الجنوب السوري: تفاصيل وأهداف التحركات الإسرائيلية في المناطق المحتلة ورسائلها إلى دمشق وأنقرة

عربي بوست
تم النشر: 2026/06/30 الساعة 14:59 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/06/30 الساعة 14:59 بتوقيت غرينتش
تحركات إسرائيلية غير مسبوقة في المناطق السورية المحتلة/ عربي بوست

كشفت مصادر عسكرية ودبلوماسية سورية لـ"عربي بوست" أن دمشق باتت تنظر إلى التحركات الإسرائيلية في الجنوب السوري باعتبارها جزءاً من استراتيجية بعيدة المدى لإعادة تشكيل الواقع الأمني على امتداد الحدود مع الجولان المحتل، وليس مجرد عمليات عسكرية مرتبطة بظروف ميدانية مؤقتة.

وانتقلت إسرائيل، منذ سقوط نظام بشار الأسد نهاية عام 2024، من سياسة الغارات والتوغلات المحدودة إلى بناء بنية عسكرية أكثر استقراراً، تشمل مواقع تمركز جديدة، وأبراج مراقبة، وطرقاً عسكرية، وسواتر ترابية، في محاولة لفرض منطقة أمنية تتجاوز عملياً اتفاق فصل القوات لعام 1974.

وترى المصادر أن هذه التحركات لا تستهدف الداخل السوري فحسب، بل تحمل أيضاً رسائل إلى تركيا والولايات المتحدة، في ظل سعي تل أبيب إلى تثبيت معادلات أمنية جديدة تجعل أي ترتيبات مستقبلية في الجنوب السوري مرتبطة بمصالحها العسكرية، قبل الانتقال إلى أي مسار سياسي أو تفاوضي.

الانتشار الإسرائيلي في الجنوب السوري

تعتبر دمشق أن ما شهدته منطقة "تل المغر" غرب قرية عابدين في حوض اليرموك يمثل تحولاً في طبيعة الوجود الإسرائيلي داخل الجنوب السوري، بعدما أقامت قوات الاحتلال خياماً عسكرية في الموقع، بالتزامن مع إطلاق نار كثيف وتحليق للطائرات المسيّرة، في خطوة تقول مصادر عسكرية سورية إنها تؤشر إلى إنشاء نقطة تمركز جديدة، لا إلى عملية ميدانية عابرة.

ويكتسب الموقع أهمية خاصة لقربه من الجولان المحتل والحدود الأردنية، إضافة إلى إشرافه على "سد عابدين" الذي يغذي مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وهو ما يدفع دمشق إلى الاعتقاد بأن الاعتبارات الإسرائيلية لم تعد تقتصر على الجوانب الأمنية، وإنما تشمل أيضاً السيطرة على المرتفعات والموارد المائية التي تمنحها أوراق ضغط إضافية في المنطقة.

وتقول المصادر العسكرية إن إنشاء الموقع الجديد تزامن مع إطلاق النار على المزارعين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم، في سياسة ترى دمشق أنها تهدف إلى إفراغ محيط نقاط الانتشار الجديدة تدريجياً من النشاط المدني، تمهيداً لتحويلها إلى نطاقات أمنية مغلقة.

ولا تقتصر هذه التحركات على ريف درعا، إذ شهدت محافظة القنيطرة خلال الأيام الماضية سلسلة توغلات في بلدات "صيدا الجولان، والأصبح، وأبو مذراة، والعشة، والمشيرفة، والعجرف، وجباتا الخشب"، شملت عمليات تفتيش للمنازل، وإقامة حواجز مؤقتة، واستجواب مدنيين، واعتقال أحد الشبان لساعات قبل الإفراج عنه.

كما أنشأ الاحتلال الإسرائيلي برج مراقبة جديداً قرب "تل أحمر الشرقي"، وأقام خياماً وغرفاً مسبقة الصنع، ما يعكس انتقال الجيش الإسرائيلي إلى نمط انتشار أكثر استقراراً.

وبحسب المصدر العسكري السوري، نفذت إسرائيل منذ نهاية عام 2024 أكثر من 700 عملية عسكرية وأمنية داخل الأراضي السورية، تنوعت بين التوغلات، والاعتقالات، وتجريف الأراضي، وشق الطرق العسكرية، وإقامة السواتر الترابية، فيما اعتقلت نحو 200 شخص من أبناء الجنوب السوري، لا يزال 47 منهم رهن الاحتجاز.

ويرى المصدر أن هذه الأرقام تعكس انتقال إسرائيل من سياسة الردع والعمليات المحدودة إلى محاولة فرض وقائع ميدانية جديدة، عبر بناء بنية تحتية عسكرية قابلة للاستمرار، تجعل الجنوب السوري جزءاً من المنظومة الدفاعية الإسرائيلية، بدلاً من اعتباره منطقة عازلة يمكن الانسحاب منها مع انتهاء أي تصعيد عسكري.

منطقة أمنية تتوسع من دون إعلان

ترى المصادر العسكرية السورية أن التحركات الإسرائيلية الأخيرة لم تعد مجرد سلسلة توغلات منفصلة، وإنما تمثل التطبيق العملي لما وصفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سابقاً بـ"الخط الأصفر"، أي إنشاء منطقة أمنية متدرجة لا تُعلن حدودها رسمياً، لكنها تتوسع تدريجياً عبر الوقائع الميدانية، من خلال شق الطرق العسكرية، وتجريف الأراضي، وإقامة نقاط المراقبة، وتقليص حركة السكان في القرى المحاذية للجولان.

وتعزز دمشق هذا التقدير بالتصريحات الأخيرة لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي أكد أن الجيش الإسرائيلي سيواصل البقاء في "المناطق الأمنية" داخل سوريا ولبنان وقطاع غزة لفترة غير محددة، وهو ما تعتبره تحولاً من سياسة تقوم على مواجهة تهديدات مؤقتة إلى استراتيجية تهدف إلى الاحتفاظ بمناطق نفوذ عسكرية خارج الحدود الإسرائيلية.

ويقول المصدر العسكري السوري إن هذا التوجه يتجسد ميدانياً في امتداد التحركات الإسرائيلية من "تل المغر" إلى "تل أحمر" مروراً بـ"وادي معرية، والرفيد، وصيصون، وسد المنطرة"، حيث رُصدت خلال الأسابيع الأخيرة أعمال تجريف للأراضي، وشق طرق عسكرية، ورفع سواتر ترابية.

إلى جانب إطلاق نار متكرر على المزارعين، بالتوازي مع إعلان الجيش الإسرائيلي تنفيذ عمليات داخل الجنوب السوري بدعوى ملاحقة مسلحين، وهو ما تعتبره دمشق غطاءً لاستمرار تثبيت هذا الوجود العسكري.

وترى المصادر أن خطورة هذه السياسة لا تكمن في كل إجراء ميداني على حدة، بل في تراكمها التدريجي، ما يؤدي إلى فرض واقع أمني جديد من دون إعلان رسمي عن إنشاء منطقة عازلة أو تعديل الحدود، الأمر الذي يصعب التراجع عنه مستقبلاً.

دمشق تراهن على الدبلوماسية، لكن!

في المقابل، تؤكد المصادر الدبلوماسية السورية أن دمشق اختارت، في المرحلة الحالية، التعامل مع هذه التحركات عبر المسار السياسي والدبلوماسي، انطلاقاً من قناعة بأن إسرائيل تسعى إلى فرض أمر واقع ميداني قبل أي تحرك دولي.

وفي هذا الإطار، تتابع الحكومة السورية باهتمام المواقف التي صدرت خلال جلسة مجلس الأمن في 22 يونيو/ حزيران 2026، والتي أكدت فيها دول عدة، من بينها فرنسا وروسيا والبحرين وباكستان والدنمارك، رفضها للاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، معتبرة أن هذه المواقف توفر أرضية سياسية يمكن البناء عليها خلال المرحلة المقبلة.

كما تركز دمشق على اقتراب موعد تجديد ولاية قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك "أندوف"، في وقت كثفت فيه القوة الدولية اجتماعاتها مع سكان المنطقة، ووزعت بطاقات تعريف على المزارعين لتسهيل وصولهم إلى أراضيهم خلال موسم الحصاد.

ورغم ترحيب دمشق بهذه الإجراءات، ترى المصادر أنها تبقى ذات طابع إنساني وإجرائي، ولا تعالج جوهر المشكلة المتمثل في استمرار التوسع العسكري الإسرائيلي وتغيير الواقع الميداني على الأرض.

وتستبعد المصادر، في الوقت الراهن، صحة ما يُتداول بشأن وجود مشروع لممر إسرائيلي يصل بين الجولان ومحافظة السويداء، لكنها ترى أن إسرائيل تستخدم هذا الاحتمال كورقة ضغط سياسية ونفسية، بالتوازي مع استمرار تحركاتها العسكرية، بهدف تكريس معادلات أمنية جديدة يصعب تغييرها لاحقاً عبر المسارات السياسية أو الدبلوماسية.

رسائل إسرائيلية تتجاوز دمشق إلى أنقرة

ترى المصادر الدبلوماسية السورية أن جانباً من التصعيد الإسرائيلي لا يستهدف دمشق وحدها، بل يحمل رسائل مباشرة إلى تركيا، في ظل تنامي التنسيق بين أنقرة والحكومة السورية خلال الأشهر الأخيرة، وارتفاع مستوى المواقف التركية الرافضة للتوسع الإسرائيلي داخل الأراضي السورية.

ويقول مصدر دبلوماسي سوري لـ"عربي بوست" إن إسرائيل تسعى إلى التأكيد لأنقرة أنها ما تزال الطرف الأكثر قدرة على فرض الوقائع العسكرية في الجنوب السوري، وأن أي ترتيبات أمنية أو سياسية تخص هذه المنطقة لن تكون ممكنة من دون مراعاة المصالح الإسرائيلية.

وبحسب المصدر، تحاول تل أبيب أيضاً اختبار حدود الدور التركي في سوريا، وقياس مدى استعداد أنقرة للانتقال من الدعم السياسي لدمشق إلى ممارسة ضغوط فعلية عبر قنواتها مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، بهدف الحد من تثبيت الوقائع الميدانية الجديدة.

وفي السياق ذاته، تستبعد دمشق، في الوقت الراهن، صحة التقارير التي تحدثت عن سعي إسرائيل إلى إنشاء ممر يصل الجولان بمحافظة السويداء، لكنها ترى أن إثارة هذا الاحتمال تدخل في إطار الضغوط السياسية والنفسية، بالتوازي مع استمرار بناء المواقع العسكرية وتوسيع نطاق الانتشار في الجنوب السوري.

وتشير المصادر إلى أن إسرائيل تستفيد من غياب ضغوط دولية كافية لوقف تحركاتها، الأمر الذي يمنحها هامشاً أوسع لمواصلة فرض معادلات أمنية جديدة على الأرض، مع الحرص على إبقاء هذه التحركات دون مستوى التصعيد الذي قد يستدعي تحركاً دولياً واسعاً.

تحديات تواجه القيادة السورية

تخلص المصادر العسكرية والدبلوماسية السورية إلى أن التحدي الذي تواجهه دمشق لم يعد يتمثل في التعامل مع توغل عسكري أو موقع مراقبة جديد، بل في منع إسرائيل من تحويل سلسلة الإجراءات الميدانية المتفرقة إلى واقع أمني دائم على طول الحدود مع الجولان المحتل.

فمن وجهة نظر دمشق، لا تكمن خطورة التحركات الإسرائيلية في كل إجراء منفرد، بل في تراكمها التدريجي؛ إذ إن إنشاء الطرق العسكرية، وإقامة أبراج المراقبة، وتجريف الأراضي، وتقييد حركة السكان، كلها خطوات تؤسس، مع مرور الوقت، لمنطقة أمنية بحكم الأمر الواقع، من دون إعلان احتلال جديد أو تعديل رسمي لاتفاق فصل القوات.

وترى المصادر أن هذا المسار يفرض على الحكومة السورية تحدياً مزدوجاً: مواصلة التحرك دبلوماسياً لحشد موقف دولي رافض للإجراءات الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه الحيلولة دون تحول الوقائع الميدانية التي تُفرض تدريجياً إلى حدود أمنية جديدة يصعب تغييرها في أي تسوية سياسية مستقبلية، سواء مع دمشق أو مع الأطراف الإقليمية المعنية، وفي مقدمتها تركيا.

تحميل المزيد