كشفت مصادر عسكرية سورية مطلعة لـ"عربي بوست" أن الاستنفار العسكري الذي شهدته دمشق خلال الأيام الماضية، والاجتماع الذي عقدته وزارة الدفاع مع قادة عدد من الفرق العسكرية حتى ساعات الفجر، لم يكن مرتبطاً بتطورات ميدانية طارئة، بل جاء لإطلاق المرحلة الأكثر حساسية في مشروع إعادة بناء الجيش السوري منذ سقوط نظام بشار الأسد.
وترى القيادة السورية أن مرحلة استيعاب الفصائل المسلحة داخل وزارة الدفاع حققت هدفها في منع الفراغ الأمني خلال الأشهر الأولى من المرحلة الانتقالية، إلا أن استمرار البنية الفصائلية داخل المؤسسة العسكرية بات يمثل تحدياً أمام بناء جيش موحد يخضع لقيادة مركزية واحدة.
وفق مصادر "عربي بوست"، انتقلت دمشق اليوم من سياسة "دمج الفصائل" إلى مشروع أكثر عمقاً يقوم على إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، وإعادة توزيع الصلاحيات، وإنهاء تعدد مراكز القرار داخل الجيش، بما يسمح بتحويله إلى مؤسسة دولة تعمل بعقيدة عسكرية موحدة.
لكن تُعدّ هذه المرحلة الأكثر تعقيداً منذ تأسيس الجيش السوري الجديد، لأنها لا تتعلق بإعادة تنظيم الوحدات أو تغيير المسميات، بل تمس شبكات النفوذ التي تشكلت داخل المؤسسة العسكرية خلال سنوات الحرب، وهو ما يفسر حساسية الاجتماعات الأخيرة داخل وزارة الدفاع.
من دمج الفصائل إلى احتكار الدولة للقوة
قالت مصادر عسكرية سورية إن القيادة السورية تنظر إلى إعادة هيكلة الجيش باعتبارها بداية مرحلة جديدة تهدف إلى استكمال بناء مؤسسات الدولة، بعد انتهاء المرحلة الأولى التي ركزت على استيعاب أكبر عدد ممكن من الفصائل المسلحة داخل وزارة الدفاع عقب سقوط النظام السابق.
وأوضحت المصادر أن القيادة كانت تدرك في الأشهر الأولى أن الدخول في مواجهة مبكرة مع الفصائل المنتصرة قد يهدد الاستقرار الأمني، لذلك جرى اعتماد سياسة دمج مرنة سمحت بانضمام معظم التشكيلات المسلحة إلى المؤسسة العسكرية، حتى وإن احتفظت بقياداتها وشبكاتها الداخلية.
هذا النموذج، تقول المصادر، نجح في منع حدوث فراغ أمني أو صدامات بين الفصائل خلال المرحلة الانتقالية، لكنه بدأ يتحول تدريجياً إلى عبء على المؤسسة العسكرية، بعدما بقيت غالبية الفرق تعمل عملياً وفق بنيتها التنظيمية السابقة، مع تغيير الأسماء والرتب العسكرية فقط.
ويتقاطع هذا التقييم، بحسب المصادر، مع تقديرات مؤسسات بحثية أشارت إلى أن كثيراً من الفصائل أُدمجت شكلياً داخل الجيش السوري، لكنها احتفظت بسلاسل قيادتها الداخلية، الأمر الذي أبقى القيادة العسكرية مجزأة وأضعف قدرة وزارة الدفاع على فرض إدارة موحدة.
لكن المشكلة الأساسية لم تعد تتعلق بنقص الأفراد أو العتاد، وإنما بطبيعة المؤسسة نفسها، إذ يضم الجيش الجديد عشرات الآلاف من المقاتلين الذين خدموا سابقاً ضمن تشكيلات مختلفة، ولكل منها منظومتها الخاصة في القيادة والانضباط والإدارة والعلاقات الداخلية.
وبحسب المصادر، انتقلت هذه البنى التنظيمية إلى داخل وزارة الدفاع بصورة شبه كاملة، فأصبح كثير من قادة الفرق يعتمدون على الدائرة نفسها من القادة الميدانيين الذين رافقوهم خلال سنوات الحرب، ويواصلون إدارة قطاعاتهم بالآليات ذاتها، رغم انضوائهم رسمياً تحت قيادة الجيش.
وترى وزارة الدفاع أن استمرار هذا الواقع جعل بعض الفرق أقرب إلى مؤسسات مستقلة داخل الجيش، إذ يحتفظ قائد الفرقة بنفوذ واسع على التعيينات، وحركة الضباط، وإدارة الألوية، وأحياناً على القرارات العملياتية اليومية، وهو ما يقلص من قدرة القيادة العامة على فرض قرارات موحدة في مختلف القطاعات.
ولهذا السبب، تؤكد المصادر أن دمشق لم تعد تنظر إلى إعادة الهيكلة باعتبارها مجرد تعديل تنظيمي، بل تعتبرها مشروعاً سياسياً وأمنياً يهدف إلى إنهاء تعدد مراكز القرار داخل المؤسسة العسكرية، وترسيخ مبدأ احتكار الدولة للقرار العسكري، بعد مرحلة كان فيها السلاح موحداً شكلياً، بينما بقيت آليات القيادة متأثرة بالخلفيات الفصائلية.
كيف تعيد دمشق رسم الخريطة العسكرية؟
كشفت مصادر عسكرية سورية لـ"عربي بوست" أن مشروع إعادة الهيكلة لا يقتصر على دمج وحدات أو إلغاء مسميات عسكرية، بل يستهدف إعادة بناء الهيكل التنظيمي للجيش من القاعدة إلى القمة، بما يضمن إنهاء مراكز النفوذ التي نشأت خلال مرحلة دمج الفصائل.
وأوضحت المصادر أن وزارة الدفاع تعمل على إنشاء 6 فيالق رئيسية تغطي كامل الأراضي السورية، بحيث يتبع لكل فيلق فرقتان فقط، مع إعادة توزيع الألوية والوحدات القتالية وفق اعتبارات جغرافية وعملياتية، بعيداً عن الخلفيات الفصائلية التي حكمت توزيع القوى خلال السنوات الماضية.
وترى القيادة العسكرية أن النموذج الجديد سيؤدي إلى تقليص عدد مراكز القيادة، واختصار سلسلة إصدار الأوامر، ورفع كفاءة القيادة والسيطرة، وإنهاء الازدواجية التي ظهرت نتيجة تعدد مستويات القرار داخل المؤسسة العسكرية.
ولا يقتصر المشروع على إعادة توزيع الوحدات القتالية، بل يشمل أيضاً إعادة تنظيم هيئات العمليات والإمداد والاستخبارات العسكرية، وربطها مباشرة بقيادات الفيالق، بدلاً من بقائها موزعة بين قيادات الفرق، بما يمنح القيادة العامة قدرة أكبر على الإشراف المباشر على مختلف القطاعات.
وتؤكد المصادر أن القيادة السورية تعتبر هذا التحول خطوة أساسية لبناء مؤسسة عسكرية أكثر مركزية، تكون فيها القرارات العملياتية والإدارية صادرة من قيادة موحدة، وليس من مراكز نفوذ متعددة داخل الجيش.
وترى وزارة الدفاع أن نجاح هذه الهيكلية سيؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الجيش السوري أقرب إلى الجيوش النظامية التقليدية، بعد سنوات من اعتماد تشكيلات عسكرية تشكلت في ظروف الحرب، وكانت تعمل بدرجات متفاوتة من الاستقلالية.
لماذا أثارت إعادة هيلة الجيش السوري الاستنفار؟
كشفت مصادر عسكرية سورية لـ"عربي بوست" أن الاجتماع الأمني والعسكري الذي عُقد أخيراً في دمشق لم يكن مخصصاً لمناقشة تطورات ميدانية أو تهديدات خارجية، بل جاء بعد بروز اعتراضات داخل عدد من الفرق العسكرية على تفاصيل مشروع إعادة الهيكلة.
وأوضحت المصادر أن جوهر الخلاف لم يكن مرتبطاً بإلغاء بعض الفرق العسكرية فقط، وإنما بالتغييرات التي طالت رؤساء الأركان، وقادة الألوية، ورؤساء الأفرع، وهي المواقع التي تشكل الحلقة الأساسية في منظومة النفوذ داخل كل فرقة.
بالنسبة لوزارة الدفاع، فإن الإبقاء على هذه الشبكات يعني استمرار الولاءات القديمة داخل الجيش، ويحد من قدرة القيادة العامة على فرض منظومة قيادة موحدة، في حين يعتبر عدد من قادة الفرق أن استبدال هذه القيادات دفعة واحدة قد ينعكس سلباً على تماسك وحداتهم.
وأضافت المصادر أن هذه الاعتراضات دفعت بعض الفرق إلى إعلان حالة استنفار محدودة، قبل أن تتدخل القيادة السياسية والعسكرية لاحتواء الموقف ومنع انتقال الخلافات الإدارية إلى الميدان، حفاظاً على استقرار المؤسسة العسكرية.
ولا تتجه دمشق إلى إقصاء معظم القادة الحاليين في الجيش السوري، بل تعتمد سياسة إعادة توزيع النفوذ داخل المؤسسة العسكرية، بما يسمح بالحفاظ على الخبرات العسكرية، وفي الوقت نفسه إنهاء مراكز القوة المستقلة التي تشكلت خلال المرحلة الانتقالية.
في هذا السياق، جاء تعيين حسين الجاسم، المعروف بـ"أبو عمشة"، نائباً لقائد الفيلق الأوسط بعد إلغاء الفرقة السادسة، إلى جانب إعفاء عدد من قادة الفرق وإعادة توزيعهم في مواقع داخل قيادات الفيالق وهيئات الأركان والإدارات المركزية.
وترى المصادر أن هذه التعيينات تحمل رسالة واضحة مفادها أن إعادة الهيكلة لا تستهدف الدخول في مواجهة مع القيادات العسكرية أو إقصاء الشخصيات النافذة، وإنما إعادة بناء المؤسسة على أسس أكثر مركزية، بحيث يحتفظ القادة بمواقعهم العسكرية من دون امتلاك قواعد نفوذ مستقلة داخل الجيش.
وخلصت المصادر إلى أن احتواء الاعتراضات الداخلية يمثل أحد أهم اختبارات المرحلة الحالية، لأن نجاح مشروع إعادة الهيكلة لن يتوقف على إصدار القرارات التنظيمية، بل على قدرة القيادة السورية على تنفيذها من دون إحداث انقسامات داخل المؤسسة العسكرية التي لا تزال في طور إعادة التشكيل.
المعركة الأصعب داخل المؤسسة
أكدت المصادر العسكرية السورية لـ"عربي بوست" أن إعادة هيكلة الجيش لا تستهدف تغيير أسماء الفرق أو تقليص عددها فحسب، وإنما إعادة صياغة العقيدة العسكرية التي ستقوم عليها المؤسسة الجديدة، باعتبار أن نجاح المشروع يُقاس بمدى انتقال الجيش من منطق الفصائل إلى منطق المؤسسة الوطنية الموحدة.
وتعمل وزارة الدفاع، بالتوازي مع إعادة الهيكلة، على مراجعة شاملة لأنظمة التدريب، وإعادة تنظيم الكليات العسكرية، وتوحيد برامج التأهيل، بما يضمن إخضاع جميع الضباط والعناصر لمعايير مهنية واحدة، بعيداً عن الخلفيات الفصائلية التي طبعت سنوات الحرب.
كما تشمل الخطة إعادة تقييم الضباط الحاليين، ووضع قواعد موحدة للترقية والتعيين والتنقلات، بحيث تصبح الكفاءة والانضباط العسكري أساساً للمسار المهني داخل الجيش، بدلاً من العلاقات الشخصية أو الانتماءات السابقة للفصائل المسلحة.
وتشير المصادر إلى أن الهيكلية الجديدة ستمنح قيادة الفيالق ورئاسة الأركان صلاحيات أوسع في التخطيط وإدارة العمليات والإشراف على الوحدات المنتشرة، مقابل تقليص الصلاحيات التي تمتعت بها قيادات الفرق خلال المرحلة الانتقالية، بما يعزز مركزية القرار العسكري.
وستؤدي إعادة تنظيم الألوية والوحدات القتالية في الجيش السوري وربطها مباشرة بقيادات الفيالق إلى توحيد آليات إصدار الأوامر وتسريع الاستجابة العملياتية، وإنهاء الازدواجية التي ظهرت نتيجة تعدد مراكز القرار داخل المؤسسة العسكر
وترى القيادة السورية أن المرحلة المقبلة لا تتعلق بإعادة توزيع الوحدات فقط، بل بإعادة بناء ثقافة المؤسسة العسكرية نفسها، حتى يصبح الجيش مؤسسة تعمل وفق سلسلة قيادة واحدة، ونظام إداري موحد، وعقيدة قتالية واحدة، بما يرسخ احتكار الدولة الكامل للقوة المسلحة.
هل تنجح دمشق في بناء جيش دولة؟
تدرك القيادة السورية أن مشروع إعادة الهيكلة يمثل أكثر مراحل إعادة بناء الجيش السوري تعقيداً، لأنه يمس توازنات داخلية تشكلت منذ سقوط النظام السابق، ويعيد توزيع النفوذ داخل المؤسسة العسكرية أكثر ما يغيّر انتشار القوات على الأرض.
وحسب مصادر "عربي بوست"، تعتمد وزارة الدفاع نهجاً تدريجياً في تنفيذ المشروع، يقوم على استيعاب معظم القيادات الحالية داخل الهيكلية الجديدة وإعادة توزيعها في مواقع مختلفة، بدلاً من إقصائها بصورة مباشرة، تفادياً لأي توترات قد تؤثر في تماسك الجيش.
وترى المصادر أن هذا الأسلوب يمنح القيادة فرصة لتنفيذ الإصلاحات مع الحفاظ على الاستقرار الداخلي، خصوصاً أن كثيراً من القادة يمتلكون نفوذاً ميدانياً وشبكات علاقات تشكلت خلال سنوات القتال، وهو ما يجعل أي تغيير مفاجئ محفوفاً بالمخاطر.
في المقابل، تراهن دمشق على أن نجاح الهيكلية الجديدة سيُقاس بقدرة الجيش على العمل وفق قيادة مركزية واحدة، وسلسلة أوامر موحدة، وهيكل مؤسسي مستقر، بعيداً عن الانقسامات التي فرضتها سنوات الصراع.
وتؤكد المصادر أن المرحلة الأولى نجحت في جمع معظم الفصائل المسلحة تحت مظلة وزارة الدفاع، إلا أن المرحلة الثانية تستهدف جمع القرار العسكري نفسه داخل مؤسسة واحدة، بحيث لا تبقى مراكز قرار مستقلة داخل الجيش، مهما كانت مكانة قادتها.
وبحسب التقديرات العسكرية، فإن نجاح هذا المشروع سيشكل نقطة التحول الحقيقية في مسار المؤسسة العسكرية السورية، لأنه سينقلها من نموذج قائم على تحالف تشكيلات مسلحة ذات ولاءات متعددة، إلى جيش دولة محترف يقوم على الانضباط، والتراتبية العسكرية، واحتكار الدولة للقوة، وهو الهدف الذي تعتبره القيادة السورية حجر الأساس لاستقرار المرحلة المقبلة.