لم تعد الخلافات بين مصر وإسرائيل محصورة في إدارة الحرب على قطاع غزة أو معبر رفح وممر فيلادلفيا، بل تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى حالة من التوتر السياسي والأمني المتصاعد، ترافقت مع حملات إعلامية إسرائيلية متكررة تستهدف السياسات المصرية في سيناء، واتهامات تتعلق بالتواجد العسكري ومشروعات البنية التحتية والتنمية قرب الحدود المشتركة.
وبينما تؤكد القاهرة أن ما تنفذه في شبه جزيرة سيناء يندرج ضمن خطط تنموية وأمنية معلنة تستهدف حماية الحدود واستكمال عملية تعمير المنطقة بعد سنوات من الحرب على الإرهاب، تنظر دوائر مصرية إلى الخطاب الإسرائيلي المتصاعد باعتباره جزءاً من محاولة أوسع لخلق حالة عداء مستمرة مع مصر وتبرير سياسات الحكومة الإسرائيلية اليمينية.
وكشفت مصادر مصرية مطلعة أن العلاقات بين مصر وإسرائيل تمر حالياً بإحدى أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات طويلة، في ظل تصاعد التحريض الإسرائيلي، وتراجع مستوى الاتصالات السياسية، واستمرار الخلافات حول الحرب في غزة ومستقبل القطاع، إلى جانب تزايد المخاوف المصرية من أن تتحول سيناء مجدداً إلى ساحة صراع سياسي وإعلامي في إطار الترتيبات الإقليمية التي تحاول إسرائيل فرضها بعد الحرب.
سيناء في قلب التوتر بين مصر وإسرائيل
قال مصدر مصري مطلع إن العلاقات بين مصر وإسرائيل تشهد تراجعاً متواصلاً خلال الفترة الحالية، في ظل استمرار حملات التحريض التي تقودها وسائل إعلام إسرائيلية إلى جانب تصريحات صادرة عن مسؤولين رسميين، مشيراً إلى أن هذا المناخ ينعكس بصورة مباشرة على الأوضاع قرب الحدود، خصوصاً مع استمرار إسرائيل في عدم الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار في غزة واستمرار القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين من وإلى القطاع.
وأوضح المصدر في تصريح لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم ذكر اسمه لحساسية الموضوع، أن القاهرة تلاحظ اتجاهاً إسرائيلياً متزايداً للتعامل مع أي مشروع تنموي أو أمني تنفذه مصر في سيناء باعتباره خطوة عدائية موجهة ضد إسرائيل، وهو ما يخلق حالة استنفار دائمة تتزامن مع عودة الحديث الإسرائيلي عن مخططات تهجير الفلسطينيين.
غير أن مصر، يقول المصدر، ليست لديها رغبة في تصعيد التوترات مع إسرائيل، وتؤكد بصورة مستمرة أهمية حل الأزمات عبر الوسائل السياسية والسلمية، لكن المشكلة تكمن في أن الطرف الآخر لا يبدو معنياً بالقدر نفسه بالحفاظ على هذا النهج، الأمر الذي يدفع القاهرة إلى الاستمرار في تنفيذ خططها التنموية والأمنية دون الالتفات إلى حملات التحريض.
وتنظر القاهرة إلى عملية تعمير سيناء باعتبارها جزءاً من استراتيجية وطنية طويلة الأمد تهدف إلى حماية الأمن القومي والقضاء على الفراغات الجغرافية التي يمكن أن تتحول إلى بيئات حاضنة للتطرف أو عدم الاستقرار. ولفت المصدر إلى أن القاهرة حققت خلال السنوات الماضية نجاحات كبيرة في مواجهة الإرهاب والحد من نشاط التنظيمات المتطرفة بصورة شبه كاملة.
وبحسب المصدر ذاته، فإن إسرائيل تحاول افتعال معارك سياسية وإعلامية مع مصر من خلال تقارير ومزاعم متكررة تصدر عن وسائل إعلام مرتبطة بدوائر أمنية واستخباراتية، فيما يجري توظيف هذه الحملات لشحن الرأي العام الإسرائيلي ضد مصر من جهة، وخدمة الأجندة السياسية للحكومة اليمينية من جهة أخرى.
وأكد المصدر أن الاعتراض الإسرائيلي الحقيقي لا يتعلق بمطار الجورة أو غيره من المنشآت بعينها، بل يرتبط بالمشروعات الاستراتيجية التي تنفذها مصر في سيناء، وفي مقدمتها شبكة الطرق والأنفاق والبنية التحتية التي عززت الارتباط بين شبه الجزيرة وباقي المحافظات المصرية.
وتدرك إسرائيل جيداً أن تعمير سيناء لا يخدم بعض التصورات الإسرائيلية المتعلقة بمستقبل المنطقة، ولذلك، يقول المصدر، تسعى إلى الترويج لمزاعم لا تستند إلى وقائع حقيقية، لافتاً إلى أن أي تعديلات أو زيادات في حجم القوات المصرية داخل المنطقة "ج" تمت بالتوافق الكامل مع إسرائيل والقوات متعددة الجنسيات المكلفة بمراقبة تنفيذ اتفاقية السلام.
مطار الجورة.. لماذا أثار كل هذا الجدل؟
خلال الأيام الماضية، تصاعد الجدل في إسرائيل بعد نشر تقارير إعلامية تحدثت عن أعمال تطوير واسعة في مطار الجورة شمال سيناء.
وزعمت منصة "ناتسيف نت" الإسرائيلية أن تقارير استخباراتية كشفت عن عمليات إصلاح وتحديث واسعة نفذها الجيش المصري في المطار الواقع على بعد نحو 12 كيلومتراً فقط من الحدود الإسرائيلية، معتبرة أن هذه الأعمال تأتي في إطار ما وصفته بتعزيز الوجود العسكري المصري في شبه الجزيرة.
وتحدثت التقارير الإسرائيلية عن إطالة المدارج وتوسيعها وتطويرها لاستقبال الطائرات المقاتلة وطائرات النقل الثقيل، بالإضافة إلى إنشاء ملاجئ للطائرات ومنشآت لوجستية ومستودعات وقود ومبانٍ محصنة، معتبرة أن المطار يتحول تدريجياً من منشأة مرتبطة بالقوات متعددة الجنسيات إلى قاعدة جوية نشطة لسلاح الجو المصري.
كما ذهبت بعض التقارير الإسرائيلية إلى التحذير من أن تطوير المطار يمكن أن يسمح بالنقل السريع للقوات والمعدات إلى شمال سيناء، وهو ما اعتبرته مؤثراً في التوازنات العسكرية في المنطقة.
لكن المصدر المصري شدد في حديثه لـ"عربي بوست" على أن هذه الادعاءات تندرج في إطار حملة أوسع تهدف إلى تصوير أي نشاط مصري في سيناء باعتباره تهديداً لإسرائيل، في حين أن القاهرة تنفذ مشروعاتها التنموية والأمنية بصورة معلنة ووفق ترتيبات معروفة لدى جميع الأطراف المعنية باتفاقية السلام.
التهجير وغزة.. جوهر الأزمة الحقيقية
ترى مصادر مصرية أن جوهر الخلاف الحالي بين مصر وإسرائيل لا يتعلق بمطار الجورة أو المشروعات التنموية، بل يرتبط أساساً بالموقف المصري الرافض لمخططات تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة.
إذ تسعى إسرائيل إلى خلق حالة عداء مستمرة مع مصر لأسباب سياسية وانتخابية وأمنية. وأشار المصدر المصري المطلع إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تحاول استثمار هذه التوترات في ظل الضغوط الداخلية التي يواجهها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وأضاف أن نتنياهو يعمل على تخفيف الضغوط التي تواجه ائتلافه السياسي في الداخل الإسرائيلي، خصوصاً مع استمرار الانتقادات المرتبطة بالحرب في غزة، وعدم قدرته على تحقيق ما يعتبره القضاء الكامل على الخطر القادم من القطاع، إلى جانب استمرار التهديدات على الجبهة الشمالية المرتبطة بحزب الله.
وأصبحت مصر بالنسبة لبعض الدوائر الإسرائيلية هدفاً دعائياً مناسباً يمكن استخدامه في المعارك السياسية الداخلية، كما أن إثارة المخاوف من مصر قد تساعد الحكومة الإسرائيلية في الحصول على مزيد من الدعم العسكري الأمريكي في وقت تواجه فيه واشنطن أعباء مالية متزايدة نتيجة الحروب والصراعات التي خاضتها إسرائيل خلال السنوات الأخيرة.
في هذا السياق، برزت تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الذي أعلن أن إسرائيل ستنفذ خطة "الهجرة الطوعية" للفلسطينيين من قطاع غزة "في التوقيت والطريقة المناسبين"، وهو ما تعتبره القاهرة جزءاً من مشروع تهجير ترفضه بصورة مطلقة.
وتنظر مصر إلى هذه التصريحات باعتبارها مؤشراً على أن فكرة التهجير لم تغب عن الحسابات الإسرائيلية رغم الرفض المصري والعربي والدولي الواسع لها، بل يجري تأجيلها أو إعادة طرحها في صيغ مختلفة كلما سنحت الظروف السياسية والأمنية بذلك.
القاهرة: إسرائيل خرقت الاتفاق أولاً
من جانبه، أكد مصدر عسكري مصري أن القاهرة تحرص على تفويت أي فرصة يمكن أن تستغلها إسرائيل لمهاجمة مصر أو اتهامها بخرق الاتفاقات الأمنية، مشيراً إلى أن أي تحركات عسكرية أو أمنية في شمال سيناء يتم إبلاغ القوات متعددة الجنسيات بها وفق الآليات المعمول بها.
وأضاف أن التنسيق الأمني بين مصر وإسرائيل لم يتوقف حتى الآن رغم حالة التوتر السياسي، لكن الحملات الإعلامية المتواصلة تكشف عن رغبة لدى بعض الدوائر الإسرائيلية في توجيه الرأي العام الداخلي نحو ما تسميه "الخطر القادم من سيناء".
وحسب المصدر العسكري المصري، فإن مصر تنفذ مشروعاتها التنموية في سيناء أمام أنظار الجميع، وأن إسرائيل تعلم جيداً طبيعة هذه المشروعات وأهدافها، كما أن تطوير مطار الجورة لم يكن خطوة مفاجئة، بل جزءاً من خطط معلنة منذ سنوات.
فيما أشار المصدر إلى أن استمرار التحريض الإسرائيلي يدفع العلاقات نحو مزيد من التوتر، موضحاً أن القاهرة اضطرت خلال الفترة الأخيرة إلى تعزيز وجودها الأمني في سيناء بعد قيام إسرائيل باحتلال ممر فيلادلفيا المحاذي للحدود مع غزة، وهي منطقة منزوعة السلاح وفق الترتيبات القائمة.
وترى مصر أن إسرائيل هي التي خرقت الاتفاقات القائمة أولاً، وبالتالي فإن القاهرة تتعامل مع التطورات الحدودية وفق ما تراه ضرورياً لحماية أمنها القومي وليس وفق الرؤية الإسرائيلية.
صناعة "الخطر المصري"
لم يقتصر التصعيد على التقارير المتعلقة بسيناء، بل امتد إلى تحذيرات إسرائيلية متكررة من احتمال مواجهة مستقبلية مع مصر.
فقد أثار تقرير عبري جدلاً واسعاً بعد تداول تصريحات منسوبة للجاسوس الإسرائيلي السابق جوناثان بولارد تحدث فيها عن ضرورة استعداد إسرائيل لاحتمال الدخول في صراع مستقبلي مع مصر وتركيا، معتبراً أن التهديد الإيراني ليس سوى مقدمة لتحديات إقليمية أكبر.
كما دعت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية في مايو/ أيار 2026 إلى التعامل بجدية أكبر مع الحدود الجنوبية والاستعداد لاحتمال اندلاع مواجهة مباشرة مع مصر، معتبرة أن ما يجري بين البلدين لم يعد يندرج في إطار "السلام البارد"، بل يقترب من حالة "الحرب الباردة".
وذهبت الصحيفة إلى اتهام القاهرة بالتحرك ضد المصالح الإسرائيلية في عدد من الملفات الإقليمية، بما في ذلك الموقف من غزة وبعض التحركات الدبلوماسية الإقليمية.
وفي السياق نفسه، زعم عضو الكنيست الإسرائيلي عميت هاليفي أن مصر تنتهك اتفاقية السلام عبر تطوير بنية تحتية عسكرية في سيناء، داعياً الجيش الإسرائيلي إلى إعادة النظر في انتشاره على الجبهة الجنوبية.
علاقات على حافة "الحرب الباردة"
أكد المصدر العسكري المصري لـ"عربي بوست" أن إسرائيل تسعى إلى الاحتكاك مع مصر ولو على المستوى الإعلامي والسياسي، خصوصاً في ظل المواقف المصرية الرافضة للحرب على غزة ولأي مخططات تستهدف تهجير الفلسطينيين.
وأضاف أن القاهرة لن تتعرض للابتزاز السياسي وليست في موقع الاتهام حتى تدافع عن نفسها، مؤكداً أن مصر تلتزم بكافة المواثيق والاتفاقيات الدولية، لكنها تمتلك في الوقت نفسه القدرة على حماية مصالحها وأمنها القومي إذا اقتضت الضرورة.
فيما أشار إلى أن الدرس الأهم الذي استخلصته مصر من عقود التعايش مع إسرائيل هو أن الدولة العبرية تسعى باستمرار إلى خلق أعداء جدد وتوظيف الصراعات في خدمة أجنداتها الداخلية والخارجية.
وقال المصدر العسكري، الذي تحدث لـ"عربي بوست" مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن العلاقات بين مصر وإسرائيل دخلت بالفعل مرحلة يمكن وصفها بـ"الحرب الباردة"، حيث تتعامل القاهرة بعقلانية مع التصعيد لكنها تتابع بقلق استمرار التحريض الإسرائيلي ووجود حكومة يمينية متطرفة.
وأشار إلى أن العلاقات بين مصر وإسرائيل ليست في أفضل أحوالها، وأن الاتصالات السياسية الرسمية تراجعت إلى الحد الأدنى، حتى إن مصر رفضت قبول أوراق السفير الإسرائيلي، فيما بات التواصل يقتصر على بعض القنوات واللجان التنسيقية اللازمة لمنع انفجار الأوضاع على الحدود.
ورغم ذلك، لا تزال القاهرة حريصة على الحفاظ على اتفاقية السلام، لكنها ترى أن مستقبل الاتفاق والعلاقات الثنائية سيظل رهناً بمدى التزام إسرائيل أيضاً بمقتضياته، وبقدرتها على وقف سياسات التصعيد والتحريض التي تدفع بالعلاقات نحو أخطر منعطف تشهده منذ سنوات طويلة.