أزمة الهجرة في ليبيا: كيف تمهد السياسات الأوروبية والانقسام الداخلي لتحويل البلاد إلى مركز طويل الأمد لاحتواء اللاجئين؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/06/08 الساعة 14:41 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/06/08 الساعة 14:41 بتوقيت غرينتش
مخاوف من تحول ليبيا إلى مركز احتواء طويل الأمد للمهاجرين/ عربي بوست

وسط تصاعد الجدل الشعبي والسياسي في ليبيا حول مخاوف توطين المهاجرين في ليبيا، تكشف معطيات رسمية وأممية أن القضية تتجاوز بكثير السجال الدائر حول وثائق التسجيل أو نشاط المنظمات الدولية. فبينما تنفي الجهات الأممية وجود أي برامج من أجل توطين المهاجرين في ليبيا، تبرز مؤشرات أكثر تعقيداً تتعلق بتحول ليبيا تدريجياً إلى مساحة احتواء طويلة الأمد لمئات الآلاف من المهاجرين.

يأتي هذا النقاش في وقت تشير فيه تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى وجود ما يقارب مليون مهاجر داخل ليبيا، بالتزامن مع تشدد السياسات الأوروبية الرامية إلى الحد من وصول المهاجرين إلى أراضي الاتحاد الأوروبي، وتوسع برامج التمويل والتعاون الأمني المرتبطة بإدارة الحدود والاعتراض البحري.

وفي المقابل، لا تزال ليبيا تفتقر إلى سياسة وطنية موحدة للهجرة واللجوء، في ظل الانقسام المؤسسي وتعدد الجهات المتدخلة في إدارة الملف.

لا ينطلق هذا التقرير من فرضية وجود مشروع معلن لتوطين المهاجرين داخل ليبيا، بل يحاول الإجابة عن سؤال أكثر إلحاحاً: هل تتحول ليبيا، بفعل تداخل السياسات الأوروبية وغياب الرؤية الوطنية الموحدة، إلى منطقة انتظار واحتواء دائمة للمهاجرين واللاجئين؟ وما انعكاسات ذلك على السيادة الليبية والاستقرار الاجتماعي ومستقبل إدارة أحد أكثر الملفات حساسية في البلاد؟

المفوضية وتوطين المهاجرين في ليبيا

في خضم الجدل المتصاعد بشأن مستقبل المهاجرين واللاجئين داخل ليبيا، تنفي مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بشكل قاطع وجود أي برامج أو ترتيبات تهدف إلى توطين المهاجرين في ليبيا، مؤكدة أن دورها يقتصر على الحماية الإنسانية المؤقتة والعمل على إيجاد حلول خارج الأراضي الليبية للأشخاص الذين يحتاجون إلى حماية دولية.

وفي تصريح خاص لـ"عربي بوست"، قالت أمل البرغوثي، الناطقة الرسمية باسم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في ليبيا، إن المفوضية لا تنفذ أي برامج أو ترتيبات من أجل توطنين المهاجرين في ليبيا، مؤكدة أن ليبيا ليست بلد توطين، وأن عمل المفوضية يركز على الدعم الإنساني المؤقت وإيجاد حلول خارج ليبيا للأشخاص الذين يحتاجون إلى الحماية الدولية.

وأوضحت البرغوثي أن التسجيل لدى المفوضية هو إجراء إنساني يهدف إلى تحديد الأشخاص الذين قد يحتاجون إلى الحماية الدولية، وجمع المعلومات الأساسية عن أوضاعهم واحتياجاتهم، ولا يمنح أي حق في الإقامة أو التوطين داخل ليبيا.

وأضافت أن إعادة التوطين أو الإجلاء إلى دولة ثالثة يختلف تماماً عن مفهوم التوطين داخل ليبيا، موضحة أن إعادة التوطين أو الإجلاء من الحلول التي تعمل عليها المفوضية خارج ليبيا، بالتعاون مع السلطات الليبية والمجتمع الدولي، وفق المعايير والإجراءات المعمول بها.

وشددت البرغوثي على أن المفوضية لا تعمل على ملف المهاجرين عموماً، بل يتركز دورها على فئة محدودة من الأشخاص الذين اضطروا إلى مغادرة بلدانهم بسبب الحرب أو الاضطهاد، وهم فئة محدودة مقارنة بإجمالي أعداد المهاجرين في ليبيا.

قلق من توطين المهاجرين في ليبيا/ عربي بوست
قلق من توطين المهاجرين في ليبيا/ عربي بوست

وكشفت الناطقة الرسمية باسم المفوضية أنه حتى مايو/ أيار 2026، يوجد لدى المفوضية في ليبيا نحو 113 ألف شخص ممن فروا من الحرب والاضطهاد، مشيرة إلى أن الجنسية السودانية تشكل الغالبية العظمى من المسجلين، إذ يمثل السودانيون أكثر من 83% من إجمالي المسجلين لدى المفوضية، وقد فرّ معظمهم من النزاع الدائر في بلادهم.

وفي ما يتعلق بالوثائق التي تمنحها المفوضية، أوضحت البرغوثي أنها "وثائق تسجيل وليست بطاقات"، وتأتي ضمن إجراءات المفوضية لتحديد الأشخاص الذين قد يحتاجون إلى الحماية الدولية، وجمع المعلومات الأساسية المتعلقة بأوضاعهم واحتياجاتهم.

وأكدت أن هذه الوثائق لا تمنح حق الإقامة أو العمل أو توطين المهاجرين في ليبيا، ولا تغيّر من صلاحيات الدولة الليبية في إدارة الهجرة أو تنظيم الإقامة أو اتخاذ القرارات السيادية المتعلقة بالأجانب الموجودين على أراضيها. ولفتت إلى أن الغرض العملي من هذه الوثائق هو تمكين الأشخاص المسجلين من الوصول إلى المساعدات العينية ومساعدات الإجلاء خارج ليبيا التي تقدمها المفوضية.

وحول الحلول المتاحة خارج ليبيا، قالت البرغوثي إن المفوضية تعمل على إيجاد حلول للأشخاص الذين يحتاجون إلى الحماية الدولية، بما في ذلك الإجلاء إلى دول ثالثة، والمسارات القانونية الأخرى، والعودة الطوعية إلى بلد المنشأ عندما تسمح الظروف بذلك.

وأشارت إلى أن سرعة إيجاد هذه الحلول تعتمد على عوامل خارج قدرة المفوضية، منها توفر أماكن وفرص في دول ثالثة، والإجراءات المطلوبة من الدول المستقبلة، إضافة إلى التطورات في بلدان المنشأ أو بلدان الإجلاء. كما كشفت أن المفوضية أجلت منذ عام 2017 أكثر من 15 ألف شخص خارج ليبيا.

ورغم أن توضيحات المفوضية تنفي وجود أي برامج من أجل توطين المهاجرين في ليبيا، وتفصل بوضوح بين التسجيل الإنساني وإعادة التوطين في دول ثالثة، فإنها لا تنهي الجدل الدائر حول ملف الهجرة بأبعاده الأوسع. فالمفوضية نفسها تؤكد أن ولايتها لا تشمل المهاجرين عموماً، وإنما فئة محددة من الأشخاص الذين يحتاجون إلى الحماية الدولية.

ومن هنا ينتقل النقاش إلى مستويات أخرى تتجاوز عمل المفوضية، ليطرح أسئلة أكثر تعقيداً حول الجهات التي تدير ملف مئات الآلاف من المهاجرين الموجودين في ليبيا، وما إذا كانت البلاد مهددة بالتحول، بحكم الأمر الواقع، إلى مساحة انتظار واحتواء طويلة الأمد.

بين التوطين وإعادة التوطين

يكشف جانب مهم من الجدل الليبي حول الهجرة عن حالة من الخلط بين مفاهيم قانونية مختلفة. فكلمة "التوطين" تُستخدم في الخطاب العام للدلالة على بقاء المهاجرين أو اللاجئين داخل ليبيا وتحول وجودهم إلى واقع دائم، في حين أن مصطلح "إعادة التوطين" يحمل معنى مختلفاً تماماً في القانون الدولي، إذ يشير إلى نقل لاجئين يحتاجون إلى حماية دولية من بلد لجوء أو عبور إلى دولة ثالثة توافق على استقبالهم.

ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة لأن جزءاً من المخاوف الشعبية يستند إلى الربط بين تسجيل اللاجئين لدى المنظمات الدولية، وتقديم المساعدات الإنسانية، وبرامج إعادة التوطين في دول أخرى، وبين فكرة التوطين داخل ليبيا. فليست كل وثيقة حماية إقامة دائمة، وليس كل تسجيل مشروع توطين، كما أن عمليات الإجلاء وإعادة التوطين غالباً ما تكون موجهة إلى دول أخرى خارج بلد العبور.

ومع ذلك، فإن توضيح المصطلحات وحده لا يكفي لتبديد القلق. فالمخاوف الليبية لا تنبع فقط من سوء فهم قانوني، بل من شعور متزايد بأن البلاد قد تتحمل أعباء طويلة الأمد في ظل غياب سياسة واضحة، وقاعدة بيانات وطنية موحدة، وقدرة فعلية على إدارة ملفات الحدود والإقامة والعمل والعودة.

من يدير الملف الأكبر؟

يزداد الجدل تعقيداً بسبب الخلط بين أدوار مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة، رغم اختلاف اختصاص كل منهما بشكل جوهري.

فالمفوضية تُعنى أساساً باللاجئين وطالبي اللجوء وعديمي الجنسية والأشخاص الذين يحتاجون إلى الحماية الدولية، بينما تتولى المنظمة الدولية للهجرة متابعة ملف الهجرة بمفهومه الأوسع، بما يشمل رصد أعداد المهاجرين، وتقديم المساعدات الإنسانية، وتنفيذ برامج العودة الطوعية وإعادة الإدماج.

هذا التداخل في فهم الأدوار يجعل أي عملية تسجيل أو وثيقة حماية أو مساعدة إنسانية تُفسَّر شعبياً باعتبارها خطوة نحو التوطين، رغم أن لكل منظمة ولاية مختلفة وأدوات قانونية مختلفة. فالمهاجر غير النظامي ليس بالضرورة لاجئاً، وطالب اللجوء ليس مهاجر عمل، وإعادة التوطين في دولة ثالثة لا تعني التوطين داخل ليبيا.

وتبرز أهمية المنظمة الدولية للهجرة عند الحديث عن الحجم الحقيقي للوجود الأجنبي داخل ليبيا، فبحسب مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة، بلغ عدد المهاجرين الموجودين في ليبيا خلال يناير/ كانون الثاني وفبراير/ شباط 2026 نحو 936,134 مهاجراً، بانخفاض طفيف مقارنة بـ939,638 مهاجراً خلال نوفمبر/ تشرين الثاني وديسمبر/ كانون الأول 2025.

كما تشير البيانات إلى أن هؤلاء المهاجرين ينتمون إلى 47 جنسية مختلفة ويتوزعون على 100 بلدية ليبية. وتوضح بيانات المنظمة أن السودانيين يشكلون النسبة الأكبر من إجمالي المهاجرين بنسبة 36%، يليهم النيجريون بنسبة 20%، ثم المصريون بنسبة 19%، والتشاديون بنسبة 9%.

وتكشف هذه الأرقام حجم الفجوة بين عدد الأشخاص المسجلين لدى مفوضية اللاجئين وعدد المهاجرين الذين ترصدهم المنظمة الدولية للهجرة. فبينما تتعامل المفوضية مع فئة محددة تحتاج إلى حماية دولية، ترصد المنظمة واقعاً أوسع يقترب من مليون مهاجر داخل البلاد.

وتشير هذه المعطيات إلى أن ليبيا لم تعد مجرد محطة عبور نحو أوروبا، بل تحولت، بدرجات متفاوتة، إلى بلد إقامة مؤقتة أو طويلة الأمد بحكم الأمر الواقع، نتيجة تداخل مجموعة من العوامل، من بينها الطلب على العمالة، وصعوبة العودة إلى بلدان المنشأ، وتشديد سياسات العبور نحو أوروبا، وهشاشة الحدود، واستمرار ضعف قدرة الدولة الليبية على إدارة الملف من خلال رؤية وطنية موحدة.

سياسات الاتحاد الأوروبي تُجبر ليبيا على منع تدفق المهاجرين/ عربي بوست
سياسات الاتحاد الأوروبي تُجبر ليبيا على منع تدفق المهاجرين/ عربي بوست

أرقام غائبة واقتصاد يستوعب المهاجرين

لا يقتصر الجدل الليبي حول الهجرة على الأبعاد الأمنية والسياسية، بل يتأثر أيضاً بغياب قاعدة بيانات سكانية حديثة تسمح بقياس حجم التحولات الديموغرافية بصورة دقيقة. فمنذ آخر تعداد سكاني شامل أُجري في ليبيا عام 2006، لم تمتلك الدولة قاعدة ديموغرافية محدثة يمكن الاعتماد عليها لتقدير أثر الهجرة على البنية السكانية أو قياس حجم التغيرات التي شهدتها البلاد خلال العقدين الماضيين.

وتدرج الهيئة العامة للمعلومات في ليبيا تعداد عام 2006 ضمن التعدادات العامة الرسمية، كما تشير بيانات شعبة السكان التابعة للأمم المتحدة إلى "تعداد ليبيا 2006" باعتباره آخر تعداد سكاني وسكني شامل أُجري في البلاد.

وفي ظل هذا الفراغ الإحصائي، يصبح الحديث عن "التغيير الديموغرافي" أقرب إلى مساحة تتداخل فيها التقديرات والانطباعات والمخاوف الشعبية، أكثر من كونه نقاشاً يستند إلى بيانات رسمية حديثة. كما يساهم غياب الأرقام الدقيقة في توسيع دائرة الشائعات المرتبطة بالتوطين أو تغيير التركيبة السكانية، خاصة في بلد يعاني أصلاً من ضعف الثقة بالمؤسسات والانقسام السياسي وغياب الشفافية في إدارة الملفات السيادية.

لكن قراءة المشهد لا تكتمل من دون التوقف عند العامل الاقتصادي. فاستمرار وجود مئات الآلاف من المهاجرين داخل ليبيا لا يرتبط فقط بضعف الرقابة على الحدود أو بصعوبة العودة إلى بلدان المنشأ، بل يرتبط أيضاً بوجود طلب فعلي على العمالة الأجنبية في قطاعات مختلفة من الاقتصاد.

وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن 76% من المهاجرين أفادوا بأنهم يعملون، خصوصاً في قطاعات البناء والعمل المنزلي والزراعة، فيما أظهر تقرير آخر للمنظمة حول شرق ليبيا أن المهاجرين ينشطون بشكل أساسي في الاقتصاد غير الرسمي، ويعملون في قطاعات البناء والتجزئة والتنظيف والزراعة وغيرها من الأعمال اليدوية.

وتكشف هذه المعطيات أن ملف الهجرة لا يمكن التعامل معه عبر الشعارات أو الحملات الأمنية فقط. فتنظيم الهجرة يرتبط أيضاً بتنظيم سوق العمل، وتحديد احتياجاته الفعلية، وفرز الفئات الموجودة داخل البلاد، وإيجاد أطر قانونية واضحة تمنع الاستغلال وتحفظ حقوق الدولة والمجتمع في الوقت نفسه.

الخطر ليس التوطين بل "الاحتواء"

بينما يتركز جزء كبير من الجدل الليبي حول مخاوف التوطين، يرى الباحث في قضايا الهجرة واللجوء طارق لملوم أن جوهر المشكلة يكمن في مكان آخر أكثر تعقيداً وخطورة.

ويقول لملوم، في حديثه لـ"عربي بوست"، إن الخطر الرئيسي الذي تواجهه البلاد اليوم لا يتمثل في "التوطين" بالمعنى القانوني أو السياسي المتداول في الخطاب العام، موضحاً أنه لا توجد حتى الآن مؤشرات على وجود سياسة رسمية أو اتفاق معلن يهدف إلى منح المهاجرين أو اللاجئين إقامة دائمة جماعية أو دمجهم مواطنين داخل المجتمع الليبي.

ويضيف أن الخطر الحقيقي يتمثل في تحول ليبيا إلى مساحة احتواء للمهاجرين وطالبي اللجوء العالقين؛ إذ يُمنع كثيرون منهم من الوصول إلى أوروبا، بينما لا تتوفر لهم في الوقت نفسه حلول مستدامة داخل ليبيا، سواء عبر الحماية القانونية أو فرص العمل المنظمة أو برامج العودة الآمنة. ويضيف أن هذا الوضع يخلق حالة طويلة الأمد من الهشاشة الإنسانية وعدم الاستقرار.

وبحسب لملوم، فإن المشكلة الأساسية تكمن في أن ليبيا لا تملك حتى الآن سياسة وطنية متكاملة للهجرة واللجوء. فلا يوجد نظام واضح لتسجيل المهاجرين وطالبي اللجوء، ولا آليات فعالة للفرز بين الفئات المختلفة، ولا إطار قانوني منظم للوصول إلى سوق العمل، ولا منظومة شفافة ومستقلة للرقابة على أماكن الاحتجاز.

كما أن برامج العودة الطوعية وإعادة الإدماج ما زالت محدودة مقارنة بحجم التدفقات والتحديات القائمة. ويشير لملوم إلى أن إدارة الملف، في ظل هذا الفراغ المؤسسي، باتت تعتمد بدرجة كبيرة على الإجراءات الأمنية وردود الفعل المؤقتة، وهو ما يساهم في إنتاج أزمات متكررة بدل معالجة الأسباب الجذرية.

أما في ما يتعلق بالتعاون الأوروبي مع ليبيا، فيرى لملوم أنه من الصعب إنكار أن الأولوية العملية خلال السنوات الماضية كانت تتركز على الحد من وصول المهاجرين إلى السواحل الأوروبية، من خلال دعم قدرات الاعتراض البحري، وتعزيز مراقبة الحدود، وتمويل بعض الأجهزة والبرامج المرتبطة بإدارة الهجرة. في المقابل، لم يشهد جانب بناء نظام ليبي متكامل للهجرة واللجوء وحماية الحقوق المستوى نفسه من الاستثمار والاهتمام.

ويخلص لملوم إلى أن النقاش الدائر اليوم حول "التوطين" قد يحجب أحياناً أسئلة أكثر أهمية، تتعلق بكيفية إدارة وجود مئات الآلاف من المهاجرين واللاجئين الموجودين بالفعل داخل ليبيا، وكيفية بناء سياسات تحافظ على السيادة الليبية من جهة، وتحترم الحقوق الإنسانية والالتزامات الدولية من جهة أخرى.

خوف شعبي في دولة تبحث عن الإجابات

يصعب التعامل مع المخاوف الليبية من التوطين باعتبارها مجرد مبالغة أو خطاب عاطفي، فهذه المخاوف تتشكل داخل بيئة تعاني أصلاً من غياب البيانات الدقيقة وضعف مؤسسات الدولة والانقسام السياسي المستمر.

ففي بلد لا يملك تعداداً سكانياً حديثاً، ولا حدوداً مضبوطة بشكل كامل، ولا سلطة موحدة قادرة على فرض سياسة واحدة من رأس جدير إلى الكفرة، ومن طرابلس إلى بنغازي وسبها، يصبح القلق من أي تغير ديموغرافي واسع النطاق أمراً مفهوماً لدى قطاعات واسعة من المواطنين.

وتتزايد حساسية هذا الملف مع اتساع حضور المهاجرين في مدن وقرى تعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية وتراجع في الخدمات العامة وضعف الثقة بالمؤسسات، إلى جانب شعور متنامٍ بأن الدولة لا تقدم للرأي العام معلومات كافية بشأن الاتفاقات والتمويلات والبيانات وأدوار المنظمات الدولية العاملة في الملف.

ويصبح هذا الفراغ أكثر خطورة عندما تنتقل المخاوف من منصات التواصل الاجتماعي إلى محيط مقار المنظمات الدولية. فالتصعيد الذي شهدته محيطات بعض المقرات الأممية يعكس حجم الاحتقان الناتج عن الخلط بين المفاهيم، وغياب التواصل الرسمي الواضح، وتراكم القلق الشعبي تجاه ملف لا تديره الدولة وفق سياسة مفهومة ومعلنة للرأي العام.

ومن هذا المنطلق، لا يبدو الجدل الدائر حول الهجرة في ليبيا مجرد رفض للمهاجرين كأفراد، بقدر ما يعكس أزمة ثقة أوسع بين المواطن والمؤسسات. فالكثير من الليبيين لا يعرفون من يتخذ القرار، ولا من ينسق بين الجهات المختلفة، ولا من يملك البيانات، ولا ما حدود دور المنظمات الدولية، ولا أين تبدأ صلاحيات الدولة وأين تنتهي. وفي مثل هذا المناخ، تصبح الشائعة أكثر انتشاراً من المعلومة الرسمية، ويصبح الخوف أكثر تأثيراً من التوضيح.

تقارير عن احتمال توطين المهاجرين في ليبيا أثار القلق محلياً/ عربي بوست
تقارير عن احتمال توطين المهاجرين في ليبيا أثار القلق محلياً/ عربي بوست

بين رفض التوطين وغياب الاستراتيجية

على المستوى الرسمي، جددت وزارة الخارجية الليبية رفضها لتوطين المهاجرين، مع التأكيد على حق المواطنين في التعبير وفق القانون واحترام حرمة مقار البعثات الدبلوماسية. كما أعلن مجلس النواب رفضه أي مشاريع أو ترتيبات قد تؤدي إلى التسكين أو التوطين أو إحداث تغيير ديموغرافي، معتبراً أن حماية الهوية الوطنية والسيادة الليبية تمثل خطوطاً حمراء.

غير أن المواقف السياسية الرافضة للتوطين لا تكفي وحدها لمعالجة الأزمة. فالسؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بما إذا كانت ليبيا ترفض التوطين، بل بما إذا كانت تمتلك أصلاً سياسة وطنية متكاملة لإدارة الهجرة واللجوء.

وفي هذا السياق، يرى امحمد المهدي، الخبير والمتخصص في شؤون الحدود والهجرة، أن ليبيا لا تزال تفتقر إلى سياسة وطنية موحدة لإدارة ملف مكافحة الهجرة غير النظامية، معتبراً أن الجهود المبذولة في حكومتي الشرق والغرب تأتي غالباً في صورة ردود فعل آنية استجابة لمطالب الرأي العام المحلي، من دون أن تستند إلى رؤية استراتيجية شاملة لمعالجة الملف.

ويقول المهدي، في حديثه لـ"عربي بوست"، إن الدعم الأوروبي المقدم لليبيا في هذا الملف لا يزال محدوداً من حيث أثره العملي، ويقتصر في معظمه على برامج تدريب أولية يمكن تنفيذها محلياً، مثل الإسعافات الأولية وبعض التدريبات البسيطة، إضافة إلى توفير معدات محدودة كالقوارب المطاطية والسيارات.

ويضيف أن هذا الدعم لا يتناسب مع حجم الظاهرة وتعقيداتها، ولا مع ما تتحمله ليبيا من أعباء جسيمة في ملف الهجرة، مشدداً على أن الدعم الحقيقي ينبغي أن يتجه إلى إنشاء منظومات مراقبة إلكترونية حديثة لتأمين الحدود الجنوبية، وتعزيز قدرات حرس الحدود بالتجهيزات والتقنيات المتطورة المستخدمة عالمياً، وبناء بنية تحتية أمنية وتقنية قادرة على ضبط حركة الهجرة غير النظامية بفاعلية.

وتسلط هذه القراءة الضوء على جانب آخر من الأزمة، يتمثل في أن ليبيا لا تواجه فقط ضغوطاً خارجية مرتبطة بمحاولات الحد من وصول المهاجرين إلى أوروبا، بل تواجه أيضاً تحديات داخلية تتعلق بضعف أدوات الإدارة والسيطرة. وبين دعم أوروبي محدود من حيث الأثر المباشر، وانقسام سياسي يجعل القرار موزعاً بين سلطات متنافسة، يبقى ملف الهجرة محكوماً بمنطق الاستجابة الآنية وردود الفعل، أكثر من خضوعه لسياسة وطنية شاملة ومستقرة.

ليبيا أمام موجة جديدة من التكدس البشري

في وقت تتجه فيه أوروبا نحو تشديد سياساتها المتعلقة بالهجرة واللجوء، تبرز ليبيا باعتبارها إحدى أكثر دول العبور تأثراً بالتحولات الجارية داخل الاتحاد الأوروبي. فالتطورات الأخيرة لا تشير إلى وجود مشروع معلن لتوطين المهاجرين داخل الأراضي الليبية، لكنها تثير تساؤلات متزايدة بشأن احتمال تحول البلاد إلى مساحة احتواء طويلة الأمد للمهاجرين العالقين على تخوم أوروبا.

وفي الأول من يونيو/ حزيران 2026، توصل الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق سياسي مبدئي بشأن قواعد جديدة تسمح للدول الأعضاء بإرسال مهاجرين رُفضت طلباتهم أو صدرت بحقهم قرارات مغادرة إلى ما يعرف بـ"مراكز عودة" في دول ثالثة خارج الاتحاد.

ورغم أن الدول الأعضاء لم تكشف عن الدول المحتملة لاستضافة هذه المراكز، كما أن التشريع لا يزال بحاجة إلى اعتماد رسمي، فإن النقاش أثار اهتماماً واسعاً في ليبيا بالنظر إلى موقعها المركزي في مسارات الهجرة المتوسطية.

وأوضح مجلس الاتحاد الأوروبي أن الاتفاق يهدف إلى تسريع إجراءات إعادة الأشخاص المقيمين بصورة غير نظامية داخل دول الاتحاد ضمن إطار قانوني جديد لسياسة العودة الأوروبية. ولم تُذكر ليبيا كدولة مضيفة لهذه المراكز، غير أن موقعها الجغرافي وحساسيتها في ملف الهجرة يجعلانها معنية بصورة مباشرة بأي توجه أوروبي لنقل أعباء إدارة الهجرة إلى دول خارج الاتحاد.

ولا يتعلق الأمر، في هذه المرحلة، بقرار أوروبي معلن لتوطين المهاجرين داخل ليبيا، بل باتجاه أوسع يسعى إلى إبعاد أزمة الهجرة عن الحدود الأوروبية. ومع ذلك، فإن هذا التوجه قد يقود إلى نتيجة عملية مشابهة تتمثل في بقاء أعداد متزايدة من المهاجرين واللاجئين عالقين داخل دول العبور، وفي مقدمتها ليبيا.

وفي هذا السياق، يرى حسام شاكر، الباحث في الشؤون الأوروبية وقضايا الهجرة، أن سياسات الهجرة واللجوء الأوروبية تتجه خلال السنوات الأخيرة نحو مزيد من التشدد، وأن الترتيبات الأوروبية المستجدة تستهدف تضييق منافذ الوصول إلى القارة الأوروبية بالتوازي مع تعزيز التفاهمات مع دول العبور المتوسطية، ومن بينها ليبيا.

ويقول شاكر، في حديثه لـ"عربي بوست"، إن هذه السياسات تؤدي عملياً إلى زيادة الضغط على دول العبور غير الأوروبية، وإلى واقع من "التكدس البشري المتزايد" داخل هذه الدول، معتبراً أن ليبيا تبدو في صدارة هذا المشهد بسبب مساحتها الواسعة، وحدودها شبه المفتوحة، وتعقيداتها الداخلية في إدارة ملف الهجرة.

ويضيف أن هذا الواقع سيفرض على ليبيا أسئلة ملحة تتعلق بكيفية التعامل مع أعداد كبيرة من المهاجرين غير النظاميين، سواء من خلال تنظيم أوضاع بعض الفئات مؤقتاً وفق ترتيبات قانونية واضحة، أو عبر إيجاد مسارات عودة طوعية آمنة ومناسبة، أو من خلال الانتقال من مقاربات الاحتجاز والتسجيل المؤقت إلى سياسات أكثر شمولاً تتعامل مع الواقع القائم.

كما يحذر شاكر من أن غياب مقاربة ليبية شاملة تنطلق من المصالح الوطنية وتستوعب حقيقة وجود أعداد كبيرة من البشر داخل البلاد قد يبقي الملف مفتوحاً على مزيد من التوترات والأزمات، خصوصاً إذا لم تُطرح خيارات عملية للعودة الطوعية أو لتنظيم أوضاع بعض الفئات وفق ترتيبات واضحة.

التمويل الأوروبي وحدود السيادة الليبية

لا يقتصر الحضور الأوروبي في الملف الليبي على الجانب السياسي، بل يمتد إلى مستويات واسعة من التمويل والدعم المرتبطين بإدارة الهجرة والحدود.

وتشير بيانات الاتحاد الأوروبي إلى تخصيص ميزانيات كبيرة منذ عام 2015 لبرامج مرتبطة بالهجرة وإدارة الحدود في ليبيا، شملت تمويلات ضمن الصندوق الائتماني الأوروبي للطوارئ في أفريقيا، وبرامج ثنائية وإقليمية للحماية والعودة الإنسانية الطوعية والإجلاء، فضلاً عن دعم خفر السواحل الليبي عبر بعثة المساعدة الحدودية الأوروبية وعملية "إيريني".

وتكشف هذه الأرقام حجم الانخراط الأوروبي في إدارة ملف الهجرة الليبي، لكنها تفتح في الوقت نفسه باباً لسؤال سياسي حساس يتعلق بمدى تأثير هذا التمويل على استقلالية القرار الليبي: هل يسهم الدعم الأوروبي في بناء سياسة وطنية ليبية مستقلة لإدارة الهجرة، أم أنه يجعل ليبيا جزءاً من منظومة أوروبية أوسع تهدف إلى ضبط الحدود خارج القارة؟

وفي هذا الإطار، خلص تحليل أعده الباحث ولفرام لاخر لصالح المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP) إلى أن المفوضية الأوروبية وإيطاليا واليونان تسعى إلى الحد من الهجرة غير النظامية عبر ليبيا، مشيراً إلى أن بعض جوانب السياسة الأوروبية في ليبيا لم تحقق أهدافها، خاصة في ما يتعلق بتحسين أوضاع مراكز الاحتجاز وظروف العمال المهاجرين واللاجئين.

كما يسلط التحليل الضوء على آثار سياسية داخلية لهذه السياسات، من بينها تعزيز نفوذ جهات محلية مرتبطة بمنظومة الاعتراض والاحتجاز، وهو ما يعيد طرح سؤال جوهري داخل ليبيا: هل الهدف الأساسي من هذه السياسات هو مساعدة ليبيا على إدارة الهجرة، أم تحويلها إلى خط دفاع متقدم لحماية الحدود الأوروبية؟

الهجرة بوابة جديدة للتعامل مع الانقسام

أحد أبرز التحولات التي شهدها الملف خلال الفترة الأخيرة يتمثل في اتساع نطاق التعاون الأوروبي ليشمل أطرافاً ليبية في الشرق، بعد أن ظل لسنوات مرتبطاً أساساً بمؤسسات الغرب الليبي.

ففي مايو/ أيار 2026، كشفت منظمة Statewatch عن وثيقة قالت إنها "ترتيب فني" يوسع التعاون بين عملية "إيريني" الأوروبية وجهات ليبية في الشرق مسؤولة عن إنفاذ القانون وعمليات البحث والإنقاذ البحري، بما يشمل التدريب والدعم وتطوير مركز تنسيق إقليمي في بنغازي.

وتحمل هذه الخطوة أبعاداً سياسية تتجاوز الجانب الفني، إذ تشير إلى أن ملف الهجرة أصبح إحدى بوابات التعامل الأوروبي مع طرفي الانقسام الليبي. فبدل حصر التعاون في حكومة أو مؤسسة واحدة، تتجه أوروبا إلى توسيع شبكات التعاون لتشمل جهات مختلفة تحت عنوان إدارة الهجرة والبحث والإنقاذ.

غير أن هذا التوسع يثير تساؤلات سيادية معقدة. فإذا كانت ليبيا لا تزال منقسمة سياسياً ومؤسساتياً، فمن هي الجهة المخولة بإبرام مثل هذه التفاهمات؟ ومن يراقبها؟ ومن يضمن ألا يتحول الدعم والتدريب ومراكز التنسيق إلى أدوات تمنح شرعية أمنية لأطراف محلية خارج إطار التوافق الوطني؟

وفي بلد مثل ليبيا، لا تمثل الهجرة ملفاً إنسانياً فحسب، بل أصبحت أيضاً مصدراً للتمويل والنفوذ والاعتراف السياسي. فالجهات التي تسيطر على مسارات الهجرة أو عمليات الاعتراض والاحتجاز تكتسب أهمية متزايدة لدى الشركاء الدوليين، ما يجعل الملف جزءاً من معادلات النفوذ الداخلي.

حين يصبح الاحتجاز جزءاً من المنظومة

لا يمكن فهم واقع إدارة الهجرة في ليبيا من دون التوقف عند ملف مراكز الاحتجاز، الذي ظل محوراً أساسياً في التقارير الأممية والحقوقية خلال السنوات الأخيرة.

ففي فبراير/ شباط 2026، قالت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ومكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء يتعرضون لانتهاكات ممنهجة تشمل القتل والتعذيب والعنف الجنسي والاتجار بالبشر، ووصفت ما يجري بأنه "نموذج عمل عنيف" تستفيد منه أطراف وشبكات متعددة.

كما وثق تقرير أممي يغطي الفترة الممتدة من يناير/ كانون الثاني 2024 إلى ديسمبر/ كانون الأول 2025 استمرار انتهاكات واسعة ضد المهاجرين وطالبي اللجوء واللاجئين في ليبيا، وسط حالة مستمرة من الإفلات من العقاب.

وتجعل هذه المعطيات أي تعاون دولي يؤدي عملياً إلى اعتراض المهاجرين في البحر وإعادتهم إلى ليبيا مسألة قانونية وأخلاقية شديدة الحساسية. فإذا كانت مراكز الاحتجاز تشهد انتهاكات موثقة، وإذا كانت منظومة العدالة نفسها تعاني الانقسام والضعف، فإن التساؤلات تظل قائمة بشأن مصير الأشخاص الذين تتم إعادتهم إلى الأراضي الليبية.

فالقضية لا تتعلق فقط بمنع قوارب الهجرة من الوصول إلى أوروبا، بل بما يحدث للمهاجرين بعد اعتراضهم: هل يعودون إلى إجراءات قانونية واضحة؟ أم إلى مراكز احتجاز مفتوحة على الانتهاكات؟ وهل يتم التعامل مع ليبيا كشريك سيادي كامل، أم كساحة لاحتواء الأزمة بعيداً عن الضغوط السياسية داخل أوروبا؟

ليبيا بين ضغوط الجنوب ومخاوف الشمال

تجد ليبيا نفسها اليوم في قلب معادلة جغرافية وسياسية معقدة. فمن الجنوب، تدفع الحروب والانقلابات والفقر وتداعيات تغير المناخ آلاف الأشخاص نحو الشمال بحثاً عن فرص أفضل. ومن الشمال، تمارس أوروبا ضغوطاً متزايدة لمنع وصول هؤلاء إلى أراضيها.

وبين هذين الطرفين تقف دولة ليبية منقسمة لا تمتلك مؤسسات موحدة قادرة على إدارة هذا الملف الشديد التعقيد.

هذا الموقع يجعل ليبيا منطقة عازلة بين جنوب مضطرب يدفع البشر إلى الهجرة وشمال أوروبي يسعى إلى إيقافهم قبل الوصول إلى حدوده. وفي هذه المساحة الوسطى، يتحمل الليبيون أعباء الضغوط الأمنية والاجتماعية، بينما يتحمل المهاجرون مخاطر الاحتجاز والانتهاكات والاستغلال، في حين تنجح أوروبا في إبعاد جزء من الأزمة عن حدودها المباشرة.

والأخطر أن هذا الواقع قد يتحول إلى وضع دائم كلما توسعت سياسات الاعتراض والاحتواء، واستمر غياب السياسة الوطنية الموحدة، وتعزز الانقسام بين مؤسسات الشرق والغرب. عندها قد تتحول ليبيا تدريجياً من دولة عبور إلى منصة انتظار واحتجاز وترحيل مفتوحة.

تحميل المزيد