كثّف الجيش المصري مؤخراً حملاته الأمنية على الحدود الجنوبية مع السودان، بالتوازي مع نشر سلسلة من الإصدارات المرئية بعنوان "درع الجنوب"، كاشفاً عن عملية واسعة تستهدف القضاء على شبكات التنقيب غير الشرعي عن الذهب، وتأمين المناطق الجبلية التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى بؤر تنشط فيها عصابات التهريب وعناصر مسلحة.
تأتي هذه الحملة في وقت تؤكد فيه مصادر أمنية وحكومية لـ"عربي بوست" أن ظاهرة "الدهابة" تجاوزت كونها نشاطاً اقتصادياً غير مشروع، لتتحول إلى تهديد أمني يرتبط بتسلل عناصر أجنبية، وتهريب الذهب والأسلحة والمخدرات، واستغلال الطبيعة الوعرة للحدود المصرية السودانية لإقامة شبكات إجرامية منظمة.
وتنظر القاهرة إلى تأمين الحدود الجنوبية باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع لمنع تشكل بؤر خارجة عن سيطرة الدولة، خاصة في ظل استمرار الحرب في السودان وما فرضته من تدفقات بشرية، وهو ما دفع الجيش والشرطة إلى تنفيذ حملة ممتدة تستهدف تطهير الجبال، وضبط المتورطين، وترحيل مئات السودانيين الذين دخلوا مصر بصورة غير قانونية.
حملة "درع الجنوب".. لماذا تتحرك مصر الآن؟
قالت مصادر أمنية مطلعة لـ"عربي بوست" إن حملة "درع الجنوب" التي ينفذها الجيش والشرطة في المحافظات الجنوبية لا تستهدف فقط وقف التنقيب غير الشرعي عن الذهب، بل تهدف إلى منع تحول المناطق الحدودية إلى ملاذ لعصابات منظمة يمكن أن تشكل تهديداً للأمن القومي المصري.
وأوضح مصدر أمني أن خطر "الدهابة" لم يعد يقتصر على استنزاف الثروات المعدنية، بل أصبح يرتبط بانتشار أعداد كبيرة من الخارجين عن القانون، بينهم متسللون قدموا من السودان مستفيدين من الفوضى التي خلفتها الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
وأدى الصراع الدائر في السودان إلى توسع عمليات التنقيب غير المشروع داخل حدود مصر، وخلق بؤر توتر مع بعض القبائل التي تنتشر في المناطق الجبلية، ما يرفع احتمالات اندلاع نزاعات قد تستغلها أطراف تسعى إلى الإضرار بالعلاقات بين القاهرة والخرطوم أو زعزعة الاستقرار في المناطق الحدودية.
واتخذت الحكومة خلال العامين الماضيين إجراءات لتشجيع التنقيب القانوني عن الذهب، وعدلت بعض التشريعات المنظمة لقطاع التعدين، بالتوازي مع الإعداد للحملة الأمنية التي انطلقت مطلع يونيو/ حزيران الماضي، والتي تستهدف إنهاء وجود البؤر الإجرامية داخل المناطق الجبلية الوعرة.
ووفقاً لمصدر "عربي بوست"، تحظى حملة "درع الجنوب" بدعم واسع من سكان المحافظات الجنوبية والقبائل المحلية، الذين تضرروا من انتشار المنقبين غير الشرعيين وما صاحبه من أعمال عنف وتهريب وارتفاع في معدلات الجريمة، لافتاً إلى أن التعاون مع الأهالي أسهم في توفير معلومات ميدانية ساعدت القوات الأمنية على الوصول إلى العديد من مواقع الاختباء.
وشدد المصدر على أن الدولة تسعى من خلال هذه العمليات إلى توجيه رسالة واضحة مفادها أن الحدود الجنوبية تخضع لسيطرة كاملة، وأنها لن تسمح بتكرار تجارب شهدتها مناطق أخرى في السابق، عندما استغلت جماعات إرهابية وشبكات تهريب الطبيعة الصحراوية الوعرة لبناء قواعد خارجة عن سلطة الدولة.
وتنظر الأجهزة الأمنية إلى العلاقة بين الجريمة المنظمة والإرهاب باعتبارها أحد أخطر التحديات، إذ إن شبكات تهريب السلاح والمخدرات كثيراً ما شكلت في السابق بيئة مواتية لظهور تنظيمات مسلحة، وهو ما يدفع القاهرة إلى التحرك المبكر لمنع تشكل تهديد مماثل على الحدود مع السودان، خاصة مع ورود معلومات عن وجود عصابات دولية تدعم بعض المتسللين العاملين في التنقيب غير المشروع عن الذهب.
من التنقيب العشوائي إلى "شبكات مسلحة"
أكدت مصادر حكومية مصرية لـ"عربي بوست" أن ظاهرة التنقيب غير الشرعي عن الذهب لم تعد نشاطاً فردياً يمارسه باحثون عن الرزق، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى شبكات منظمة تنشط في المناطق الجبلية الوعرة بالصحراء الشرقية وجنوب البحر الأحمر وأسوان، مستفيدة من قربها من الحدود السودانية وصعوبة الوصول إليها.
وأوضح المصدر أن "الدهابة" يتوجهون عادة إلى المناطق التي تعلن فيها الشركات المرخصة عن اكتشافات تعدينية جديدة، أو إلى مواقع يمتلكون معلومات مسبقة عن احتوائها على عروق الكوارتز الحاملة للذهب، مستخدمين أجهزة متطورة لكشف المعادن، وسيارات دفع رباعي، وجرافات ومعدات حفر ثقيلة، وأحياناً متفجرات لتفتيت الصخور.
ويقيم المنقبون داخل مخيمات جبلية مجهزة بالمياه والإمدادات، ويستخدمون وسائل اتصال يصعب تعقبها، فيما كشفت المعلومات الاستخباراتية استعانة بعض هذه الشبكات بعناصر مسلحة، بينهم مصريون وسودانيون، لتأمين مواقع التنقيب ومنع اقتراب قوات الأمن أو المنافسين.
وأشار المصدر إلى أن عمليات استخراج الذهب لا تتوقف عند الحفر، إذ تُنقل الصخور إلى مطاحن بدائية داخل الجبال، قبل صهر الذهب في قوالب أولية وتهريبه عبر مسارات جبلية غير شرعية باتجاه السودان، بعيداً عن القنوات الرسمية للدولة.
ولفت إلى أن الأشهر الماضية شهدت نزاعات متكررة بين بعض القبائل المصرية وشبكات التنقيب غير المشروع، كما اقتربت شركات تعدين تعمل بصورة قانونية من الاحتكاك بهذه المجموعات، قبل أن تتدخل الأجهزة الأمنية، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى التوسع في منح امتيازات التنقيب للشركات العالمية داخل المناطق الحدودية.
ضبط مئات وترحيل متسللين من السودان
بالتوازي مع العمليات الميدانية، واصل المتحدث العسكري للقوات المسلحة نشر حلقات من الإصدار المرئي "درع الجنوب"، مؤكداً أن التنقيب غير الشرعي عن الذهب لم يعد مجرد اعتداء على ثروات الدولة، بل تحول إلى نشاط إجرامي منظم يهدد الأمن القومي، ويغذي جرائم تهريب السلاح والمخدرات والبشر.
وأشار الإصدار إلى أن المناطق الجنوبية تقع ضمن حزام معدني غني بالثروات، وتشهد توسعاً في أعمال التعدين القانونية، إلا أن شبكات إجرامية استغلت الطبيعة الجبلية الوعرة لإقامة بؤر للتنقيب غير المشروع باستخدام معدات ثقيلة وسيارات دفع رباعي وأجهزة اتصال متطورة.
وأكد المتحدث العسكري أن هذه المجموعات تضم عناصر مصرية وأجنبية مسلحة، تورط بعضها في الاعتداء على قوات الجيش والشرطة، واستهداف شركات التعدين العاملة بصورة قانونية، الأمر الذي فرض تنفيذ حملة أمنية واسعة استندت إلى معلومات استخباراتية دقيقة لتفكيك هذه البؤر وتجفيف مصادر التهديد.
وأسفرت الحملة، بحسب القوات المسلحة، عن ضبط مئات المتورطين، ومصادرة معدات تنقيب ثقيلة، وسيارات دفع رباعي، وأجهزة اتصال لاسلكية، ومبالغ مالية، إلى جانب كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر، مع إحالة المقبوض عليهم إلى الجهات القضائية المختصة.
وفي السياق ذاته، أوضح مصدر حكومي لـ"عربي بوست" أن آلاف السودانيين الذين كانوا يمارسون التنقيب داخل الأراضي السودانية نقلوا أنشطتهم تدريجياً إلى الجانب المصري خلال العامين الماضيين، واستقر بعضهم في مناطق حدودية مثل الجبل الأبيض والجبل الأحمر وجبل العقيدات.
وأضاف أن السلطات المصرية رحّلت بالفعل المئات ممن سلموا أنفسهم طوعاً إلى الخرطوم، فيما يواصل الجيش توجيه نداءات إلى المتحصنين داخل الجبال لتسليم أنفسهم قبل توسيع نطاق العمليات العسكرية والأمنية، في إطار خطة تستهدف استعادة السيطرة الكاملة على المناطق الحدودية ومنع إعادة تشكل هذه البؤر الإجرامية.
كيف تغيّرت حياة الجنوب؟
لم تقتصر تداعيات التنقيب غير الشرعي عن الذهب على استنزاف الثروات المعدنية، بل امتدت إلى التأثير المباشر في حياة سكان المحافظات الجنوبية، وهو ما ركزت عليه حلقات الإصدار المرئي "درع الجنوب" من خلال شهادات لنواب وأهالي مرسى علم وحلايب وشلاتين.
وأكد المتحدث العسكري أن الظاهرة تحولت إلى خطر يهدد أمن المواطنين وأرزاقهم، بعدما فتحت الطرق الجبلية أمام تهريب الأسلحة والمخدرات، ووفرت ملاذاً للعناصر الخارجة عن القانون، ما انعكس على الحياة اليومية لسكان المناطق الحدودية.
وقال النائب علي نور، عضو مجلس النواب عن حلايب وشلاتين والبحر الأحمر، إن المشكلة لم تعد مرتبطة بسرقة الذهب فقط، وإنما أصبحت تمثل تهديداً مباشراً للأهالي المقيمين في المناطق الجبلية، فضلاً عن الإضرار بالبيئة الطبيعية واستنزاف الموارد التي تعد حقاً للدولة ولسكان الجنوب.
من جانبه، أوضح نصر محمود سعد أحمد، أحد أبناء قبائل العبابدة وصاحب عدد من الشركات، أن العناصر المتسللة إلى مناطق التنقيب غير الشرعي كانت تحمل معها أسلحة ومخدرات، مؤكداً أن هذه الأنشطة لم تكن معروفة في المنطقة قبل انتشار "الدهابة".
وأضاف أن الأموال التي يملكها المنقبون غير الشرعيون أدت إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات داخل المدن الجنوبية، بعدما أصبحوا يشترون احتياجاتهم بأسعار مرتفعة، وهو ما تسبب في زيادة أسعار المياه والمواد الغذائية والاحتياجات الأساسية، وألقى أعباءً إضافية على السكان المحليين.
وتؤكد المصادر الأمنية أن تعاون القبائل وسكان المناطق الحدودية لعب دوراً مهماً في دعم الحملات الأمنية، من خلال الإبلاغ عن تحركات العناصر الإجرامية وتقديم معلومات ميدانية ساعدت القوات على الوصول إلى العديد من أوكار التنقيب داخل الجبال.
الذهب والأمن القومي
تربط القاهرة بين نجاح حملاتها الأمنية وخططها للتوسع في قطاع التعدين، إذ تضم المنطقة الجنوبية احتياطيات كبيرة من الذهب، وفي مقدمتها منجم السكري، أحد أكبر 20 منجماً للذهب في العالم، والذي بلغ إنتاجه نحو 500 ألف أوقية خلال العام الماضي.
وتستهدف الحكومة رفع مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي من أقل من 1% حالياً إلى ما بين 5% و6% خلال السنوات المقبلة، عبر زيادة الاستثمارات وتسريع عمليات الاستكشاف والإنتاج، وهو ما يتطلب تأمين مناطق التعدين والقضاء على الأنشطة غير القانونية.
في هذا الإطار، تتواصل الحملات الأمنية بالتوازي مع الإجراءات القضائية، إذ صدر أخيراً حكم بالحبس لمدة عام بحق 450 شخصاً تورطوا في عمليات تنقيب غير مشروع داخل المناطق الجبلية والصحراوية بجنوب البحر الأحمر.
وكان المتحدث العسكري قد أعلن في 22 يونيو/ حزيران 2026 ضبط 223 شخصاً، بينهم 87 مصرياً و136 أجنبياً، خلال حملة استهدفت شبكات التنقيب غير المشروع، مع مصادرة سيارات دفع رباعي، ومعدات تنقيب، وأسلحة، وإحالة المتهمين إلى الجهات القضائية المختصة.
وترى مصادر أمنية لـ"عربي بوست" أن ما يجري يتجاوز حماية الثروة المعدنية، ليشكل جزءاً من استراتيجية أشمل لمنع تحول المناطق الحدودية إلى بؤر للجريمة المنظمة، في ظل استمرار الحرب في السودان، وتنامي نشاط شبكات التهريب العابرة للحدود، ما يفرض استمرار العمليات الأمنية إلى حين استعادة السيطرة الكاملة على المناطق الجبلية وإغلاق مسارات التسلل والتهريب بصورة نهائية.