مصر وملف الوافدين: حملات أمنية لتقنين الأوضاع ورهان على 1.3 مليار دولار لدعم استضافة اللاجئين

عربي بوست
تم النشر: 2026/07/07 الساعة 18:39 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/07/07 الساعة 18:39 بتوقيت غرينتش
تشديد المراقبة على المقيمين بشكل غير قانوني في مصر/ عربي بوست

كشفت مصادر مصرية مطلعة أن الحملات الأمنية المكثفة التي تشهدها البلاد لضبط مخالفي الإقامة تمثل جزءاً من خطة حكومية أوسع لإعادة تنظيم ملف الوافدين في مصر، بالتزامن مع بدء تنفيذ قانون اللجوء الجديد، وإنشاء "اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين" التي ستتولى إدارة هذا الملف بدلاً من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

ويأتي ذلك في وقت تسعى فيه القاهرة إلى حصر الأعداد الفعلية للمقيمين، وتقنين أوضاعهم، وتعزيز موقفها أمام الشركاء الدوليين للمطالبة بدعم مالي أكبر لتقاسم أعباء الاستضافة. وتعتبر القاهرة أن نجاحها في الحد من الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا، وتوفير الخدمات الأساسية للوافدين، يفرض دعماً مالياً يتناسب مع حجم الأعباء التي تتحملها الدولة.

وألقت السلطات القبض خلال الأشهر الماضية على عشرات الآلاف ممن دخلوا البلاد بطرق غير شرعية أو أقاموا من دون أوراق قانونية، في إطار إجراءات تستهدف الحد من الهجرة غير النظامية، ومنع استخدام مصر كنقطة عبور، وتنفيذ متطلبات قانون اللجوء الجديد، الذي يمنح الدولة للمرة الأولى صلاحية إدارة طلبات اللجوء وتنظيم أوضاع اللاجئين والمهاجرين. 

لماذا كثفت مصر حملات تقنين أوضاع الوافدين؟

تقول مصادر مصرية مطلعة لـ"عربي بوست" إن الحملات الأمنية التي تنفذها السلطات خلال الأشهر الأخيرة لا تستهدف فقط ضبط مخالفي الإقامة، وإنما تمثل جزءاً من خطة أوسع لتقنين أوضاع الوافدين، والحد من الهجرة غير النظامية، بالتزامن مع بدء تنفيذ قانون اللجوء الجديد.

وأوضح مصدر مصري مطلع أن الحكومة ألقت القبض على عشرات الآلاف ممن دخلوا البلاد بطرق غير شرعية أو أقاموا من دون أوراق ثبوتية، في إطار إجراءات تهدف إلى تنظيم وجود الأجانب على الأراضي المصرية، والحد من استخدام مصر كنقطة عبور إلى دول أخرى، بعدما تكررت عمليات التسلل إلى الأراضي الليبية وإلى دول عربية وإفريقية مطلة على البحر المتوسط في طريقها إلى أوروبا.

وأضاف المصدر أن جهود الدولة لضبط الأوضاع مستمرة، وستشهد إجراءات أكثر حسماً خلال المرحلة المقبلة مع تطبيق قانون اللجوء الجديد، مشيراً إلى أن الهدف لا يقتصر على ضبط المخالفين، بل يشمل أيضاً استكمال إجراءات الإقامة، ما فيها الإقامات السارية التي أصبحت تحتاج إلى تسويات جديدة بعد دخول القانون حيز التنفيذ.

هذه الإجراءات خلقت حالة من الارتباك لدى عدد من الوافدين الذين لا يملكون معرفة كافية بالمتطلبات الجديدة، إلا أن الدولة تستهدف إجراء حصر شامل لجميع المقيمين، ومراجعة أوضاعهم القانونية، ما يسمح بتقديم بيانات وإحصاءات دقيقة للجهات الدولية حول الأعداد الفعلية للوافدين وحجم الإنفاق الذي تتحمله مصر لاستضافتهم.

وأشار مصدر "عربي بوست" إلى أن الدعم الدولي الحالي يقتصر في معظمه على اللاجئين المسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وهو ما لا يعكس، بحسب قوله، العدد الحقيقي للأجانب المقيمين في البلاد.

وفي السياق نفسه، أوضح المصدر أن مصر تستعد لانتقال إدارة ملف اللجوء إلى "اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين" التابعة لرئيس مجلس الوزراء، والتي ستتولى مستقبلاً إدارة شؤون اللاجئين وإعداد قواعد البيانات الخاصة بهم، إضافة إلى البت في طلبات اللجوء وتحديد الصفة القانونية للاجئين، بدلاً من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وأكد أن اللجنة الجديدة لا تزال في طور التشكيل، وأن عملية تقنين أوضاع المقيمين ستستغرق وقتاً، نظراً إلى وجود ملايين الأجانب الذين دخل قسم كبير منهم عبر شبكات التهريب خلال السنوات الماضية، مقابل أقلية تمتلك إقامات قانونية وأوراقاً ثبوتية.

وتأتي هذه الإجراءات بالتزامن مع تشديد السلطات الرقابة على الحدود. فقد أعلن الجيش المصري، الأسبوع الماضي، أن قوات حرس الحدود تمكنت من إحباط 115 واقعة تسلل وهجرة غير شرعية، وضبط 99,886 شخصاً من جنسيات مختلفة، إضافة إلى مصادرة أسلحة ومواد مخدرة وبضائع ومعدات تجاوزت قيمتها 40 مليار جنيه، مع إحالة جميع الوقائع إلى جهات الاختصاص لاتخاذ الإجراءات القانونية.

كما كثفت السلطات حملاتها في عدد من المناطق لتوقيف المخالفين لشروط الإقامة، ورحّلت آلاف الوافدين خلال الأشهر الماضية، بالتوازي مع اتخاذ إجراءات لتسهيل العودة الطوعية للراغبين في مغادرة البلاد.

ووفق الأرقام الرسمية السودانية، عاد حتى نهاية العام الماضي 428,676 شخصاً بصورة طوعية، بينما تشير تقديرات غير رسمية لـ"لجنة الأمل للعودة الطوعية" إلى أن عدد الراغبين في العودة قد يصل إلى نحو 900 ألف شخص. 

قانون اللجوء الجديد والوافدين في مصر

يمثل قانون لجوء الأجانب نقطة التحول الرئيسية في المقاربة المصرية لملف اللاجئين، إذ يعد أول تشريع مستقل ينظم أوضاع اللاجئين وطالبي اللجوء داخل البلاد، بعد عقود تولت خلالها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بالتنسيق مع الحكومة المصرية، مسؤولية تسجيل اللاجئين ودراسة طلباتهم.

وأكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال لقائه المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم صالح، أن صدور القانون يمثل "خطوة تاريخية في مسيرة الدولة المصرية لتعزيز الإطار التشريعي الوطني المنظم لقضايا اللجوء".

وفي السياق نفسه، أوضحت المنسقة المقيمة للأمم المتحدة في مصر، إيلينا بانوفا، أن الرقم المتداول بشأن استضافة مصر لنحو 1.1 مليون لاجئ يمثل فقط عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ولا يعكس العدد الإجمالي للأجانب والمهاجرين الذين تستضيفهم البلاد.

وبحسب البيانات الرسمية، تستضيف مصر نحو 10.5مليون أجنبي ومهاجر ولاجئ من جنسيات مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون، موزعين على 133 جنسية، ويشكلون نحو 8.7% من إجمالي السكان، بينما يتركز 56% منهم في 5 محافظات، تتصدرها القاهرة الكبرى، وهو ما يفرض ضغوطاً إضافية على الخدمات العامة والبنية التحتية.

وفي هذا الإطار، يؤكد مصدر مصري مطلع لـ"عربي بوست" أن الحكومة تسعى إلى بناء قاعدة بيانات دقيقة لجميع المقيمين على الأراضي المصرية، حتى تتمكن من إدارة الملف وفق القانون الجديد، وربط حجم الإنفاق الفعلي الذي تتحمله الدولة بالأعداد الحقيقية للوافدين، بدلاً من الاعتماد على أرقام المسجلين لدى المفوضية فقط.

ويضيف المصدر أن مصر توفر خدمات عديدة للاجئين، ورغم أن المقيمين بصورة قانونية يتحملون في الغالب نفقات تعليم أبنائهم والعلاج في المستشفيات الخاصة، فإنهم يستفيدون، مثل المواطنين، من عدد من السلع والخدمات المدعومة، ومنها الوقود والكهرباء والغاز، وهو ما يزيد الأعباء المالية التي تتحملها الدولة، ويعزز مطالبتها بالحصول على دعم دولي أكبر. 

ويؤكد المصدر أن الهدف من استكمال إجراءات تقنين الأوضاع لا يقتصر على تطبيق القانون، وإنما يمتد إلى تمكين الدولة من إدارة الملف بصورة أكثر دقة، والاستعداد لانتقال كامل الصلاحيات إلى "اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين"، التي ستصبح الجهة الوطنية المختصة بتسجيل اللاجئين، والبت في طلباتهم، وإدارة قواعد البيانات الخاصة بهم، في إطار المنظومة الجديدة التي تعتمدها القاهرة. 

القاهرة تراهن على دعم أوروبي ودولي أكبر

بالتوازي مع تطبيق قانون اللجوء الجديد، تواصل القاهرة مطالبة المجتمع الدولي بتحمل جانب أكبر من أعباء استضافة اللاجئين، معتبرة أن حجم الإنفاق الذي تتحمله الدولة يفوق بكثير حجم الدعم الذي تحصل عليه.

وقبل أيام، بحث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم صالح أوضاع اللاجئين والوافدين في مصر، مؤكداً حرص الدولة على توفير الخدمات الأساسية لهم في حدود إمكاناتها، مع ضمان احترام القوانين المصرية والالتزامات الدولية، ومشدداً على أن مصر لم تستخدم يوماً قضية اللاجئين لتحقيق أهداف سياسية.

وأشار السيسي إلى أهمية تفعيل مبدأ "تقاسم الأعباء والمسؤوليات"، وزيادة الدعم الدولي الموجه إلى مصر، إلى جانب دعم المنظومة الوطنية الجديدة الجاري استكمالها لإدارة ملف اللجوء.

من جانبه، أكد المفوض السامي برهم صالح حرص المفوضية على تعزيز تعاونها مع الحكومة المصرية في حماية اللاجئين ودعم المجتمعات المستضيفة، مشيداً بالجهود التي تبذلها مصر في استضافة ملايين الأجانب واللاجئين، ومشدداً على ضرورة توفير دعم دولي حقيقي يتناسب مع حجم الأعباء التي تتحملها.

وفي السياق ذاته، قال مصدر مصري مطلع لـ"عربي بوست" إن القاهرة تتحرك على أكثر من مسار لضمان تقاسم أعباء استضافة اللاجئين، مشيراً إلى وجود تفاهم مع الاتحاد الأوروبي بشأن تقديم دعم مالي بقيمة 1.3 مليار دولار، يهدف إلى مساعدة القاهرة في مواجهة التحديات المرتبطة بملف اللاجئين.

وأضاف المصدر أن هذا الدعم سيساعد أيضاً في استكمال عمليات حصر اللاجئين، والتعرف على أوضاع من دخلوا البلاد خلال سنوات الاضطرابات التي شهدتها دول الجوار، ما يتيح بناء قاعدة بيانات أكثر دقة.

وتتحمل مصر أعباء مالية كبيرة نتيجة توفير الخدمات للاجئين، فإلى جانب استفادتهم من عدد من السلع المدعومة، تتحمل الدولة ضغوطاً متزايدة على البنية التحتية والخدمات العامة، وهو ما يدفعها إلى المطالبة باستمرار دعم الجهات المانحة وزيادته.

ويرى محلل سياسي مصري أن الموازنة العامة تتحمل سنوياً نفقات ضخمة تتعلق بالخدمات الأساسية، والصحة، والتعليم، والبنية التحتية، والأمن، نتيجة استضافة ملايين الوافدين، لافتاً إلى أن الاتحاد الأوروبي يدرك أهمية الدور الذي تقوم به مصر في منع الهجرة غير النظامية، وهو ما يجعل الإجراءات المصرية لتنظيم أوضاع اللاجئين لا تواجه اعتراضات واسعة على المستوى الدولي، باستثناء بعض الانتقادات الصادرة عن منظمات حقوقية بشأن آليات التعامل الأمني مع المخالفين.

ويضيف المحلل أن القاهرة تبدو في طريقها للحصول على دعم مالي أوروبي جديد، في ظل إدراك متزايد داخل أوروبا بأن استقرار مصر وقدرتها على إدارة ملف الهجرة واللجوء يمثلان مصلحة مشتركة للطرفين. 

القاهرة بين الالتزامات الإنسانية والمتطلبات الأمنية

يأتي تشديد الإجراءات الحكومية في وقت تؤكد فيه القاهرة أنها تواصل التعامل مع ملف اللاجئين من منظور إنساني، رغم التحديات الاقتصادية والأمنية التي تواجهها.

وقال مصدر مصري مطلع لـ"عربي بوست" إن الدولة التزمت طوال السنوات الماضية بتوفير الخدمات الأساسية وإتاحة اندماج الوافدين داخل المجتمع، لكنها في المقابل تسعى إلى تنظيم وجودهم بما ينسجم مع القانون الجديد ويحفظ الأمن القومي. 

وأشار المصدر إلى أن هناك منحة أوروبية بقيمة 600 مليون يورو جاءت تقديراً للجهود المصرية في مكافحة الهجرة غير الشرعية واستضافة اللاجئين، إلا أن القاهرة تطالب بمضاعفة هذا الدعم، في ظل ما تتحمله من أعباء اقتصادية انعكست على المواطنين، ولا سيما مع ارتفاع الطلب على السكن وبعض السلع والخدمات.

ولم يعد يُنظر إلى قضية اللاجئين في الداخل المصري باعتبارها عبئاً اقتصادياً فقط، بل أصبحت تثير أيضاً مخاوف أمنية وديموغرافية لدى قطاعات من الرأي العام، في ظل استمرار تدفق الوافدين، واتجاه أعداد متزايدة منهم إلى الاستقرار الدائم داخل البلاد حتى بعد تحسن الأوضاع في دولهم الأصلية.

وفي هذا السياق، أكدت الهيئة العامة للاستعلامات في مصر، رداً على تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية، أن ملايين السودانيين المقيمين في مصر يمارسون حياتهم بصورة طبيعية، وأن الحكومة تواصل توفير الرعاية والخدمات لهم، في إطار التزاماتها الإنسانية والقانونية.

وتشير مجمل الإجراءات التي اتخذتها القاهرة خلال الأشهر الأخيرة إلى أن تطبيق قانون اللجوء الجديد يمثل بداية مرحلة مختلفة في إدارة ملف الوافدين، تقوم على الانتقال من إدارة مشتركة مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى منظومة وطنية تتولى تسجيل اللاجئين، وتقنين أوضاعهم، وإدارة قواعد البيانات الخاصة بهم.

وفي الوقت نفسه، تواصل مصر ربط هذا التحول بمطلبها الأساسي المتمثل في تقاسم الأعباء مع المجتمع الدولي، مستندة إلى ما تعتبره دوراً محورياً في استضافة ملايين اللاجئين ومنع الهجرة غير النظامية نحو أوروبا.

وبين متطلبات الأمن، والضغوط الاقتصادية، والالتزامات الإنسانية، تبدو القاهرة مقبلة على مرحلة ستسعى خلالها إلى تحقيق توازن بين تنظيم وجود الوافدين والحفاظ على التزاماتها الدولية، مع تعزيز موقفها في الحصول على دعم مالي يتناسب مع حجم الأعباء التي تتحملها.

تحميل المزيد