تحولت قطر خلال الأسابيع الأخيرة إلى أحد أبرز اللاعبين في إدارة المرحلة التي تلت التفاهم الأمريكي الإيراني، بعدما تولت جزءاً أساسياً من الاتصالات المرتبطة بالملف اللبناني، في ظل قناعة متزايدة لدى مختلف الأطراف بأن مستقبل الاستقرار في لبنان سيكون أحد الاختبارات الأولى لمدى قدرة التفاهم بين واشنطن وطهران على الصمود.
وبحسب مصادر دبلوماسية عربية وحكومية لبنانية تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن الدوحة أدارت شبكة واسعة من الاتصالات مع واشنطن وطهران وبيروت خلال الأيام التي سبقت تثبيت وقف إطلاق النار، وسط مخاوف متزايدة من أن يؤدي التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان إلى تعطيل المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران وإعادة المنطقة إلى دائرة المواجهة العسكرية المفتوحة.
الدور القطري لم يتوقف عند تثبيت التهدئة أو منع توسع العمليات العسكرية، بل انتقل إلى البحث في شكل التسوية التي يمكن أن تلي الحرب، بما يشمل مستقبل الجنوب اللبناني، وخارطة الانسحاب الإسرائيلي، وآليات انتشار الجيش اللبناني، ودور قوات المراقبة الدولية، إضافة إلى ملفات إعادة الإعمار والترتيبات السياسية والأمنية لما بات يعرف بـ"اليوم التالي".
قطر والانتقال من الحرب إلى التفاوض
لم يعد لبنان بالنسبة إلى الوسطاء الدوليين والعرب مجرد ساحة جانبية في التفاهم الأمريكي الإيراني الذي وُلد بعد أشهر من الحرب والتصعيد الإقليمي، بل أصبح إحدى الساحات الرئيسية التي يجري من خلالها اختبار قدرة هذا التفاهم على إنتاج استقرار فعلي في المنطقة.
وقالت المصادر الدبلوماسية العربية والحكومية اللبنانية إن الساعات التي سبقت تثبيت وقف إطلاق النار شهدت اتصالات غير مسبوقة بين الدوحة وواشنطن وطهران وبيروت، بعدما تزايدت المخاوف من أن يؤدي التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان إلى تعطيل المحادثات التي كان يفترض أن تنطلق بين واشنطن وطهران في سويسرا، وإلى نسف المناخ السياسي الذي نتج عن توقيع مذكرة تفاهم إسلام آباد.
خلال تلك المرحلة، تركزت الاتصالات القطرية مع العواصم المعنية بالملف اللبناني على هدفين متوازيين: الأول منع توسع العمليات العسكرية الإسرائيلية، والثاني توفير غطاء سياسي يسمح بإطلاق مرحلة تفاوضية جديدة حول الجنوب اللبناني وما بعد الحرب.
بحسب المعلومات، لم تنظر قطر إلى وقف إطلاق النار باعتباره الهدف النهائي للتحرك الجاري، بل باعتباره المدخل الضروري لفتح ملفات أكثر تعقيداً ترتبط بمستقبل الجنوب اللبناني وخارطة الانسحاب الإسرائيلي وآلية انتشار الجيش اللبناني ودور قوات المراقبة الدولية، فضلاً عن ملف إعادة الإعمار والترتيبات السياسية والأمنية التي يجري التحضير لها تحت عنوان "اليوم التالي".
لهذا السبب انتقلت الاتصالات القطرية بشأن الملف اللبناني سريعاً من مرحلة تثبيت التهدئة إلى مرحلة البحث في مضمون التسوية التي يمكن أن تنتج عنها.
الملف اللبناني والتفاوض الأمريكي الإيراني
كشفت المصادر التي تحدثت لـ"عربي بوست"، مفضلة عدم الكشف عن اسمها لحساسية الموضوع، أن إحدى النتائج الأساسية التي أفرزتها الحرب الأخيرة تتمثل في انتقال لبنان من موقع الملف المنفصل إلى موقع الملف المرتبط مباشرة بالتفاوض الأمريكي الإيراني.
خلال السنوات الماضية كانت الساحة اللبنانية تُدار غالباً عبر قنوات خاصة بها، أما اليوم فقد أصبح مستقبل الجنوب اللبناني جزءاً من النقاشات الأوسع المرتبطة بالأمن الإقليمي وترتيبات ما بعد الحرب.
وأوضحت المصادر أن طهران أبلغت أكثر من طرف دولي، وتحديداً فرنسا وبريطانيا وتركيا، أن الاستقرار في لبنان يشكل جزءاً من البيئة المطلوبة لإنجاح أي تفاهم طويل الأمد مع واشنطن. في المقابل، أبلغ الأمريكيون الوسطاء أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية يهدد بتقويض جزء من المسار الذي بدأ بعد اتفاق إسلام آباد.
ومن هنا اكتسب الدور القطري أهمية مضاعفة، باعتبار أن الدوحة هي الطرف الوحيد تقريباً الذي يحتفظ بقنوات اتصال فاعلة ومفتوحة مع جميع الأطراف المعنية في آن واحد.
وخلال الأسابيع الماضية، تولت قطر نقل رسائل متبادلة بين أكثر من عاصمة، كما شاركت في بلورة مجموعة أفكار تتعلق بآلية الانتقال من وقف النار إلى ترتيبات أمنية أكثر استقراراً. وأكدت المصادر أن هذا الدور لا يقتصر على الوساطة السياسية فقط، بل يشمل أيضاً تنسيقاً مستمراً مع عواصم عربية وغربية حول شكل المرحلة المقبلة في لبنان.
نتنياهو والتفاوض بالنار
في المقابل، أشارت مصادر حكومية لبنانية رفيعة لـ"عربي بوست" إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو تنظر بعين الريبة إلى المسار الذي يتشكل بين واشنطن وطهران وما ينعكس عنه في لبنان.
فالتقديرات الإسرائيلية تفيد بأن أي تثبيت للتهدئة على الجبهة اللبنانية سيقود حُكماً إلى ضغوط دولية متزايدة للبحث في الانسحاب الإسرائيلي وترتيبات ما بعد الحرب، وهو ما تحاول تل أبيب تأخيره أو تعديل شروطه.
ولهذا السبب شهدت الأيام التي تلت الإعلان عن التفاهم الأمريكي الإيراني تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً ملحوظاً، خصوصاً في المحاور المشرفة على النبطية والقطاع الشرقي.
ووفق المصادر، فإن الهدف لم يكن تحقيق إنجاز عسكري حاسم بقدر ما كان محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض تمنح إسرائيل أوراقاً إضافية عندما تبدأ المفاوضات الفعلية حول الانسحاب.
ونقل الوسطاء خلال الأيام الماضية رسائل واضحة إلى الجانب الإسرائيلي مفادها أن استمرار العمليات العسكرية سيؤدي إلى تعقيد المشهد التفاوضي بأكمله. إلا أن حكومة نتنياهو لا تزال تحاول التمسك بهامش واسع من حرية الحركة العسكرية، سواء داخل المناطق المحتلة أو في العمق اللبناني.
مفاوضات تتجاوز وقف النار
بحسب المصادر الحكومية اللبنانية، فإن النقاشات الجارية لم تعد تدور حول تثبيت وقف النار فقط، بل حول شكل الجنوب اللبناني خلال السنوات المقبلة. فهناك خرائط يجري تداولها بين الوسطاء تتعلق بمراحل الانسحاب الإسرائيلي المحتمل، وخطط انتشار الجيش اللبناني، ومهام قوات المراقبة الدولية، إضافة إلى تصورات مختلفة لكيفية إدارة المنطقة الحدودية بعد انتهاء العمليات العسكرية.
وأوضحت مصادر "عربي بوست" أن إحدى العقد الأساسية تتعلق بالمقاربة الإسرائيلية التي تسعى إلى الحفاظ على ما يشبه منطقة أمنية فعلية داخل الأراضي اللبنانية، في مقابل رفض لبناني مدعوم من الوسطاء العرب والأوروبيين لأي صيغة تؤدي إلى إعادة إنتاج تجربة الشريط الحدودي السابق.
في هذا الإطار يجري العمل على بدائل تقوم على توسيع انتشار الجيش اللبناني وتعزيز آليات الرقابة الدولية، من دون منح إسرائيل أي دور أمني مباشر داخل الأراضي اللبنانية.
كما يتناول النقاش مستقبل ما يعرف بالمناطق التجريبية التي تدفع واشنطن نحو اعتمادها كنموذج أولي للترتيبات الجديدة، فيما يفضل الجانب اللبناني مقاربة مختلفة تقوم على انسحابات تدريجية تشمل أقضية كاملة بدلاً من نقاط جغرافية محددة.
إعادة الإعمار جزء من التسوية
أكدت مصادر "عربي بوست" أن قطر تنظر إلى الملف اللبناني باعتباره حزمة متكاملة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والاقتصادية. ولذلك، بالتوازي مع الاتصالات المتعلقة بوقف النار والانسحاب، بدأت قطر مشاورات مع عدد من الدول والمؤسسات الدولية حول متطلبات المرحلة اللاحقة، خصوصاً ما يتعلق بإعادة الإعمار ودعم البنية التحتية ومساندة المؤسسات الرسمية اللبنانية.
وتشير المعلومات إلى أن القطريين يعتبرون أن أي تفاهم أمني لن يكون قابلاً للاستمرار ما لم يترافق مع إجراءات اقتصادية ومالية تساعد الدولة اللبنانية على استعادة جزء من قدرتها على إدارة المناطق المتضررة وتعزيز حضورها في الجنوب.
ولهذا السبب، أصبح ملف إعادة الإعمار حاضراً في معظم الاجتماعات التي تعقد بالتوازي مع المفاوضات السياسية والأمنية.
ما بعد وقف النار في لبنان
تخلص المصادر الدبلوماسية العربية إلى أن ما يجري حالياً يتجاوز بكثير مسألة وقف إطلاق النار أو الانسحاب الإسرائيلي من بعض التلال والقرى الحدودية. إذ إن المفاوضات الجارية تدور عملياً حول شكل المرحلة الإقليمية التي ستلي الحرب، وحول كيفية ترجمة التفاهم الأمريكي الإيراني إلى ترتيبات مستقرة في ساحات عدة يأتي لبنان في مقدمتها.
من هذا المنطلق، لم يعد الدور القطري يقتصر على التوسط بين الأطراف المتنازعة، بل أصبح جزءاً من عملية أوسع لإدارة الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة التسوية.
وفي قلب هذه العملية يقف لبنان بوصفه الساحة الأولى التي سيُختبر فيها ما إذا كانت التفاهمات التي وُلدت بين واشنطن وطهران قادرة فعلاً على إنتاج استقرار سياسي وأمني طويل الأمد، أم أنها ستبقى مجرد تفاهمات مؤقتة سرعان ما تعود المنطقة بعدها إلى نقطة الصفر.