشرين إلى جانبه، ما أدى إلى انسحاب القوات المالية والروسية من مواقع عدة، بينها كيدال وتيساليت وأغلهوك، وإعادة تمركزها قرب خطوط الإمداد الرئيسية.

وأعادت هذه التطورات طرح تساؤلات حول حدود فعالية الاستراتيجية الروسية في مالي، فبينما نجحت موسكو خلال السنوات الماضية في مساعدة المجلس العسكري على تثبيت سلطته واستعادة مدن استراتيجية، فإن الهجمات الأخيرة أظهرت أن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة فرض استقرار دائم في شمال البلاد، حيث لا تزال الجماعات المسلحة قادرة على إعادة تنظيم صفوفها وتنفيذ عمليات واسعة النطاق.

وأشارت مصادر عسكرية وأمنية إلى أن أهمية ما جرى لا ترتبط فقط بالخسائر التي تكبدتها القوات المالية والروسية، بل لأنه كشف للمرة الأولى بصورة عملية أن عمليات الإمداد الروسية لم تعد تنطلق من داخل مالي وحدها، وإنما أصبحت تعتمد على شبكة لوجستية إقليمية تقودها قواعد "فيلق أفريقيا" في ليبيا، وهو ما منح موسكو قدرة أكبر على تعويض خسائرها وإعادة نشر قواتها بسرعة داخل منطقة الساحل.

وترى المصادر أن أهمية ما جرى لا ترتبط فقط بالوضع الميداني في مالي، بل ما كشفه عن طبيعة المشروع الروسي في أفريقيا، إذ أبرزت الحرب للمرة الأولى بصورة واضحة أن الفيلق الأفريقي الروسي لم يعد مجرد قوة تنتشر داخل دولة واحدة، بل أصبح جزءاً من شبكة إقليمية تنطلق من قواعد روسية في ليبيا.

وتتحرك هذه القوة الروسية بين دول الساحل وفق منظومة لوجستية وعسكرية متكاملة، وهو ما جعل ليبيا تنتقل من دور الدولة المضيفة إلى مركز العمليات الخلفي للمشروع الروسي في القارة.

ليبيا غرفة العمليات الروسية في أفريقيا

كشفت المعلومات التي حصل عليها "عربي بوست" أن الحرب الأخيرة في مالي أظهرت بوضوح تحول القواعد الروسية المنتشرة في ليبيا إلى مركز القيادة اللوجستي الرئيسي لعمليات الفيلق الأفريقي الروسي في منطقة الساحل، بعدما كانت هذه القواعد تُستخدم في السابق لدعم الوجود الروسي داخل ليبيا فقط.

وتشير المعطيات إلى أن موسكو اعتمدت خلال الأشهر الأخيرة بصورة متزايدة على قواعدها في وسط وجنوب ليبيا، وفي مقدمتها الجفرة وتمنهنت ومعطن السارة، لنقل الأفراد والأسلحة والذخائر إلى مالي والنيجر وبوركينا فاسو، مستفيدة من موقع ليبيا الجغرافي.

وتوضح المعلومات أن القواعد الروسية لم تعد تعمل بصورة منفصلة، بل أصبحت جزءاً من شبكة عمليات مترابطة، إذ تتولى قاعدة الجفرة استقبال طائرات الشحن العسكرية القادمة من روسيا.

بينما تُستخدم تمنهنت ومعطن السارة كنقاط متقدمة لإعادة توزيع المعدات والأفراد نحو مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وهو ما جعل ليبيا تمثل العمق اللوجستي الرئيسي للمشروع الروسي في أفريقيا.

وتؤكد المصادر أن هذا الممر اللوجستي اكتسب أهمية أكبر بعد تراجع قدرة روسيا على استخدام بعض المسارات التقليدية، ليصبح الجسر الليبي الأداة الرئيسية لإمداد القوات الروسية المنتشرة في الساحل، وهو ما يفسر الزيادة الملحوظة في حركة الطيران العسكري بين القواعد الليبية والدول الأفريقية خلال الأشهر الماضية.

وتدعم هذه المعطيات تقارير استخباراتية وصور أقمار صناعية أظهرت تكثيف النشاط داخل عدد من القواعد الجوية الليبية، مع وصول طائرات شحن روسية بصورة متكررة، ونقل معدات عسكرية وأفراد إلى عمق القارة، في مؤشر على أن موسكو باتت تدير عملياتها الأفريقية من شبكة قواعد مترابطة، وليس من قواعد منفصلة داخل كل دولة.

كما أظهرت صور أقمار صناعية وتقارير استخباراتية غربية توسعاً في البنية التحتية داخل هذه القواعد، مع زيادة حركة الطائرات العسكرية الروسية، بما يعكس انتقال الوجود الروسي من مرحلة الدعم التكتيكي إلى بناء منظومة انتشار إقليمي طويلة الأمد، قادرة على دعم العمليات في أكثر من دولة بصورة متزامنة.

ويرى الباحث المتخصص في الشأن الليبي جلال حرشاوي أن ما جرى في مالي كشف للمرة الأولى الحجم الحقيقي للدور الذي تؤديه ليبيا في المشروع الروسي بأفريقيا، موضحاً أن القواعد الروسية هناك لم تعد مرتبطة بالملف الليبي فقط، بل أصبحت جزءاً من منظومة إقليمية تدعم انتشار فيلق أفريقيا في مختلف دول الساحل.

وتشير المعلومات إلى أن هذه الشبكة تمنح موسكو درجة عالية من الاستقلالية العملياتية، إذ تستطيع نقل القوات والمعدات بسرعة بين عدة جبهات، وهو ما جعل ليبيا تتحول عملياً إلى مركز الثقل العسكري الروسي جنوب البحر المتوسط، وإلى قاعدة انطلاق رئيسية للنفوذ الروسي في أفريقيا.

لماذا احتاجت موسكو إلى الجزائر؟

رغم النجاح الذي حققته روسيا في بناء شبكة عسكرية واسعة انطلاقاً من ليبيا، فإن الحرب الأخيرة في مالي أظهرت أن القوة العسكرية وحدها لم تكن كافية لحماية المكاسب التي حققتها باماكو خلال السنوات الماضية، وهو ما دفع موسكو إلى التحرك على المسار السياسي بالتوازي مع الدعم العسكري.

وتكشف المعلومات أن الكرملين شجع خلال الأسابيع الأخيرة على إعادة فتح قنوات الاتصال بين الجزائر والسلطات المالية، بعدما وصلت العلاقات بين الجانبين إلى مرحلة غير مسبوقة من التوتر، إدراكاً منه أن استقرار شمال مالي يحتاج إلى دور جزائري لا تستطيع موسكو تعويضه.

وبحسب المعطيات، شاركت عدة أطراف أفريقية، بينها الكونغو والنيجر وتوغو، في الجهود التي قادت إلى إعادة التواصل بين الجزائر وباماكو، في وقت لعبت فيه موسكو دوراً داعماً لهذه المساعي، انطلاقاً من قناعتها بأن استمرار القطيعة سيعقد جهود تثبيت الاستقرار في منطقة الساحل.

ويرى خبراء أن ما حدث يعكس حدود المشروع الروسي في أفريقيا؛ فموسكو نجحت في إنشاء منظومة عسكرية فعالة تعتمد على قواعدها في ليبيا وقدرتها على نقل القوات والسلاح، لكنها لا تملك وحدها أدوات إدارة التوازنات السياسية والقبلية المعقدة التي تتحكم في شمال مالي.

وفي هذا السياق، يؤكد حرشاوي أن روسيا قادرة على توفير الغطاء العسكري والدعم اللوجستي للمجلس العسكري المالي، لكنها تدرك في المقابل أن الجزائر تبقى لاعباً إقليمياً أساسياً في أي تسوية طويلة الأمد، بحكم علاقاتها التاريخية مع الفاعلين المحليين، وتأثيرها في ملفات الأمن والوساطة داخل منطقة الساحل.

وتكشف التطورات الأخيرة أن الحرب في مالي لم تؤد فقط إلى توسيع حضور فيلق أفريقيا الروسي، بل أبرزت أيضاً معادلة جديدة في المنطقة، تقوم على أن النفوذ العسكري الروسي ينطلق من ليبيا، بينما يظل تثبيت نتائجه السياسية مرتبطاً بدرجة كبيرة بالتفاهم مع الجزائر، وهو ما يفسر تزامن التحركات العسكرية مع المساعي الدبلوماسية لإعادة ترميم العلاقات بين باماكو والجزائر.

حدود القوة الروسية

رغم التوسع السريع في انتشار فيلق أفريقيا واعتماده على شبكة قواعد عسكرية تمتد من ليبيا إلى دول الساحل، فإن التطورات الأخيرة في مالي كشفت، بحسب خبراء ومصادر دبلوماسية، أن التفوق اللوجستي لا يعني بالضرورة القدرة على حسم الصراع ميدانياً أو فرض استقرار دائم في المناطق الشمالية.

ويشير جلال حرشاوي إلى أن روسيا نجحت في بناء منظومة نقل وإسناد عسكري فعالة انطلاقاً من ليبيا، لكنها لا تزال تواجه تحديات كبيرة في إدارة الصراعات المحلية المعقدة التي تتداخل فيها الاعتبارات القبلية والإثنية والجغرافية، وهو ما ظهر بوضوح خلال الهجمات الأخيرة في شمال مالي.

وفي السياق نفسه، يرى الباحث الجزائري أكرم خريف أن تجربة مالي تؤكد أن روسيا نجحت في بناء منظومة إمداد وانتشار أكثر تطوراً من مرحلة "فاغنر"، إلا أن تثبيت هذا النفوذ سيظل مرتبطاً بقدرة الحلفاء المحليين على إدارة الصراعات الداخلية، لأن التدخل العسكري وحده لا يكفي لإنهاء التمرد في شمال مالي.

وتعزز هذه القراءة تقديرات نشرها موقع "Intelligence Africa"، والتي تشير إلى أن القوات المالية والروسية استعادت خلال العامين الماضيين عدداً من المدن الرئيسية، لكنها واجهت صعوبة في الحفاظ على سيطرة مستقرة على المناطق الصحراوية الشاسعة، حيث ما تزال الجماعات المسلحة تمتلك قدرة عالية على المناورة وإعادة تنظيم صفوفها.

كما أظهرت التطورات، وفق تقارير دولية، أن نموذج فيلق أفريقيا يختلف عن تجربة مجموعة فاغنر السابقة، فبينما تركز فاغنر على تنفيذ العمليات القتالية المباشرة، أصبح الفيلق الجديد يعمل ضمن استراتيجية روسية أوسع تجمع بين الانتشار العسكري، وبناء قواعد دائمة، وتأمين خطوط الإمداد، وربطها بمصالح موسكو الاقتصادية والجيوسياسية في القارة.

ويرى أكرم خريف أن روسيا نجحت في بناء شبكة نفوذ عسكري مرنة عبر ليبيا، إلا أن نجاحها في تثبيت هذا النفوذ سيظل مرتبطاً بقدرتها على التكيف مع التعقيدات السياسية والأمنية في الساحل، وليس فقط بتفوقها في مجال الإمداد العسكري.

وتخلص هذه التطورات إلى أن الحرب في مالي كشفت مفارقة واضحة؛ فروسيا أصبحت أكثر قدرة من أي وقت مضى على نشر قواتها وتحريكها عبر أفريقيا، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة تحويل هذا الانتشار العسكري إلى استقرار سياسي وأمني دائم.

إلى أين يتجه النفوذ الروسي؟

تكشف المعطيات التي جمعتها "عربي بوست" أن الأهمية الاستراتيجية للقواعد الروسية في ليبيا لم تعد ترتبط بالوضع الليبي وحده، بل أصبحت جزءاً من مشروع روسي أوسع لإعادة رسم موازين النفوذ في القارة الأفريقية، عبر شبكة قواعد وممرات لوجستية تمتد من البحر المتوسط حتى دول الساحل.

وتشير المعلومات إلى أن هذا التحول منح موسكو حرية حركة غير مسبوقة، إذ أصبحت قادرة على إدارة عملياتها العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو انطلاقاً من الأراضي الليبية، من دون الاعتماد على مسارات بحرية أو جوية بعيدة، وهو ما عزز من استقلالية فيلق أفريقيا وسرعة استجابته للتطورات الميدانية.

لكن في المقابل، أظهرت الحرب الأخيرة أن توسيع النفوذ العسكري لا يلغي الحاجة إلى الشركاء الإقليميين، فبينما أصبحت ليبيا تمثل مركز العمليات العسكرية الروسية، برزت الجزائر باعتبارها الطرف الأكثر تأثيراً في إدارة التوازنات السياسية والأمنية في منطقة الساحل، وهو ما يفسر تزامن التعزيزات العسكرية الروسية مع جهود إعادة تطبيع العلاقات بين الجزائر ومالي.

ويرى خبراء أن هذه المعادلة تعكس طبيعة الاستراتيجية الروسية الجديدة في أفريقيا، القائمة على الجمع بين القوة العسكرية والانفتاح الدبلوماسي، بحيث تتولى القواعد الليبية إدارة العمليات الميدانية، فيما يجري توظيف الشراكات الإقليمية لتثبيت نتائجها سياسياً ومنع تحولها إلى صراعات مفتوحة تستنزف الحلفاء المحليين.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن ليبيا مرشحة للحفاظ على موقعها باعتبارها المركز الرئيسي للمشروع الروسي في أفريقيا، خاصة مع استمرار توسع فيلق أفريقيا وتزايد اعتماد موسكو على قواعده الليبية في دعم عملياتها جنوب الصحراء، وهو ما يمنح الوجود الروسي بعداً إقليمياً يتجاوز الساحة الليبية نفسها.

هل تعيد مالي رسم النفوذ الروسي في أفريقيا؟

ترى مصادر دبلوماسية وأمنية تحدثت لـ"عربي بوست" أن التطورات الأخيرة في مالي لا تمثل مجرد محطة عسكرية جديدة، بل تعكس انتقال المشروع الروسي في أفريقيا إلى مرحلة أكثر نضجاً، بعدما أصبح فيلق أفريقيا الذراع العسكرية الرئيسية لموسكو في القارة، مدعوماً بشبكة قواعد إقليمية تتخذ من ليبيا مركزاً لإدارة العمليات والانتشار.

وتشير المصادر إلى أن موسكو لم تعد تنظر إلى ليبيا باعتبارها ساحة نفوذ مستقلة، وإنما كحلقة مركزية في منظومة تمتد من البحر المتوسط إلى الساحل وغرب أفريقيا، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على التدخل السريع، وتأمين خطوط الإمداد، وإعادة توزيع قواتها وفق متطلبات كل جبهة.

لكن في المقابل، تؤكد المصادر أن نجاح هذه الاستراتيجية سيظل مرتبطاً بعوامل تتجاوز القوة العسكرية، إذ إن الحفاظ على النفوذ الروسي يتطلب بناء تفاهمات سياسية مع القوى الإقليمية، وفي مقدمتها الجزائر، إلى جانب قدرة الحكومات الأفريقية الحليفة على فرض الاستقرار الداخلي بعد سنوات من الانقلابات والصراعات المسلحة.

وتوضح المعطيات أن الكرملين يعمل حالياً على الجمع بين 3 مسارات متوازية: تثبيت وجود فيلق أفريقيا عسكرياً، وتوسيع شبكة القواعد اللوجستية التي تنطلق من ليبيا، وبناء شراكات سياسية مع دول الساحل، بما يسمح بتحويل النفوذ العسكري إلى حضور استراتيجي طويل الأمد.

ويرى مراقبون أن ما جرى في مالي كشف أيضاً تحولاً في طبيعة المنافسة الدولية داخل أفريقيا، إذ لم تعد المواجهة تدور فقط بين روسيا والغرب، بل أصبحت مرتبطة بالسيطرة على الممرات الاستراتيجية، وشبكات النقل العسكري، وموارد الطاقة والمعادن، ومناطق النفوذ التي كانت تخضع تاريخياً للنفوذ الفرنسي.

وتكشف التجربة الأخيرة أن المشروع الروسي في أفريقيا لم يعد يقوم على دعم أنظمة حليفة فحسب، بل على إنشاء شبكة إقليمية مترابطة من القواعد العسكرية وخطوط الإمداد والتحالفات السياسية، تتولى ليبيا فيها دور مركز القيادة اللوجستي، بينما تشكل دول الساحل مجال الانتشار العملياتي، وهو تحول يعكس انتقال موسكو إلى مرحلة جديدة من تثبيت نفوذها في القارة.

وفي هذا السياق، تبدو ليبيا مرشحة للحفاظ على موقعها باعتبارها نقطة الارتكاز الرئيسية للمشروع الروسي في القارة، بينما يمثل فيلق أفريقيا الأداة التنفيذية لهذا التوسع.

غير أن قدرة موسكو على ترسيخ هذا الحضور ستبقى رهناً بمدى نجاحها في الجمع بين القوة العسكرية، وإدارة التوازنات السياسية، ومنع تحول الساحة الأفريقية إلى استنزاف طويل يشبه تجارب قوى دولية أخرى سبقتها إلى القارة.

تحميل المزيد