نوعت مصر خطواتها الساعية لتأمين احتياجاتها من القمح في ظل توترات إقليمية مستمرة وزيادة في معدلات الاستهلاك المحلي ناتج عن الزيادة السكانية وزيادة أعداد الوافدين واللاجئين على أراضيها، في وقت تشهد فيه سلاسل الإمداد العالمية وما يرتبط بها من تكاليف الشحن اضطرابات في الأسعار يمكن أن تتصاعد حال توسع الصراع في منطقة الشرق الأوسط، ما يجعلها تركز بشكل أساسي على زيادة الإنتاج المحلي والاعتماد على خطط تصديرية طويلة الأجل إلى جانب الشروع في تدشين مركز عالمي لتجارة الحبوب والأغذية.
وقال مصدر حكومي إن منظومة زراعة القمح واستيراده شهدت تغييرات واسعة على مستوى الخطط الحكومية خلال السنوات الأخيرة وبدلاً من أن الاعتماد كان يتركز على استيراد أقماح أقل في التكلفة من روسيا وأوكرانيا نتيجة مشروعات تحلية المياه وتكاليف استصلاح الأراضي الزراعية أضحى الاعتماد قائماً بالأساس في الوقت الحالي على تشجيع الزراعة محلياً وهو ما نتج عنه مضاعفة أسعار أردب القمح الذي تشتريه الحكومة من المزارعين خلال العامين الماضيين فقط، إلى جانب توسيع المساحات المزروعة، وكذلك الاعتماد على سياسة أكثر تطوراً في عملية الاستيراد عبر منح تلك المهمة إلى جهاز مستقبل مصر الذي يتبع الرئاسة المصرية بدلاً من هيئة السلع التموينية التابعة لوزارة التموين.
تركيز مصري على روسيا وأوكرانيا
وأوضح المصدر ذاته أن مصر أضحت أكثر تركيزاً على دول بعينها تستورد منها كميات أكبر من القمح وأضحى التركيز بشكل أساسي على روسيا إلى جانب أوكرانيا وتراجعت عملية استيراد القمح من فرنسا إلى جانب عدد من الدول الأوروبية الأخرى.
وفي الوقت ذاته أضحى الاعتماد على خطط استيرادية طويلة الأجل لكي لا تتأثر تكاليف الاستيراد بتقلبات الأسواق في ظل أوضاع إقليمية مضطربة، مشيراَ إلى أن مصر في الآونة الأخيرة اتخذت خطوات أكثر قرباً مع موسكو وعززت شراكتها الغذائية معها وعملت على تسريع وتيرة مشروعاتها الزراعية بما يؤمن الأمن الغذائي.
مركز عالمي لتخزين وتجارة الحبوب
ولفت المصدر أن القاهرة أضحت تتعامل بأساليب أكثر ابتكاراً مع مسألة توفير العملة الصعبة للاستيراد مع إدراكها بأن تقلبات قيمة الجنيه له تأثيرات سلبية على ما يتم استيراده وهو ما دفع نحو التفكير في إنشاء مركز عالمي لتجارة الحبوب بالتعاون مع الجانب الروسي للتصدير إلى الدول الأفريقية، ومن المتوقع أن تنخفض فاتورة الاستيراد إلى النصف مع بدء عمل المركز في غضون عامين إلى ثلاث سنوات.
ولفت المصدر ذاته إلى أن القاهرة أجرت دراسات عديدة مع الجانب الروسي بشأن الجدوى من هذا المركز الذي يستهدف تخزين الحبوب وتصديرها، وأسفرت عن أن العوائد تتمثل في تأمين الاحتياجات المصرية حال وجدت الدولة نفسها فجأة أمام أزمات عالمية أو حروب تؤثر سلباً على التجارة الدولية وتعيق سلاسل الإمداد، إلى جانب ضمان تعزيز التعاون مع الدول الأفريقية واستعادة مكانة سابقة كانت فيها مصر سلة غذاء القارة، هذا بالإضافة إلى تقليص فاتورة الاعتماد على العملة الصعبة التي تتأثر بأسعار القمح العالمية فيما يكون على الحكومة سد الفجوات الناتجة عن تراجع قيمة الجنيه.
وذكر المصدر ذاته أن مصر تعتمد على كبار منتجي الحبوب في العالم ويبقى ذلك بشكل رئيسي مع روسيا لإنجاح مشروع المركز العالمي لتجارة الحبوب، وهو مشروع يساهم أيضاً في توفير فرص عمل جديدة، والاستفادة القصوى من الموارد والأراضي غير المستغلة، وتوفير العملة الأجنبية التي ترهق ميزانية الدولة.
كما أن هذا المركز لن يقتصر فقط على تجارة الأقماح وتصديرها ولكن التوسع في أنواع أخرى من الحبوب أبرزها الذرة والفول إلى جانب الزيوت، لافتاً إلى أن ذلك يتكامل مع مشروعات زراعية أخرى عملاقة استحدثتها مصر مؤخراً أبرزها مشروع "الدلتا الجديدة" لزراعة 2.2 مليون فدان.
استيراد القمح
وتُعد مصر من أكبر مستوردي القمح في العالم، وخلال 2025 انخفض استيراد الحكومة المصرية للقمح بنسبة 15% ليسجل 4.5 مليون طن، بسبب زيادة توريدات القمح المحلي، وفق تقديرات غير رسمية.
وتسلمت الحكومة المصرية نحو 4 ملايين طن من القمح المحلي في موسم 2025، بزيادة نحو 18 في المائة على العام السابق، وفقاً لبيانات رسمية، فيما تستهدف تسلم نحو 4.5 إلى 5 ملايين طن قمح محلي الموسم الحالي، حسب تصريحات سابقة لوزير التموين شريف فاروق.
وعقد وزير التموين المصري مؤخراً في روسيا سلسلة اجتماعات مع مسؤولين حكوميين وعدد من شركات القطاع الخاص العاملة في مجال تصدير القمح إلى مصر، وذلك على هامش مشاركته في المنتدى الروسي الخامس للحبوب بمدينة سوتشي وذلك بهدف تعزيز التعاون في مجال الأمن الغذائي.
والتقى فاروق ديمتري سيرغييف، المدير التنفيذي لشركة OZK (شركة الحبوب المتحدة)، رئيس اتحاد مُصدّري ومنتجي الحبوب الروسي، وتناول سبل تعزيز التعاون الاستراتيجي بين مصر وروسيا في مجال تجارة الحبوب، واستعراض آليات إبرام عقود توريد طويلة الأجل لشحنات القمح الروسي، بما يسهم في تحقيق الاستقرار لسلاسل الإمداد الاستراتيجية لمصر، ويعزز جهود الدولة في بناء مخزون استراتيجي آمن ومستدام من السلع الأساسية في ظل المتغيرات العالمية الراهنة.
كما شهد الاجتماع مناقشة آليات إنشاء مركز لوجستي إقليمي لتجارة وتخزين الحبوب بالموانئ المصرية، لا يقتصر دوره على التخزين وإعادة التصدير فقط، إنما يمتد ليشمل مشروعات ذات قيمة مضافة للحبوب الموردة، مثل تصنيع الدقيق والمعكرونة وغيرهما من المنتجات الغذائية، إلى جانب مشروعات تصنيع الزيوت والأعلاف.
وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أبريل الماضي إن بلاده تدرس إنشاء مركز للحبوب والطاقة داخل مصر، وأكد حينها أن روسيا ستؤمّن إمدادات الحبوب للجانب المصري.
وفي 26 أبريل أعلنت الهيئة البحرية الروسية أن مساعد الرئيس الروسي رئيس الهيئة البحرية نيكولاي باتروشيف ناقش خلال اجتماع مع وزير النقل المصري كامل الوزير في القاهرة آفاق إنشاء مركز للحبوب والطاقة في مصر.
الأهداف المصرية
وقال مصدر حكومي آخر إن مصر تستنفر جهودها في تلك الأثناء للتحوط من تقلبات الأسواق العالمية في ظل الاضطرابات المستمرة في منطقة الشرق الأوسط وتستهدف أن يبقى لديها مخزون كافي من القمح يمتد لأكثر من 6 أشهر وهو أمر تتبعه مع كافة السلع الاستراتيجية مع مخاوف من ارتفاع أسعار الغذاء خلال الفترة المقبلة إذا ما استمرت التوترات بين الولايات المتحدة وإيران مع تعقيدات الأوضاع في مضيق هرمز.
وتضع القاهرة في اعتبارها توترات أخرى جانبية تتعلق بمساعي إسرائيل بناء قواعد عسكرية على البحر الأحمر واحتمالات تجدد التوترات في مضيق باب المندب إذا ما جرى استهدافاً إسرائيلياً للحوثيين وبالتالي تجدد التوترات في البحر الأحمر.
وأوضح المصدر ذاته إن القاهرة كان من الممكن أن ترجئ خطوات تدشين المركز العالمى لتجارة الحبوب لو استقرت الأوضاع في المنطقة لكن طول أمد الحرب والمؤشرات على استمرار التوتر في المنطقة فترات أطول يدفع نحو الإسراع في تدشينه إلى جانب توسيع الرقعة الزراعية في الداخل مع التوسع في مشروعات تحلية المياه، لافتاً إلى أن التقديرات الحكومية تشير لنشوب أزمة عالمية أخرى محتملة تتمثل في نقص الحاصلات الزراعية خلال الفتر المقبلة، وأنه حتى بعد الحرب لن يتم التعافي مباشرة.
وشدد على أن مصر تبحث الآن عن استيراد أنواع زهيدة الثمن من القمح مع التوسع في الاعتماد على القمح المزروع محلياً مع الاتجاه إلى تنوع البذور بما يساهم في زيادة إنتاجية الفدان من جانب مع الاعتماد على بعض الأنواع التي لا تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، مشيراً إلى أنه نتيجة السياسات التقشفية فإن التوجه يبقى في المقام الأول نحو القمح الروسي وهو أقل سعراً من البدائل الأوروبية أو الأميركية، مع توفر مواصفات فنية مناسبة لصناعة الخبز المصري المدعم، والاستفادة من التعامل في التبادل التجاري بين البلدين بالروبل الروسي وليس الدولار الأميركي.
ولفت إلى أن مصر تسعى لتدشين مركز عالمي للحبوب لإدراكها في الوقت ذاته وجود مخاطر مع التوسع في الاعتماد على مورد واحد وذلك بالتزامن مع التوسع في تدشين مشروعات الصوامع ومراكز التجميع والتخزين، مشيراً إلى أن الحكومة أضحت على قناعة بصعوبة تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل من القمح مع وصول احتياجات المصريين من القمح إلى ما يقرب من 22 مليون طن سنوياً، بينما لا يتجاوز متوسط إنتاج الفدان نحو 2.7 طن فقط.
واستلمت الحكومة المصرية نحو 4 ملايين طن من القمح المحلي في موسم 2025، بزيادة نحو 18% عن العام السابق، وفقا لبيانات رسمية، وتستهدف استلام نحو 5 ملايين طن قمح محلي الموسم المقبل، بحسب تصريحات لوزير التموين شريف فاروق.
وتُعدُّ مصر إحدى أكبر مستوردي القمح في العالم، كما أن مشترياتها تُتابع عن كثب كمؤشر عالمي.
وجاءت البلاد في قائمة أكثر الدول استهلاكا للقمح في موسم 2023-2024 بما يزيد عن 20 مليون طن، وهو ما يمثل 2.6% من الاستهلاك العالمي، بحسب تقرير صادر عن وزارة الزراعة الأميركية في أكتوبر الماضي.
ووفقاً لتقرير أخير صادر عن وزارة الزراعة الأميركية حول الحبوب في مصر فإن إنتاجه في الموسم التسويقي 2026-2027 بنحو 9.8 مليون طن، بزيادة قدرها 6.5% عن الموسم التسويقي 2025-2026، ويعود ذلك إلى زيادة المساحة المحصودة إلى 1.5 مليون هكتار مقارنة بـ1.33 مليون هكتار خلال الموسم التسويقي 2025-2026. وتعزى هذه الزيادة في المساحة إلى ارتفاع أسعار الشراء التي شجعت المزارعين على زراعة مساحات إضافية بالقمح.
ويزرع القمح في مصر عادة في نوفمبر ويحصد في أبريل حتى منتصف يوليو، وتركز البلاد على زيادة غلة المحاصيل لكل وحدة أرض من خلال تشجيع أصناف القمح عالية الإنتاجية التي تستخدم المياه بكفاءة أكبر، والإعلان عن أسعار الشراء الرسمية قبل موسم الزراعة لتحفيز الزراعة، وضمان الدفع الفوري، وتسهيل توصيل الأسمدة المدعومة وغيرها من المدخلات الزراعية إلى المستفيدين المؤهلين.
أظهرت بيانات رسمية، أن كميات القمح الموردة منذ بداية الموسم وحتى الأحد الماضي تجاوزت حاجز 4 ملايين طن، من إجمالي مستهدف جمعه من المزارعين يبلغ 5 ملايين طن.
وتقدر وزارة الزراعة الأميركية إجمالي استهلاك القمح في مصر خلال الموسم التسويقي 2026-2027 بنحو 20.3 مليون طن، بزيادة طفيفة عن الموسم التسويقي 2025-2026 نتيجة لزيادة قدرها 300 ألف طن في استهلاك القمح في قطاعات الغذاء والبذور والصناعة.
تقدر واردات مصر من القمح في الموسم التسويقي 2026-2027 بنحو 12.5 مليون طن، بانخفاض قدره 1.6 في المئة تقريباً عن العام التسويقي السابق نتيجة لزيادة الإنتاج المحلي، بحسب التقديرات.