تفاصيل عن تعاون عسكري بين مصر وتركيا يتجاوز المصالحة، هل يعيد رسم موازين القوى في المنطقة؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/07/06 الساعة 17:26 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/07/06 الساعة 17:26 بتوقيت غرينتش
التعاون العسكري بين مصر وتركيا يتعمق أكثر/ عربي بوست

تجاوز التعاون العسكري بين مصر وتركيا مرحلة استعادة العلاقات والتدريبات المشتركة، ليدخل مرحلة أكثر تقدماً تقوم على تنفيذ اتفاقيات تعاون دفاعي، وتعميق التصنيع العسكري المشترك، وتبادل المعلومات، وتوسيع التنسيق الاستخباراتي، في مسار تقول مصادر عسكرية إنه بدأ ينعكس بصورة مباشرة على عدد من الملفات الإقليمية.

وبحسب مصادر "عربي بوست"، فإن هذا التقارب يأتي استجابة لتحولات استراتيجية شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين، بدءاً من الحرب الإسرائيلية على غزة، مروراً بالتصعيد في لبنان والحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وصولاً إلى التوترات في البحر الأحمر ومحاولات فرض وقائع جديدة في القرن الإفريقي.

وفي هذا السياق، تشير المعطيات إلى أن مصر وتركيا لم تعودا تنظران إلى التعاون العسكري باعتباره مجرد تبادل للتدريبات أو الزيارات الرسمية، بل أداةً لتنسيق المواقف تجاه الأزمات الإقليمية، وتطوير القدرات الدفاعية المشتركة، وبناء إطار أوسع للتعاون الأمني يمكن أن يمتد مستقبلاً إلى قوى إقليمية أخرى.

من المصالحة السياسية إلى الشراكة العسكرية

أثار تكرار التدريبات والمناورات العسكرية المشتركة بين مصر وتركيا، إلى جانب توقيع اتفاقية إطارية لتبادل المعلومات خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة في فبراير/ شباط الماضي، تساؤلات حول طبيعة المرحلة الجديدة التي وصلت إليها العلاقات العسكرية بين البلدين، خاصة مع توالي اجتماعات القيادات العسكرية والتفاهمات المتعلقة بتعميق التصنيع العسكري المشترك.

وقال مصدر عسكري مصري لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن التقارب العسكري بين القاهرة وأنقرة وصل إلى مراحل متقدمة، مع بدء تنفيذ اتفاقيات تعاون عسكري، إلى جانب تعاون في مجال التصنيع العسكري المشترك والاستفادة من الخبرات الصناعية لدى البلدين.

وهذا التعاون، يضيف المصدر، يستند أيضاً إلى تفاهمات سياسية في عدد من الملفات الإقليمية، بعد انتقال البلدين من مرحلة التنافس على النفوذ إلى مرحلة التعاون من أجل احتواء الصراعات، والتصدي لمحاولات إعادة رسم خريطة المنطقة بما يخدم أطرافاً بعينها.

وأكد المصدر ذاته أن التعاون بين القاهرة وأنقرة دفاعي بالأساس، ويستهدف الحفاظ على توازن القوى، وإثبات أن المنطقة لا تزال تضم قوى إقليمية مؤثرة لا يمكن تجاوزها، ويسهم هذا التعاون في خلق توازن عسكري يدعم استقرار الدول التي تعاني من صراعات منذ سنوات، ويفتح المجال أمام تسويات تحافظ على وحدة هذه الدول، وتمنع انتقال الفوضى إلى مناطق أخرى.

وانعكس هذا التناغم السياسي والاقتصادي بين البلدين بصورة إيجابية على التعاون العسكري، وفتح مسارات أكثر عمقاً للتنسيق، بعد تجاوز الجزء الأكبر من الملفات الخلافية التي أثرت في العلاقات خلال السنوات الماضية، وفق ما قاله المصدر العسكري لـ"عربي بوست".

وأضاف أن نجاح هذا التقارب قد يمهد لتعاون أوسع مع دول إقليمية أخرى، وفي مقدمتها السعودية وباكستان. وتشمل الشراكة العسكرية التعاون في تصنيع الطائرات المسيّرة، وتوسيع التدريبات الجوية المشتركة، مع وجود توجه لإنتاج منظومات عسكرية مشتركة تلبي احتياجات البلدين، وتفتح في الوقت نفسه أسواقاً جديدة للصناعات الدفاعية المصرية والتركية.

وشدد المتحدث على أن القاهرة وأنقرة حريصتان على أن يبقى هذا التعاون دفاعياً، ويحافظ على المصالح المشتركة، بعيداً عن أي توجهات هجومية، مؤكداً أن الهدف النهائي يتمثل في دعم الاستقرار وإرساء توازن إقليمي يحول دون انفراد أي طرف بإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.

لماذا تتقارب مصر وتركيا الآن؟

يرى المصدر العسكري المصري أن التقارب بين مصر وتركيا لا يمكن فصله عن التحولات التي شهدتها المنطقة مؤخراً، بدءاً من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، مروراً بالعدوان الإسرائيلي على لبنان، ثم الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وصولاً إلى التحركات الإسرائيلية في جنوب البحر الأحمر عبر إقليم أرض الصومال الانفصالي.

ويقول المصدر لـ"عربي بوست" إن هذه التطورات دفعت البلدين إلى الانتقال من إدارة الخلافات إلى بناء شراكة دفاعية تهدف إلى الحفاظ على توازن القوى، ومنع أي محاولات لإعادة رسم خريطة المنطقة لصالح طرف واحد، مع التأكيد أن التعاون العسكري بينهما يظل ذا طبيعة دفاعية ولا يستهدف أي دولة بعينها.

وأضاف أن القاهرة وأنقرة نجحتا أيضاً في تجاوز القيود التي حاولت بعض القوى فرضها على حصولهما على منظومات تسليح متطورة، وهو ما عزز توجههما نحو الاعتماد على التصنيع العسكري المحلي، والاستفادة من خبرات الدول الصديقة، وتوسيع التعاون الدفاعي بينهما.

وهذا التوجه يفسر تكثيف التدريبات العسكرية المشتركة، سواء الثنائية أو متعددة الأطراف، إلى جانب تنامي اللقاءات العسكرية والاستخباراتية والدبلوماسية التي تجمع البلدين مع السعودية وباكستان، مؤكداً أنه لا توجد لدى القاهرة أو أنقرة تحفظات على توسيع هذه الشراكات إذا كانت ستسهم في بناء منظومة أمنية تقوم على توازن القوى، وليس على دعم مشروع توسعي لطرف واحد.

وأشار المصدر إلى أن الطرح الذي قدمه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه وزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان، بشأن إنشاء إطار للتعاون بين الدول الأربع، ينسجم مع الرؤية المصرية لإقامة آلية أمنية تشارك في صياغة الترتيبات الجيوسياسية الجديدة في المنطقة، معتبراً أن تصاعد التنسيق مع تركيا يمثل خطوة أساسية في هذا الاتجاه، بانتظار توافق بقية الأطراف.

ولفت إلى أن تعدد بؤر التوتر، سواء في المناطق المرتبطة بالأمن القومي المصري أو تلك التي تدخل ضمن دوائر النفوذ التركي، جعل التنسيق العسكري بين البلدين ضرورة تفرضها تطورات المرحلة، وليس مجرد خيار سياسي.

وفي هذا السياق، شهدت الأشهر الأخيرة تكثيفاً للتدريبات العسكرية المشتركة بين مصر وتركيا. ففي الأسبوع الماضي، أعلن الجيش التركي تنفيذ التدريب الجوي الثلاثي "نسر الأناضول 2026" بمشاركة مصر وتركيا وأذربيجان.

وأوضحت وزارة الدفاع التركية أن المناورات استمرت حتى 3 يوليو/ تموز، وهدفت إلى رفع القدرات التشغيلية وتطبيق إجراءات فنية وتكتيكية جديدة، بمشاركة مقاتلتين من طراز "سو-25" أذريتين، و5 مقاتلات مصرية من طراز "إف-16".

ومن جانبه، أعلن المتحدث العسكري المصري العميد غريب عبد الحافظ أن التدريب يشارك فيه عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام التابعة لمصر وتركيا وأذربيجان، إلى جانب طائرة إنذار مبكر تابعة لحلف شمال الأطلسي.

التصنيع العسكري والتنسيق الاستخباراتي

لا يقتصر التقارب العسكري بين مصر وتركيا على المناورات المشتركة، بل يمتد إلى بناء شراكة في مجالات التصنيع الدفاعي وتبادل المعلومات، بما يعكس انتقال العلاقات بين البلدين إلى مستوى أكثر مؤسسية.

ويقول المصدر العسكري المصري لـ"عربي بوست" إن القاهرة وأنقرة تتعاونان في مجال تصنيع الطائرات المسيّرة، إلى جانب تطوير صناعات دفاعية مشتركة تستفيد من الخبرات التصنيعية لدى البلدين، مع وجود توجه لإنتاج منظومات عسكرية تلبي احتياجاتهما وتدعم في الوقت نفسه انتشار هذه الصناعات في أسواق المنطقة.

وأضاف أن البلدين نجحا في تقليص آثار القيود التي فرضتها بعض القوى على حصولهما على منظومات تسليح متطورة، الأمر الذي دفعهما إلى زيادة الاعتماد على التصنيع المحلي والاستفادة من خبرات الدول الصديقة، مع التأكيد على أن هذا التعاون يظل دفاعياً ويستهدف حماية المصالح المشتركة.

وفي السياق نفسه، تشير تقارير إعلامية ودفاعية إلى أن مصر تدرس إمكانية المشاركة في برنامج المقاتلة التركية من الجيل الخامس "KAAN"، ضمن جهودها لتطوير قدرات القوات الجوية وتعزيز التعاون الصناعي العسكري مع تركيا.

ولا يقتصر الاهتمام المصري، بحسب هذه التقارير، على شراء الطائرة، بل قد يشمل المشاركة في إنتاجها ونقل التكنولوجيا، إلا أن هذه المعلومات لم تحظ حتى الآن بتأكيد رسمي من القاهرة أو أنقرة.

وتعد "KAAN" أحد أبرز مشاريع الصناعات الدفاعية التركية، إذ تطورها شركة الصناعات الجوية التركية مقاتلةً من الجيل الخامس، فيما لا يزال البرنامج في مرحلة التطوير تمهيداً للإنتاج المتسلسل.

وبالتوازي مع التعاون الصناعي، يتوسع التنسيق الأمني والاستخباراتي بين البلدين. فقد كشفت مصادر أمنية تركية لوكالة الأناضول عن مباحثات أجراها رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن مع نظيره المصري حسن رشاد في أنقرة، تناولت العلاقات الثنائية وتطورات عدد من الملفات الإقليمية.

وبحسب المصادر، بحث الجانبان تطورات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في ظل الانتهاكات الإسرائيلية، واتفقا على مواصلة التنسيق والتعاون، كما ناقشا جهود توحيد الإدارات والقوات العسكرية في شرق ليبيا وغربها تحت سلطة واحدة، إلى جانب تطورات الأوضاع في الصومال والاشتباكات المستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

ويرى محلل سياسي مصري أن هذا التقارب العسكري والاستخباراتي يعكس انتقال العلاقات بين مصر وتركيا إلى مرحلة بناء شراكة أمنية براغماتية، فرضتها المتغيرات الإقليمية المتسارعة، والرغبة المشتركة في إعطاء الأولوية للمصالح الاستراتيجية.

ويقول المحلل لـ"عربي بوست" إن استمرار الحرب في غزة، والتوتر بين إسرائيل وإيران رغم التفاهمات الأخيرة، والاضطرابات في البحر الأحمر، إضافة إلى هشاشة الأوضاع في ليبيا والسودان وسوريا، كلها ملفات تمس الأمن القومي للبلدين بصورة مباشرة، وهو ما استدعى توقيع اتفاقيات عسكرية، وفي مقدمتها الاتفاقية الإطارية لتبادل المعلومات.

وتسعى مصر وتركيا أيضاً إلى تعزيز التعاون في شرق البحر المتوسط، مستفيدتين من قدراتهما البحرية، بما يسهم في حماية الملاحة الدولية ومشروعات الطاقة، ويحد من أي محاولات لزعزعة الاستقرار، كما أن هناك تقارباً واضحاً في الرؤية بشأن منع عودة الصراع العسكري في ليبيا، والحفاظ على وحدة مؤسساتها، وتجنب أي صدام غير مباشر بين البلدين داخل الساحة الليبية.

من التعاون الثنائي إلى التنسيق الإقليمي

في موازاة التطور الذي تشهده العلاقات العسكرية، اكتسب التعاون المؤسسي بين القوات المسلحة في البلدين زخماً إضافياً مع زيارة رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة التركية الفريق أول سلجوق بيرقدار أوغلو إلى القاهرة، حيث التقى رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الفريق أحمد خليفة.

وأكد أحمد خليفة، خلال اللقاء، أهمية تنسيق الجهود ودعم آفاق التعاون العسكري بين البلدين بما يحقق المصالح المشتركة، فيما أوضح بيان للمتحدث العسكري المصري أن الجانبين ناقشا عدداً من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك، وسبل تعزيز التعاون العسكري في العديد من المجالات.

وأضاف البيان أن رئيسي أركان البلدين ترأسا الجلسة الختامية للاجتماع الخامس للجنة التعاون العسكري المصرية-التركية، ووقعا محضر الجلسة، الذي تضمن تنفيذ عدد من الأنشطة الرامية إلى تعزيز التعاون العسكري، ونقل وتبادل الخبرات بين القوات المسلحة المصرية والتركية.

ويرى المحلل السياسي المصري أن كثافة التدريبات العسكرية، والاجتماعات بين القيادات العسكرية، والتنسيق الاستخباراتي، تؤكد أن القاهرة وأنقرة انتقلتا إلى مرحلة بناء شراكة دفاعية أوسع، تشمل إلى جانب التعاون العسكري مجالات مكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، والأمن السيبراني، موضحاً أن هذه الخطوات لا تزال في بدايتها، لكنها مرشحة للتطور بوتيرة سريعة خلال المرحلة المقبلة.

وأضاف أن هذا التقارب يحمل أيضاً رسائل ردع، مفادها أن مصر وتركيا قادران على تنسيق مواقفهما عندما يتعلق الأمر باستقرار المنطقة، بما يعزز ثقلهما في معادلات الأمن الإقليمي، ويمنحهما دوراً أكبر في أي ترتيبات مستقبلية.

تحميل المزيد