لم يعد الخلاف حول سد النهضة الإثيوبي مقتصراً على النزاع السياسي والقانوني بين القاهرة وأديس أبابا، بل دخل مرحلة جديدة مع ظهور أولى المؤشرات العملية على تأثيرات تشغيل السد، بعد إعلان السودان انخفاضاً مؤقتاً في وارد مياه النيل الأزرق بسبب تراجع تصريفاته.
وبحسب معلومات حصل عليها "عربي بوست" من مصادر حكومية مصرية ومسؤولين في قطاع الموارد المائية، دفعت هذه التطورات القاهرة إلى تفعيل إجراءات فنية داخل السد العالي، بالتوازي مع تحرك دبلوماسي لحث واشنطن على الضغط على إثيوبيا للعودة إلى التنسيق بشأن تشغيل السد.
وتؤكد المصادر أن مصر لا تواجه حالياً خطراً مباشراً على إمدادات المياه بفضل مخزون بحيرة ناصر، لكن استمرار التشغيل الأحادي لسد النهضة، بالتزامن مع توقعات بسنوات جفاف، يثير مخاوف من تداعيات قد تمتد إلى الأمن المائي في مصر والسودان.
إنذار من السودان يحرك القاهرة
لم تنظر القاهرة إلى إعلان وزارة الري السودانية بشأن انخفاض وارد مياه النيل الأزرق باعتباره حادثاً عابراً، بل اعتبرته أول اختبار عملي للمخاطر التي حذرت منها منذ سنوات بشأن التشغيل الأحادي لسد النهضة.
يقول مصدر حكومي مصري لـ"عربي بوست" إن الجهات الفنية بدأت منذ مطلع الشهر الجاري متابعةً دقيقةً لتصرفات السد الإثيوبي عبر صور الأقمار الصناعية وبيانات الرصد، مع رصد تغيرات في كميات المياه الواردة إلى دولتي المصب.
ويضيف المصدر أن الدولة اتخذت إجراءات احترازية مبكرة بالاعتماد على مخزون بحيرة ناصر، بما يضمن استقرار الاحتياجات المائية وعدم تأثر المواطنين أو القطاعات الحيوية بأي انخفاض مؤقت في التدفقات.
لكن المخاوف، وفق المصدر، لا ترتبط فقط بكميات المياه، بل أيضاً بطريقة تشغيل السد، إذ لا تزال إثيوبيا ترفض التنسيق مع مصر والسودان بشأن مواعيد وكميات التصريف، كما لا تعمل جميع توربينات توليد الكهرباء بكامل طاقتها.
ويرى المصدر أن هذا النمط من التشغيل أدى إلى اضطراب تدفقات المياه، وهو ما انعكس سريعاً على السودان، حيث سجلت محطات الرصد انخفاضاً في المناسيب، فيما توقفت بعض محطات مياه الشرب عن العمل بصورة مؤقتة.
وتعتبر القاهرة، بحسب المصدر، أن ما حدث في السودان يمثل إنذاراً مبكراً لما قد تواجهه دولتا المصب إذا تزامن التشغيل الأحادي مع سنوات الجفاف التي تتوقعها منظمات دولية خلال الفترة المقبلة.
وتشير المصادر إلى أن غياب آلية ملزمة لتبادل البيانات قد يؤدي إلى انخفاض كبير في كميات المياه الواردة، ما ينعكس على الزراعة وإنتاج الكهرباء والأمن الغذائي، وليس فقط على إدارة الموارد المائية.
وتتوافق هذه القراءة مع بيان وزارة الري السودانية، التي ربطت انخفاض وارد النيل الأزرق مباشرة بتراجع تصريف سد النهضة، مؤكدةً في الوقت ذاته أن السد غيّر بالفعل الهيدرولوجيا الطبيعية للنهر، وهو ما ترى القاهرة أنه يعزز الحاجة إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم تشغيله بين الدول الثلاث.
إجراءات استثنائية في السد العالي
تؤكد مصادر حكومية مصرية لـ"عربي بوست" أن القاهرة بدأت بالفعل تنفيذ إجراءات فنية احترازية للتعامل مع أي تراجع محتمل في تدفقات مياه النيل، مستفيدةً من المخزون الاستراتيجي الذي راكمته في بحيرة ناصر خلال السنوات الماضية.
ويقول مصدر حكومي إن القرار الفني الأبرز تمثل في الاعتماد على مخزون السد العالي لتعويض أي انخفاض مؤقت في الوارد المائي، مع متابعة يومية للتغيرات في تصريفات سد النهضة وتحديث سيناريوهات إدارة المياه.
ويضيف المصدر أن مصر لا تواجه حالياً أزمة مائية، وأن السد العالي قادر على امتصاص آثار انخفاض التصريفات لعدة سنوات، دون أن يشعر المواطنون بأي نقص مباشر في مياه الشرب أو الاستخدامات الأساسية.
لكن استمرار هذا الوضع، بحسب المصدر، سيؤدي إلى زيادة كلفة إدارة الموارد المائية، سواء عبر التوسع في مشروعات تحلية المياه أو إعادة ترتيب أولويات الاستخدام الزراعي للمياه، خاصة بالنسبة إلى المحاصيل كثيفة الاستهلاك.
كما اتخذت الدولة، وفق المصدر، خطوات فنية شملت تطوير مفيضات السد العالي، ورفع كفاءة إدارة بحيرة ناصر، إلى جانب مواصلة برامج ترشيد استهلاك المياه والتوسع في إعادة استخدام المياه المعالجة.
وتتزامن هذه الإجراءات مع اجتماعات دورية للجنة الدائمة لتنظيم إيراد نهر النيل، التي تتابع بصورة مستمرة تطورات تشغيل سد النهضة، وتُحدِّث خطط إدارة المنشآت المائية وفق المتغيرات التي تطرأ على تدفقات النهر.
وأكد وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم، خلال الاجتماع الأخير للجنة، أن السد العالي يظل "حصن الأمان" للأمن المائي المصري، مشدداً على استمرار الرصد اللحظي لتطورات تشغيل السد الإثيوبي والتنسيق بين جميع الجهات المعنية.
لماذا تضغط مصر على واشنطن؟
بالتوازي مع الإجراءات الفنية، تتحرك القاهرة دبلوماسياً لإعادة تنشيط المسار السياسي الخاص بسد النهضة، مستفيدةً من تعهدات سابقة للرئيس الأميركي دونالد ترامب بإعطاء الملف أولوية خلال ولايته.
ويكشف مصدر حكومي لـ"عربي بوست" أن مصر تكثف اتصالاتها مع واشنطن لدفعها إلى ممارسة ضغوط على إثيوبيا، بهدف استئناف التنسيق مع دولتي المصب والتوصل إلى آلية واضحة لتبادل البيانات الخاصة بتشغيل السد.
ويؤكد المصدر أن الأزمة الحالية أعادت إبراز الحاجة إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم تشغيل السد، خصوصاً خلال سنوات الجفاف، معتبراً أن ما حدث في السودان يقدم دليلاً عملياً على مخاطر استمرار الإدارة الأحادية للمشروع.
ويرى المصدر أن التحرك الأميركي بات أكثر أهمية في ظل تعثر مسار المفاوضات منذ عام 2024، واستمرار أديس أبابا في رفض أي التزامات قانونية بشأن قواعد التشغيل والملء.
وفي السياق نفسه، يؤكد مسؤول في وزارة الموارد المائية والري أن ما جرى في السودان يمثل "إنذاراً مبكراً"، ويستدعي تدخلاً دولياً لمنع تحول الأزمة إلى تهديد إنساني يطال ملايين السكان في مصر والسودان.
ويضيف أن تبادل المعلومات المسبقة حول كميات التصريف لا يقل أهمية عن حجم المياه نفسه، لأنه يسمح لدولتي المصب بإدارة مخزون السدود بكفاءة، ويحد من مخاطر الجفاف أو الفيضانات المفاجئة.
وكانت القاهرة قد جددت هذا الموقف خلال لقاءات دبلوماسية أخيرة مع مسؤولين أميركيين، كما أكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن الأمن المائي يمثل قضية وجودية لمصر، وأن أي تشغيل أحادي لسد النهضة يخالف قواعد القانون الدولي الخاصة بالأنهار العابرة للحدود.
لماذا تتخوف مصر من المرحلة المقبلة؟
لا ترى القاهرة أن المشكلة تقتصر على انخفاض مؤقت في تدفقات المياه، بل تعتبر أن الخطر الحقيقي يكمن في تزامن التشغيل الأحادي لسد النهضة مع سنوات جفاف متوقعة على حوض النيل الأزرق.
ويقول مسؤول في وزارة الموارد المائية والري لـ"عربي بوست" إن ما حدث في السودان يمثل مؤشراً مبكراً لما قد تواجهه دولتا المصب إذا استمرت إثيوبيا في إدارة السد دون تنسيق أو تبادل للبيانات.
ويضيف أن التقديرات تشير إلى احتمال تراجع إيراد نهر النيل هذا العام بنحو 10 مليارات متر مكعب، ليصل إلى نحو 74 مليار متر مكعب بدلاً من 84 ملياراً في السنوات الطبيعية.
وبحسب المصدر، فإن استمرار هذا الوضع سيزيد الضغوط على قطاعات الزراعة وإنتاج الكهرباء، كما سيرفع كلفة إدارة الموارد المائية في مصر والسودان خلال السنوات المقبلة.
ويحذر المصدر من أن غياب التنسيق لا يهدد فقط بفترات الجفاف، بل قد يؤدي أيضاً إلى فيضانات مفاجئة إذا قررت إثيوبيا إطلاق كميات كبيرة من المياه دون إخطار مسبق، كما حدث في مواسم سابقة.
ويرى أن تبادل المعلومات المسبقة حول تشغيل السد أصبح ضرورة فنية، لأنه يمنح دولتي المصب الوقت الكافي لإدارة السدود والمنشآت المائية وتقليل الخسائر المحتملة.
ويؤكد خبراء في ملف المياه أن صور الأقمار الصناعية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تحل محل التنسيق المباشر، إذ لا توفر جميع البيانات اللازمة لإدارة التدفقات اليومية بكفاءة.
هل ينجح الضغط الدولي في تغيير موقف إثيوبيا؟
تؤكد المصادر المصرية أن الحل المستدام للأزمة لا يكمن في الإجراءات الفنية وحدها، وإنما في التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم ملء وتشغيل سد النهضة، خاصة خلال سنوات الجفاف.
ويقول مصدر حكومي لـ"عربي بوست" إن ما يشهده السودان حالياً يمنح مصر أوراقاً إضافية لإثبات وقوع أضرار فعلية على دولتي المصب نتيجة الإدارة الأحادية للسد.
ويضيف أن هذه التطورات تعزز الموقف القانوني للقاهرة والخرطوم، وتزيد الضغوط الدولية على إثيوبيا للالتزام بقواعد استخدام الأنهار الدولية وتبادل البيانات بصورة منتظمة.
وتأتي هذه التحركات في وقت توقفت فيه مفاوضات سد النهضة منذ عام 2024، بعدما أعلنت القاهرة تعثرها بسبب ما وصفته بغياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي.
وفي الأسابيع الأخيرة، أعادت مصر طرح الملف خلال لقاءات مع مسؤولين أميركيين، إذ شدد وزير الخارجية بدر عبد العاطي على أن الأمن المائي يمثل قضية وجودية، وأن الإجراءات الأحادية في حوض النيل الشرقي تتعارض مع القانون الدولي.
كما سبق أن أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في يونيو/ حزيران 2026، أن قضية نهر النيل تمثل أولوية للأمن القومي المصري، فيما تعهد ترامب، وفق الرئاسة المصرية، بإيلاء الملف أولوية والعمل على التوصل إلى تسوية عادلة.
وترى المصادر أن نجاح الضغوط الدولية سيظل مرهوناً بمدى استعداد إثيوبيا للتخلي عن سياسة فرض الأمر الواقع، والقبول بآلية دائمة للتنسيق مع مصر والسودان، بما يحقق مصالح الدول الثلاث ويجنب المنطقة أزمات مائية متكررة.
كيف غيّر سد النهضة طبيعة نهر النيل؟
لا تقتصر المخاوف المرتبطة بسد النهضة على احتمال انخفاض تدفقات المياه، إذ يحذر خبراء من أن التشغيل غير المنسق قد يجعل دولتي المصب تواجهان تقلبات حادة بين الجفاف والفيضانات خلال العام نفسه.
وبحسب الهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (إيغاد)، فإن أجزاء واسعة من القرن الأفريقي مرشحة هذا العام لتسجيل أمطار أقل من معدلاتها الطبيعية، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة خلال موسم الأمطار الرئيسي.
وتشير توقعات المنظمة إلى أن النصف الثاني من العام قد يشهد تبايناً مناخياً حاداً، مع احتمال تحول الأمطار خلال الأشهر الأخيرة إلى معدلات أعلى من الطبيعي في بعض المناطق، بما يزيد من مخاطر السيول والفيضانات.
ويقول خبير مصري في ملف المياه لـ"عربي بوست" إن هذه التغيرات المناخية تجعل التنسيق بين الدول الثلاث أكثر إلحاحاً، لأن إدارة السد بصورة منفردة قد تضاعف آثار الجفاف أو الفيضانات بدلاً من الحد منها.
ويضيف أن تبادل المعلومات المسبقة حول تشغيل السد يسمح لمصر والسودان بإدارة مخزون السدود والمنشآت المائية بكفاءة، بينما لا تكفي صور الأقمار الصناعية وحدها لتوفير البيانات اللازمة لاتخاذ القرارات اليومية.
ويحذر الخبير من أن غياب التفاهمات السياسية قد يسمح بإطلاق كميات كبيرة من المياه دون تنسيق مسبق، وهو ما قد يسبب أضراراً للأراضي الزراعية والمنشآت المائية، خصوصاً في السودان.
وتزداد هذه المخاوف مع استمرار إثيوبيا في رفض إبرام اتفاق ملزم بشأن تشغيل السد، رغم وصول حجم المياه المخزنة إلى نحو 74 مليار متر مكعب، وتمسكها بأن المشروع لن يؤثر على حصص دولتي المصب.
وترى القاهرة أن التحدي لم يعد مرتبطاً ببناء السد أو اكتمال ملئه، بل بطريقة تشغيله خلال السنوات المقبلة، في ظل تغيرات مناخية متسارعة تجعل التنسيق المسبق ضرورة لتجنب أزمات مائية متكررة في حوض النيل.
هل تقترب أزمة سد النهضة من مرحلة جديدة؟
تكشف التطورات الأخيرة أن أزمة سد النهضة دخلت مرحلة مختلفة، لم تعد تقتصر على الخلافات حول قواعد الملء والتشغيل، بل بدأت تظهر آثارها العملية على تدفقات المياه في دولتي المصب، وهو ما أعاد الملف إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي.
وبينما تؤكد القاهرة قدرتها على تجاوز التأثيرات الحالية بفضل مخزون السد العالي، فإنها ترى أن استمرار التشغيل الأحادي سيجعل إدارة الموارد المائية أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا تزامن مع سنوات جفاف متتالية.
وفي المقابل، تراهن مصر على تحريك المسار الدبلوماسي، مستفيدةً من المؤشرات التي أظهرت تأثر السودان بتراجع تصريفات سد النهضة، لإقناع الأطراف الدولية بضرورة استئناف المفاوضات على أساس اتفاق قانوني ملزم.
لكن حتى الآن، لا تبدو هناك مؤشرات على تغيير في الموقف الإثيوبي، الذي لا يزال يتمسك بحق إدارة السد وفق رؤيته، ويرفض الالتزام بآلية دائمة لتبادل البيانات مع مصر والسودان.
وبين الاستعدادات الفنية داخل مصر، والتحركات السياسية في الخارج، يبقى مستقبل الأزمة مرتبطاً بقدرة الأطراف الثلاثة على التوصل إلى صيغة توازن بين احتياجات التنمية في إثيوبيا، وحقوق دولتي المصب في الأمن المائي.
وإلى أن يتحقق ذلك، تبدو القاهرة ماضيةً في الجمع بين إدارة المخاطر داخلياً، وتكثيف الضغوط الدبلوماسية خارجياً، تحسباً لمرحلة قد تكون الأكثر حساسية منذ بدء تشغيل سد النهضة.