ما بعد الحرب: تفاصيل حراك لبناني داخلي بين حزب الله والرئاسة بدأ قبل الاتفاق الإيراني الأميركي

عربي بوست
تم النشر: 2026/06/15 الساعة 11:55 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/06/15 الساعة 11:55 بتوقيت غرينتش
تحركات داخلية لبنانية تزامنا مع الاستعدادات لتوقيع الاتفاق بين أمريكا وإيران/ عربي بوست

فتحت الاتصالات الجارية بين حزب الله ورئاسة الجمهورية اللبنانية، بالتوازي مع الاتفاق الأمريكي الإيراني الذي أعلنت باكستان التوصل إليه، الباب أمام مرحلة سياسية جديدة في لبنان تستعد فيها القوى الداخلية للتعامل مع استحقاقات ما بعد الحرب، بعدما بات وقف العمليات العسكرية في الجنوب اللبناني أقرب من أي وقت مضى.

وكشفت معلومات خاصة حصل عليها "عربي بوست" أن الأسابيع الماضية شهدت حراكاً سياسياً وأمنياً مكثفاً بعيداً عن الأضواء، شمل اجتماعات بين مسؤولين في حزب الله ومستشارين للرئيس اللبناني جوزيف عون، إلى جانب لقاءات جمعت مسؤولين إيرانيين بحلفائهم اللبنانيين، بهدف بحث تداعيات الاتفاق الأمريكي الإيراني ومسار المرحلة المقبلة في لبنان.

وبحسب مصادر حكومية وأمنية ودبلوماسية، فإن الاتفاق الأمريكي الإيراني المنتظر توقيعه في جنيف في 19 يونيو/ حزيران 2026، لا يقتصر على وقف الحرب، بل يمهد لمرحلة تفاوضية جديدة ستشمل ملفات الجنوب اللبناني، وانتشار الجيش، والعلاقة مع إسرائيل، ومستقبل سلاح حزب الله، بعد الانتقال من مرحلة إدارة المواجهة العسكرية إلى مرحلة إدارة التسويات السياسية.

اجتماع إيراني ـ شيعي بعيداً عن الأضواء

كشفت مصادر أمنية لبنانية أن السفارة الإيرانية في بيروت استضافت خلال الأيام الماضية اجتماعاً غير معلن جمع ممثلين عن حزب الله وحركة أمل مع السفير الإيراني محمد رضا شيباني، في واحدة من أبرز اللقاءات التي عُقدت بعيداً عن الإعلام منذ بدء الحديث عن اقتراب التوصل إلى تفاهم أميركي إيراني شامل.

وبحسب المصادر نفسها التي تحدثت لـ"عربي بوست" مفضلة عدم ذكر اسمها لحساسية الموضوع، شارك في الاجتماع الوزير السابق محمد فنيش وأحمد مهنا ممثلين عن حزب الله، فيما مثل حركة أمل النائب علي حسن خليل، المستشار السياسي لرئيس مجلس النواب نبيه بري.

وأوضحت المصادر أن الاجتماع خُصص بصورة أساسية لبحث انعكاسات الاتفاق الأمريكي الإيراني على لبنان، وتقييم السيناريوهات المحتملة لمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، إضافة إلى مناقشة مستقبل المفاوضات الجارية بين الدولة اللبنانية وإسرائيل برعاية أميركية.

خلال اللقاء، نقل المسؤولون الإيرانيون إلى حلفائهم اللبنانيين معطيات تفيد بأن طهران تمكنت من تثبيت المطلب اللبناني داخل المفاوضات، ورفضت الفصل بين الحرب على إيران والحرب في لبنان، معتبرة أن أي وقف شامل لإطلاق النار يجب أن يشمل الساحة اللبنانية بصورة واضحة وصريحة.

وأشارت المصادر إلى أن الجانب الإيراني قدم خلال الاجتماع قراءة مفصلة لمسار التفاوض، وأبلغ الحاضرين أن المرحلة المقبلة ستشهد انتقال التركيز من إدارة المواجهة العسكرية إلى إدارة النتائج السياسية والأمنية للحرب، وهو ما يفرض على مختلف القوى اللبنانية الاستعداد لاستحقاقات داخلية جديدة ستلي وقف العمليات العسكرية.

قناة مفتوحة بين حزب الله والرئاسة

بالتوازي مع الاتصالات الإيرانية، كانت تتقدم بعيداً عن الإعلام قناة تواصل مباشرة بين حزب الله ورئاسة الجمهورية اللبنانية، في تطور يعكس إدراك الطرفين أن المرحلة المقبلة ستفرض قدراً أكبر من التنسيق السياسي مهما بلغت الخلافات القائمة بينهما.

وكشفت مصادر حكومية رفيعة لـ"عربي بوست" أن سلسلة اجتماعات عُقدت خلال الأسبوعين الماضيين بين النائب عن حزب الله حسن فضل الله وأحمد مهنا، المعاون السياسي للأمين العام، ومستشار رئيس الجمهورية العميد أندريه رحال، برعاية مدير جهاز الأمن العام اللبناني اللواء حسن شقير، الذي تولى تسهيل التواصل بين الجانبين.

وبحسب المصادر، لم يكن الهدف من هذه اللقاءات معالجة الملفات الخلافية الكبرى، وفي مقدمها ملف السلاح، بقدر ما كان يهدف إلى منع تفاقم التوتر السياسي والخطاب المتشنج بين الطرفين، وفتح قنوات حوار تسمح بإدارة المرحلة المقبلة في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة.

وأكدت مصادر "عربي بوست" أن هذه الاجتماعات اكتسبت أهمية إضافية بعدما باتت معظم القوى اللبنانية تدرك أن أي اتفاق أميركي إيراني سينعكس مباشرة على الداخل اللبناني، سواء من خلال وقف العمليات العسكرية أو عبر إطلاق مسار تفاوضي جديد حول مستقبل الجنوب والترتيبات الأمنية المطلوبة.

رسائل إيرانية إلى عون

في سياق متصل، قالت مصادر إيرانية لـ"عربي بوست" إن السفير الإيراني في بيروت أجرى خلال الفترة الماضية تواصلاً مباشراً مع مستشار رئيس الجمهورية العميد أندريه رحال، رغم قرار وزارة الخارجية اللبنانية بطرد السفير من لبنان.

حمل التواصل الإيراني جملة رسائل سياسية، أبرزها تأكيد حرص الجانب الإيراني على استمرار العلاقات الطبيعية مع الدولة اللبنانية، ورفض أي مقاربة توحي بوجود تعارض بين المسار التفاوضي الذي رعته باكستان ودولة قطر، وبين الجهود التي تبذلها الدولة اللبنانية لوقف الحرب وتثبيت الاستقرار.

كما تضمنت الرسائل الإيرانية تأكيداً أن طهران لا تسعى إلى تجاوز المؤسسات اللبنانية أو فرض وقائع سياسية جديدة عليها، بل تعتبر أن تثبيت وقف إطلاق النار يتطلب تنسيقاً مباشراً مع السلطات اللبنانية الشرعية.

وقالت المصادر إن هذا التواصل ساهم في تخفيف جانب من التوتر الذي كان يطبع العلاقة بين بيروت وطهران خلال الأشهر الماضية، خصوصاً على خلفية ملفات دبلوماسية وسياسية عدة شهدت تباينات بين الجانبين.

لماذا غيّر حزب الله مقاربته؟

ترى المصادر الحكومية اللبنانية في حديثها لـ"عربي بوست" أن التحول في سلوك حزب الله خلال الأسابيع الأخيرة لا يمكن فصله عن المسار التفاوضي الذي كان يتبلور بين واشنطن وطهران، وما حمله من مؤشرات على اقتراب التوصل إلى تسوية إقليمية واسعة.

فالحزب الذي ربط جزءاً أساسياً من استراتيجيته العسكرية والسياسية بمسار المواجهة الإيرانية الإسرائيلية، بدأ يواجه معطيات جديدة فرضتها المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، إضافة إلى الضغوط المتزايدة التي تعرضت لها مختلف ساحات المحور خلال الأشهر الماضية.

وتشير المصادر إلى أن الحزب بات مقتنعاً بأن إسرائيل غير مستعدة لتقديم أي تنازلات حقيقية عبر المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية وحدها، وأن حكومة بنيامين نتنياهو كانت تستخدم المفاوضات غطاءً لاستمرار العمليات العسكرية ومحاولة فرض وقائع ميدانية جديدة في الجنوب.

في المقابل، بدأ يتشكل داخل حزب الله اقتناع متزايد بأن الاتفاق الأمريكي الإيراني قد يكون أكثر قدرة على فرض وقف العمليات العسكرية من المسار التفاوضي المباشر الذي ترعاه واشنطن بين بيروت وتل أبيب.

ولهذا السبب حرص الحزب خلال الأسابيع الأخيرة على إبقاء خطوط التواصل مفتوحة مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة نواف سلام، وعدم الذهاب إلى مواجهة سياسية مباشرة مع الرئاسة، إدراكاً منه أن أي تسوية مقبلة ستجعل من المؤسسات الدستورية اللبنانية شريكاً أساسياً في إدارة المرحلة الجديدة.

الاتفاق الأمريكي الإيراني ولبنان

الاتفاق الأمريكي الإيراني المرتقب لا يعني نهاية الأزمة اللبنانية بقدر ما يؤسس لمرحلة سياسية وأمنية جديدة ستفتح ملفات أكثر تعقيداً من ملف وقف إطلاق النار نفسه.

بحسب مصادر دبلوماسية عربية رفيعة تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن الاتفاق الأمريكي الإيراني نجح في وقف الحرب، لكنه لم يحسم الملفات الأكثر حساسية المرتبطة بالساحة اللبنانية.

وأشارت المصادر إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد انتقال التركيز الدولي تدريجياً نحو ملفات انتشار الجيش اللبناني، ومستقبل الوجود الإسرائيلي في الجنوب، وآليات تثبيت وقف إطلاق النار، إضافة إلى النقاش المتوقع حول مستقبل سلاح حزب الله ودوره داخل المعادلة اللبنانية.

وتنظر واشنطن إلى وقف إطلاق النار بوصفه مدخلاً لمسار سياسي وأمني أطول أمداً، يهدف إلى تحويل الساحة اللبنانية من ساحة مواجهة عسكرية مفتوحة إلى ساحة تفاوض وتسوية، مع ربط أي انسحابات إسرائيلية إضافية بخطوات تتعلق بتعزيز دور الدولة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية والعسكرية.

وتشير المصادر الدبلوماسية العربية إلى أن نتنياهو يُعدّ من أبرز المتضررين سياسياً من الاتفاق الأميركي الإيراني، فالرجل الذي خاض الحرب تحت عنوان مواجهة إيران ومحورها يجد نفسه اليوم أمام اتفاق رعته الولايات المتحدة نفسها مع طهران، الأمر الذي يهدد بتحويل ما قدمه باعتباره نصراً استراتيجياً إلى تسوية سياسية لا تحقق معظم الأهداف التي أعلنها منذ بداية الحرب.

ولهذا لا تستبعد مصادر "عربي بوست" أن تحاول إسرائيل خلال المرحلة الانتقالية الفاصلة عن تنفيذ الاتفاق الكامل فرض وقائع ميدانية إضافية في الجنوب اللبناني أو تأخير بعض الالتزامات المرتبطة بوقف العمليات العسكرية، بهدف تحسين موقعها التفاوضي في أي ترتيبات لاحقة.

لكن رغم هذه المخاوف، تجمع معظم التقديرات السياسية في بيروت على أن لبنان دخل فعلياً مرحلة جديدة تختلف عن مرحلة الأشهر الماضية، وأن السؤال لم يعد يتعلق بإمكانية وقف الحرب، بل بشكل التسوية التي ستليها، وبكيفية إدارة التوازنات الجديدة التي سيفرضها الاتفاق الأمريكي الإيراني على الداخل اللبناني والمنطقة بأكملها.

تحميل المزيد