من فاغنر إلى الناقلة الروسية: كيف أصبحت ليبيا ساحة خلفية للحرب المستمرة بين موسكو وأوكرانيا؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/06/12 الساعة 17:42 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/06/12 الساعة 17:42 بتوقيت غرينتش
كيف تأثرت ليبيا بالحرب بين روسيا وأوكرانيا؟ عربي بوست

في مطلع مارس/آذار 2026، لم يكن الليبيون يتابعون تطورات الحرب الروسية–الأوكرانية بوصفها حدثاً بعيداً يقع على بعد آلاف الكيلومترات من حدودهم. فاتهامات موسكو لأوكرانيا باستهداف ناقلة غاز روسية قبالة السواحل الليبية، وما تبعها من مخاوف بيئية وتحذيرات ملاحية، وضعت ليبيا فجأة داخل مشهد حرب لا تشارك فيها رسمياً، لكنها بدأت تلامس آثارها المباشرة.

لم يكن ذلك حدثاً معزولاً. فمنذ سنوات، تتراكم مؤشرات تحول ليبيا إلى مساحة تتقاطع فيها حسابات قوى دولية وإقليمية متعددة. قواعد عسكرية أجنبية، ومرتزقة، وطائرات مسيّرة، وشبكات نفوذ تمتد من البحر المتوسط إلى عمق أفريقيا، كلها جعلت البلاد أكثر عرضة لاستقبال ارتدادات صراعات تتجاوز حدودها ومصالح شعبها.

ومع احتدام المواجهة بين روسيا والغرب بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، ازدادت أهمية ليبيا في الحسابات الجيوسياسية للقوى المتنافسة. إذ تنظر موسكو إليها باعتبارها بوابة نحو أفريقيا ونقطة ارتكاز على الضفة الجنوبية لأوروبا، بينما تتعامل أطراف أخرى معها باعتبارها ساحة يمكن من خلالها احتواء النفوذ الروسي أو مراقبته أو حتى استهدافه بطرق غير مباشرة.

هكذا تجد ليبيا نفسها أمام معادلة معقدة: دولة لا تعلن الحرب ولا تملك قرارها بالكامل، لكنها تتحمل جزءاً من كلفتها. وبين الانقسام الداخلي واستمرار التدخلات الخارجية، تبدو البلاد أكثر قابلية لأن تتحول إلى ساحة خلفية لصراعات الآخرين، فيما يبقى السؤال الأهم: كيف أصبحت ليبيا جزءاً من حرب لا تخوضها، ومن المستفيد من إبقائها في هذا الموقع؟

ليبيا ساحة خلفية لحرب لا تشارك فيها

لا تبدو الحرب الروسية–الأوكرانية، في ظاهرها، حرباً ليبية. فجبهاتها الرئيسية تقع في شرق أوروبا، بينما تتحرك حساباتها بين موسكو وكييف وواشنطن وبروكسل. لكن الحروب الكبرى نادراً ما تبقى محصورة داخل حدودها الأصلية، إذ تبحث دائماً عن ساحات ضغط وممرات خلفية ومناطق تسمح للقوى المتنافسة بالتحرك بعيداً عن المواجهة المباشرة.

وفي الحالة الليبية، لا يتعلق الأمر بدولة قررت الانخراط في الصراع أو اختارت الاصطفاف إلى جانب أحد طرفيه، بل ببلد منقسم ومفتوح على نفوذ خارجي متشابك. فضعف السلطة المركزية وتعدد مراكز القرار جعلا الموانئ والقواعد العسكرية والمطارات والممرات الصحراوية مساحات قابلة للاستخدام في صراعات لا يملك الليبيون قرارها.

ولهذا تُعد ليبيا نموذجاً لما يُعرف بـ"المنطقة الرمادية"، فهي ليست ساحة حرب معلنة، لكنها أيضاً لا تمتلك مؤسسات موحدة قادرة على فرض الرقابة الكاملة على أراضيها ومجالها البحري والجوي. وفي مثل هذه البيئات، يصبح من السهل نقل السلاح وتشغيل الخبراء العسكريين وإقامة ترتيبات أمنية وعسكرية يصعب تتبعها أو محاسبة المسؤولين عنها.

ولا يدخل الفاعلون الخارجيون إلى ليبيا دائماً من باب التدخل المباشر، بل غالباً عبر احتياجات الأطراف المحلية نفسها. فهناك من يبحث عن السلاح أو الحماية أو الدعم السياسي، فيما تسعى القوى الخارجية إلى توسيع نفوذها واستثمار الانقسام القائم. ومع مرور الوقت، تتحول علاقات الدعم إلى أدوات نفوذ، وتتحول الجغرافيا الليبية إلى ورقة ضمن صراعات إقليمية ودولية أوسع.

بهذا المعنى، لا تصنع الحرب الروسية–الأوكرانية الأزمة الليبية، لكنها تكشف عمقها. فهي تُظهر كيف يمكن لسيادة منقوصة، وحظر سلاح ضعيف التنفيذ، ووجود عسكري أجنبي متزايد، أن تجعل ليبيا عرضة للتحول إلى ساحة خلفية لصراعات الآخرين، رغم أنها ليست طرفاً مباشراً فيها.

المشكلة تكمن في غياب السيطرة

يرى الخبير الأمني والعسكري أشريف بوفردة أن التمييز ضروري بين التعاون العسكري الطبيعي بين الدول وبين الوجود العسكري الأجنبي الذي فُرض بحكم الأمر الواقع داخل ليبيا. فالتدريب العسكري وتبادل الخبرات والتعاون الدفاعي أمور شائعة بين الدول عندما تتم عبر اتفاقيات واضحة ومؤسسات رسمية تمثل الدولة.

لكن المشهد الليبي، بحسب بوفردة، اتخذ مساراً مختلفاً منذ عام 2011، إذ تحول الدعم العسكري الخارجي إلى أحد عناصر موازين القوة الداخلية. فالأطراف المتنافسة على الأرض سعت إلى بناء تحالفات خارجية توفر لها الحماية والدعم العسكري والسياسي، ما فتح المجال أمام تمركز قوى أجنبية في مناطق مختلفة من البلاد.

ويشير إلى أن الشرق الليبي ارتبط بشبكة تحالفات ضمت روسيا إلى جانب قوى إقليمية مثل مصر والإمارات، بينما ارتبط الغرب بشكل أوثق بتركيا، مع حضور أوروبي متفاوت تحكمه المصالح والنفوذ. غير أن جوهر الإشكال، في نظره، لا يكمن في هذه التحالفات بحد ذاتها، بل في وجود قواعد ومواقع عسكرية لا تخضع فعلياً لرقابة الدولة الليبية أو إشرافها المباشر.

ويحذر بوفردة من أن عجز الدولة عن معرفة طبيعة الأنشطة التي تجري داخل بعض هذه القواعد، أو ما يدخل إليها ويخرج منها، يضع السيادة الليبية أمام اختبار حقيقي، ويجعل البلاد عرضة للتورط في صراعات أو عمليات خارجية لا تملك قرارها. وبذلك لم يعد توصيف ليبيا بـ"المنطقة الرمادية" مجرد وصف سياسي، بل بات واقعاً أمنياً يعكس حدود قدرة الدولة على التحكم بمجالها العسكري ومرافقها الاستراتيجية.

كيف ترسخ النفوذ الروسي في ليبيا؟

لم يبدأ الحضور الروسي في ليبيا مع الحرب في أوكرانيا، بل سبقها بسنوات. فمنذ هجوم قوات خليفة حفتر على طرابلس بين عامي 2019 و2020، برز اسم مجموعة فاغنر بوصفها أحد أبرز مظاهر تدويل الصراع الليبي. ففي يوليو/تموز 2020، قالت القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) إن لديها أدلة على قيام عناصر فاغنر بزرع ألغام وعبوات ناسفة داخل طرابلس وحولها، معتبرة أن ذلك يمثل انتهاكاً لحظر السلاح الأممي ويعرّض حياة المدنيين للخطر.

كما أفادت هيومن رايتس ووتش في مايو/أيار 2022 بأن معلومات حصلت عليها من جهات ليبية وفرق متخصصة في إزالة الألغام ربطت فاغنر باستخدام ألغام وعبوات مفخخة خلال دعمها لقوات حفتر في هجومها على العاصمة بين عامي 2019 و2020.

ولم تنته آثار تلك المرحلة بانسحاب المقاتلين أو توقف المعارك. فالألغام ومخلفات الحرب بقيت حاضرة باعتبارها أحد أكثر الأثمان المباشرة التي دفعها الليبيون نتيجة تدخل القوى الخارجية في الصراع. ووفق بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، تسببت حوادث الذخائر المتفجرة منذ مايو/أيار 2020 في سقوط 487 ضحية، بينهم 175 قتيلاً و312 جريحاً، من ضمنهم 87 طفلاً.

كما أعلن برنامج الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام إزالة أكثر من 57 ألف قطعة من مخلفات الحرب خلال عام 2025 وحده، في مؤشر على حجم التلوث المتفجر الذي خلفته سنوات النزاع.

لكن الوجود الروسي في ليبيا لم يتوقف عند تجربة فاغنر. فبعد إعادة هيكلة النفوذ الروسي في أفريقيا، برز اسم "الفيلق الأفريقي" بوصفه الإطار الجديد للحضور الروسي في عدد من الدول الأفريقية. غير أن الباحث المتخصص في الشأن الليبي جلال حرشاوي يرى أن هذا الوصف قد يكون مضللاً، لأن الطرف الموجود اليوم في ليبيا ومالي ودول أخرى ليس مجرد شركة أمنية خاصة، بل القوات المسلحة الروسية ووزارة الدفاع الروسية بصورة مباشرة.

ويقول حرشاوي، في حديثه لـ"عربي بوست"، إن أهمية ليبيا بالنسبة إلى موسكو لم تتغير خلال العقد الأخير، لأن روسيا تنظر إليها من خلال 3 دوائر استراتيجية مترابطة: البحر المتوسط، والجناح الجنوبي لأوروبا الغربية وحلف الناتو، والقارة الأفريقية. ويرى أن هذه الاعتبارات تجعل الوجود الروسي في ليبيا "أمراً لا غنى عنه" بالنسبة إلى الكرملين.

وتتوافق هذه القراءة مع تقديرات مراكز أبحاث غربية، إذ وصف تقرير صادر عن Atlantic Council عام 2024 ليبيا بأنها مركز حاسم للأنشطة الروسية في أفريقيا، مستفيداً من موقعها الجغرافي ومن حالة الانقسام السياسي التي تمنح موسكو هامش حركة واسعاً.

وبحسب حرشاوي، لا تكمن أهمية ليبيا فقط في قربها من أوروبا، بل أيضاً في كونها بوابة نحو السودان وتشاد والنيجر ومالي، وممراً أساسياً نحو العمق الأفريقي الذي تسعى روسيا إلى ترسيخ نفوذها داخله. ويضيف أن موسكو لا تحتاج بالضرورة إلى إشعال حرب جديدة في ليبيا أو تغيير جذري في موازين القوى الحالية، بل إن هدفها الأساسي يتمثل في الحفاظ على المكاسب التي راكمتها خلال السنوات الماضية.

ويضع حرشاوي في مقدمة هذه المكاسب الوصول إلى ميناء طبرق، والتمركز في قواعد جوية رئيسية مثل الخادم وبراك الشاطئ والجفرة، إضافة إلى الوجود في مطار سرت ومطار بنينة ومواقع أخرى. ويقول إن روسيا ستكون "سعيدة للغاية" إذا تمكنت فقط من الاحتفاظ بهذه المكاسب، لأنها لا تحتاج إلى مشروع توسعي جديد بقدر حاجتها إلى البقاء في ليبيا "إلى الأبد".

ويشير حرشاوي إلى أن موسكو لم تكن مقتنعة بالكامل، حتى خلال هجوم حفتر على طرابلس عام 2019، بأن قواته قادرة على تحقيق نصر حاسم داخل العاصمة. ومع ذلك، فإن اعتبارات الربح التي حكمت نشاط فاغنر آنذاك، إلى جانب فرصة التغلغل في مناطق واسعة من ليبيا عبر دعم طرف محلي ضعيف ومحتاج، دفعت روسيا إلى الانخراط بقوة في الصراع.

بل إن حرشاوي يرى أن موسكو خرجت مستفيدة من فشل هجوم حفتر نفسه، إذ مكّنها ذلك من ترسيخ مواقع عسكرية ونفوذ طويل الأمد في مناطق استراتيجية من البلاد.

وبذلك، لا يمكن فهم الوجود الروسي في ليبيا باعتباره مجرد دعم عسكري لحليف محلي، بل باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع تتجاوز الساحة الليبية نحو المتوسط وأفريقيا. فكلما تصاعد التوتر بين روسيا والغرب، ازدادت أهمية المواقع الليبية بالنسبة إلى موسكو باعتبارها أوراقاً تمنحها قدرة أكبر على المناورة في ملفات الأمن والطاقة والهجرة والنفوذ العسكري.

حقيقة التواجد الأوكراني في ليبيا

إذا كان الوجود الروسي في ليبيا موثقاً منذ سنوات عبر قواعد عسكرية وتمركزات معروفة، فإن الحديث عن دور أوكراني داخل البلاد لا يزال محاطاً بكثير من الغموض. فحتى الآن، لا توجد إعلانات رسمية من كييف أو طرابلس تؤكد وجوداً عسكرياً أوكرانياً منظماً على الأراضي الليبية، كما لم تعلن أوكرانيا مسؤوليتها عن الهجوم الذي استهدف ناقلة الغاز الروسية "Arctic Metagaz" قبالة السواحل الليبية.

ورغم ذلك، بدأت خلال الأشهر الأخيرة تقارير إعلامية غربية تتحدث عن انتقال جزء من المواجهة الروسية–الأوكرانية إلى ليبيا بصورة غير مباشرة. فقد نقلت Euronews عن تحقيق أجرته إذاعة فرنسا الدولية (RFI) أن أوكرانيين لديهم وجود عسكري في ليبيا، وأن الهجوم على الناقلة الروسية نُفذ، بحسب التحقيق، انطلاقاً من قاعدة في غرب البلاد. كما تحدثت Kyiv Independent، نقلاً عن التحقيق نفسه، عن نشر أفراد عسكريين أوكرانيين في غرب ليبيا في إطار ما وصفته بـ"حرب الظل" الدائرة بين موسكو وكييف في أفريقيا.

لكن هذه الروايات لا تزال تفتقر إلى تأكيدات رسمية. فقد أشارت رويترز إلى أن وزارة النقل الروسية اتهمت أوكرانيا بتنفيذ الهجوم بواسطة مسيّرات بحرية، في حين لم تعلن كييف مسؤوليتها عن العملية، كما لم تصدر السلطات الليبية أو الأوكرانية تعليقاً علنياً يحسم المسألة.

وفي تقييمه لهذه المعطيات، يحذر الخبير الأمني والعسكري أشريف بوفردة من المبالغة في تصوير ليبيا ساحة انتشار عسكري أوكراني واسع. ويقول إن بعض الروايات المتداولة، خصوصاً في وسائل إعلام وصفحات محسوبة على أطراف في الشرق الليبي، تنطوي على قدر من "التضخيم غير المبرر"، مشيراً إلى أن أوكرانيا المنخرطة في حرب مفتوحة مع روسيا على أراضيها قد لا تملك الموارد أو الظروف التي تسمح لها بإقامة وجود عسكري واسع ومنظم داخل ليبيا.

مع ذلك، لا يستبعد بوفردة احتمال وجود خبراء أوكرانيين أو معدات ومسيّرات أوكرانية دخلت عبر بعض المؤسسات أو التشكيلات المسلحة في غرب ليبيا، مستنداً إلى الخبرة الكبيرة التي راكمتها كييف في مجال الطائرات المسيّرة خلال الحرب مع روسيا.

لكنه يؤكد أن وجود أفراد أو خبراء أو حتى متعاقدين عسكريين لا يعني بالضرورة وجود تدخل رسمي مباشر من الدولة الأوكرانية أو قيام شراكة عسكرية معلنة بين كييف وطرابلس، لافتاً إلى أن أوكرانيين يعملون في مجالات أمنية وعسكرية خاصة داخل ليبيا منذ سنوات.

في المقابل، يميل الباحث المتخصص في الشأن الليبي جلال حرشاوي إلى اعتبار حادثة 3 مارس/آذار 2026 مؤشراً على نشاط أوكراني محدود يستهدف المصالح الروسية. ويرى أن الهجوم على ناقلة الغاز الروسية نُفذ، على الأرجح، بواسطة عناصر أوكرانية انطلقت من منطقة طرابلس. لكنه يربط ذلك قبل كل شيء بحالة الانقسام الليبي، معتبراً أن حكومة طرابلس قد تجد نفسها، في بعض الظروف، مستعدة لقبول ترتيبات معينة لإبراز تمايزها عن المعسكر الشرقي المرتبط بروسيا.

وفي النهاية، قد لا تكمن أهمية هذه التقارير في قدرتها على إثبات وجود أوكراني واسع داخل ليبيا، بقدر ما تكشف الطريقة التي تنظر بها القوى الدولية إلى البلاد. فليبيا تُقرأ اليوم، في نظر كثير من الفاعلين الخارجيين، باعتبارها مساحة رخوة يمكن التحرك داخلها عبر ترتيبات غير معلنة، مستفيدين من الانقسام السياسي وتعدد مراكز القوة وضعف الرقابة السيادية على الأرض.

أين الدولة من رواية ما يجري؟

حتى الآن، لا توجد رواية ليبية رسمية شاملة تشرح للرأي العام طبيعة ما جرى مع الناقلة الروسية، أو حقيقة التقارير التي تحدثت عن نشاط أوكراني محتمل انطلاقاً من الأراضي الليبية، أو حدود السيطرة الرسمية على القواعد والمطارات التي تتحرك داخلها قوى أجنبية. وما زاد من حساسية المشهد أن رويترز أشارت إلى غياب تعليق علني من ليبيا وأوكرانيا على الاتهام الروسي المتعلق بالهجوم على الناقلة.

غياب التوضيح الرسمي لا يترك فراغاً معلوماتياً فقط، بل يفتح الباب أمام روايات متصارعة: رواية روسية تتحدث عن هجوم أوكراني من الساحل الليبي، وتقارير غربية تتحدث عن نشاط أوكراني غير معلن، وصفحات محلية تستخدم الملف لتصفية حسابات بين الشرق والغرب. وفي بلد منقسم مثل ليبيا، يصبح غياب الموقف الرسمي جزءاً من المشكلة، لأنه يجعل السيادة نفسها بلا متحدث واحد.

كيف تتسرب تداعيات الحرب إلى ليبيا؟

أعادت الحرب الروسية–الأوكرانية تشكيل طبيعة الحروب الحديثة، حيث تحولت الطائرات المسيّرة من أدوات مساندة إلى أحد أهم عناصر القتال والاستطلاع واستهداف خطوط الإمداد. ولم يبقَ هذا التحول محصوراً في ساحات القتال الأوكرانية، بل امتد إلى مناطق هشة مثل ليبيا، حيث تتنافس الأطراف المحلية على امتلاك أدوات تفوق جديدة في ظل ضعف الرقابة واستمرار الانقسام السياسي والعسكري.

وفي أبريل/ نيسان 2026، كشفت رويترز، استناداً إلى صور أقمار صناعية وتحليلات خبراء، عن ظهور ما لا يقل عن 3 مسيّرات قتالية في قاعدة الخادم شرقي بنغازي، بينها ما يُعتقد أنها من الطراز الصيني Feilong-1 والتركي Bayraktar TB2، رغم استمرار حظر السلاح الأممي المفروض على ليبيا منذ عام 2011.

ولا تقتصر أهمية هذه المعطيات على نوعية السلاح المستخدم، بل تتجاوز ذلك إلى طبيعة البنية التي تقف خلفه. فالمسيّرات القتالية المتطورة تحتاج إلى غرف تشغيل واتصالات وصيانة وتدريب وخبرات تقنية متخصصة، ما يعني أن وجودها يعكس استمرار شبكات الدعم العسكري الخارجية وقدرة الفاعلين الدوليين على الحفاظ على نفوذهم داخل الساحة الليبية.

كما لم تعد تداعيات الصراع تقتصر على القواعد العسكرية والمعسكرات البرية. فقد دخل البحر الليبي بدوره دائرة التأثر بالحرب بعد حادثة ناقلة الغاز الروسية "Arctic Metagaz".

بحسب الرواية الروسية، تعرضت الناقلة لهجوم بمسيّرات بحرية أوكرانية قبل أن تنجرف قرب السواحل الليبية، ما دفع السلطات إلى محاولة سحبها خشية وقوع أضرار بيئية وملاحية. إلا أن سوء الأحوال الجوية أفشل العملية، لتتحول الحادثة إلى مثال واضح على الكيفية التي يمكن أن تمتد بها تداعيات حرب بعيدة إلى المياه الليبية.

وتعكس هذه الوقائع مشكلة أعمق تتجاوز المسيّرات أو الناقلة الروسية نفسها، وهي محدودية فعالية حظر السلاح الأممي المفروض على ليبيا منذ عام 2011. فعلى الرغم من استمرار قرارات مجلس الأمن وتمديد آليات الرقابة والعقوبات، لا يزال السلاح يتدفق إلى البلاد، وتستمر الترتيبات العسكرية الخارجية، فيما تظهر منظومات قتالية جديدة داخل القواعد الليبية.

وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً بسبب غياب سلطة عسكرية وتنفيذية موحدة قادرة على إدارة العلاقات العسكرية الخارجية باسم الدولة الليبية بأكملها. فوجود قوات أجنبية أو أسلحة متطورة أو ترتيبات أمنية مع أطراف خارجية يبقى محل نزاع سيادي ما دام يتم خارج إطار مؤسسات وطنية موحدة وشفافة.

وهكذا تكشف المسيّرات والقواعد العسكرية وحادثة الناقلة الروسية حقيقة واحدة: أن الأزمة الليبية لم تعد مرتبطة فقط بالصراع الداخلي، بل أيضاً بقدرة القوى الخارجية على إدخال أدوات الحرب إلى البلاد رغم القيود الدولية. فحظر السلاح ما يزال قائماً في قرارات الأمم المتحدة، لكنه يبدو أقل حضوراً على الأرض من حركة الطائرات والسفن وشبكات النفوذ التي تتجاوز الحدود الليبية باستمرار.

بين النفوذ الأجنبي والانقسام الداخلي

رغم تعدد القوى الأجنبية المنخرطة في ليبيا، فإن الخبراء الذين تحدثوا إلى "عربي بوست" يجمعون على أن الأزمة لا يمكن تفسيرها فقط برغبة الخارج في التدخل. فالقوى الدولية لا تتحرك عادة في الفراغ، بل تجد دائماً شركاء محليين يفتحون لها المجال ويوفرون لها الغطاء السياسي أو العسكري.

في هذا السياق، يرى جوناثان واينر، المبعوث الأميركي الخاص السابق إلى ليبيا، أن استمرار النفوذ العسكري الأجنبي في البلاد يعود إلى سعي أطراف ليبية عديدة إلى تعزيز مواقعها السياسية أو الأمنية عبر الارتباط برعاة خارجيين. فبينما كانت هذه الأطراف تبحث عن الدعم والحماية وتعزيز النفوذ، كانت القوى الأجنبية بدورها تسعى إلى توسيع حضورها السياسي والعسكري داخل ليبيا.

ويعتبر واينر أن هذه العلاقة ألحقت ضرراً بليبيا، حتى وإن حققت لبعض النخب المحلية مكاسب سياسية أو اقتصادية. فالمشكلة، في نظره، لا تقتصر على المرتزقة والقواعد العسكرية الأجنبية، بل تمتد إلى شبكات الفساد والاقتصاد السياسي غير المشروع التي تسمح باستمرار النفوذ الخارجي وتكافئ السلوك غير القانوني على حساب مؤسسات الدولة والمواطنين.

ويرفض واينر النظر إلى التدخلات الأجنبية باعتبارها نتاج سياسة دولية موحدة تجاه ليبيا، معتبراً أن معظم القوى الخارجية تحركت وفق مصالحها الخاصة. فبعض الدول تنظر إلى ليبيا من زاوية الطاقة، وأخرى من منظور مكافحة التهديدات الأمنية أو إدارة ملفات الهجرة، بينما تراها قوى أخرى منصة لتعزيز نفوذها الإقليمي أو لحماية مصالحها في السودان ومنطقة الساحل.

أما الولايات المتحدة، بحسب واينر، فقد تعاملت مع الملف الليبي بصورة متقطعة، ولم يؤدِّ اندلاع الحرب في أوكرانيا إلى تغيير جوهري في موقفها أو في الموقف الأوروبي من الوجود الروسي داخل ليبيا، إذ إن الاعتراض الغربي على هذا الوجود سبق الحرب بسنوات.

من جهته، يرى الخبير الأمني والعسكري أشريف بوفردة أن التدخل الأجنبي أصبح ممكناً أساساً بسبب غياب سلطة عسكرية وأمنية موحدة. ويقول إن ليبيا تعيش حالة هشاشة عميقة جعلت مؤسساتها السياسية والعسكرية والأمنية عاجزة عن العمل كدولة واحدة، الأمر الذي وفر بيئة مثالية لتوسع النفوذ الخارجي.

ويحذر بوفردة من أن بعض القوى الأجنبية لم تعد تستفيد فقط من الانقسام الليبي، بل أصبحت معنية باستمراره، لأن بقاء المشهد منقسماً يمنحها قدرة أكبر على التأثير في القرارين السياسي والعسكري وعلى دعم أطراف محلية ضد أخرى. ويضيف أن أخطر ما تواجهه ليبيا اليوم هو تحول التدخل الخارجي من عامل مرتبط بالأزمة إلى عامل يساهم في إعادة إنتاجها وإطالة أمدها.

أما حرشاوي فيذهب أبعد من ذلك، محملاً النخب الليبية نفسها جانباً كبيراً من المسؤولية. ويرى أن سبب وجود هذا العدد من الفاعلين الأجانب في ليبيا يعود، في المقام الأول، إلى خيارات القادة الليبيين أنفسهم. فبحسب تقديره، وجد هؤلاء القادة أنفسهم أمام خيارين: إما الحفاظ على السيادة الوطنية ولو على حساب بعض المكاسب السياسية والعسكرية، أو الاستقواء بالخارج لتحقيق أهداف تكتيكية وشخصية، وقد اختار كثيرون منهم الطريق الثاني منذ عام 2011.

ويضيف حرشاوي أن قادة ليبيين اعتادوا تقديم ما يشبه "الهدايا" للدول الأجنبية سعياً للحصول على دعم في مواجهة خصومهم المحليين، وهو ما ساهم في ترسيخ نفوذ قوى مثل روسيا وتركيا والإمارات ومصر داخل البلاد. ويرى أن هذه المعادلة، التي جمعت بين الطموحات المحلية والمصالح الخارجية، هي التي جعلت من الصعب تصور خروج تلك القوى من ليبيا في المستقبل القريب.

وتقود هذه القراءات إلى خلاصة واحدة: فالعلاقة بين الداخل والخارج في ليبيا لم تعد علاقة بسيطة بين متدخل وضحية. فالخارج يستفيد من الانقسام ويساهم في استدامته، لكن هذا الانقسام نفسه يجد من يغذيه داخلياً. ولهذا، فإن تقليص النفوذ الأجنبي لا يبدأ فقط بالضغط على القوى الخارجية، بل أيضاً بإعادة بناء مؤسسات دولة قادرة على احتكار القرار الأمني والعسكري وإنهاء الحاجة المحلية إلى الرعاة الأجانب.

ليبيا بين صراعات الخارج وكلفة الداخل

تكشف تداعيات الحرب الروسية–الأوكرانية على ليبيا أن أزمة البلاد لا تتعلق فقط بوجود قوى أجنبية على أراضيها، بل أيضاً بضعف الدولة نفسها. فحين تغيب سلطة موحدة قادرة على مراقبة القواعد والموانئ والمطارات، تصبح السيادة مسألة عملية لا سياسية فحسب: من يملك القرار؟ ومن يراقب ما يدخل إلى البلاد أو يخرج منها؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تتحول الأراضي أو المياه الليبية إلى جزء من صراع خارجي؟

وفي ظل هذا الواقع، لا يبقى المواطن الليبي مجرد متفرج على التنافس الدولي، بل يتحمل كلفته المباشرة. فالألغام ومخلفات الحرب تستمر في حصد الضحايا بعد انتهاء المعارك، والسلاح يتراكم رغم الحظر الدولي، فيما تتحول السواحل الليبية أحياناً إلى مساحة تتأثر بصراعات الطاقة والعقوبات والحروب البحرية الدائرة خارج حدود البلاد.

ولا تصنع الحرب الروسية–الأوكرانية أزمة ليبيا، لكنها تكشف بوضوح حجم هشاشتها. فروسيا تنظر إلى ليبيا بوصفها منصة نفوذ في المتوسط وأفريقيا، بينما يرى خصومها فيها مساحة محتملة لمنافسة هذا النفوذ أو احتوائه. أما الليبيون، فيجدون أنفسهم وسط هذه المعادلة من دون أن يملكوا قرار الحرب أو قرار السلام.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو من يتدخل في ليبيا، بل لماذا ما زالت ليبيا قابلة لهذا التدخل. فالتجربة الليبية خلال السنوات الماضية تشير إلى أن النفوذ الخارجي لا يترسخ بقوة السلاح وحدها، بل أيضاً عبر الانقسامات الداخلية التي تسمح له بالبقاء والتمدد. لذلك تبدو استعادة الدولة ومؤسساتها الموحدة شرطاً أساسياً لأي محاولة لإنهاء دورة التدخلات الأجنبية التي جعلت من ليبيا، مراراً، ساحة لتصفية حسابات الآخرين.

تحميل المزيد