في خضم زخم جولات الدبلوماسية المكثفة التي تدور بين طهران وواشنطن عبر الوسطاء الإقليميين، على مدار الأيام القليلة الماضية، يُخشى أن تُطيح بوقف إطلاق النار المؤقت الهش بين الولايات المتحدة وإيران، وبعد أن كنا علي وشك إعلان توقيع البلدين على مذكرة تفاهم لوقف دائم لاطلاق النار وتهدئة التصعيد من أجل البدء في مفاوضات نووية اشمل واوسع.
فقد جاء الاشتباك بين القوات البحرية الأمريكية والقوات البحرية التابعة للحرس الثوري ليزيد من تعقيد الامور، ويُضيف المزيد من الغموض على مستقبل مذكرة التفاهم المتوقع توقيعها بين البلدين في الساعات القادمة.
في وقت متأخر من ليلة يوم 25 مايو 2026، أكدت القيادة المركزية الأمريكية وقوع اشتباكات ليلية مع القوات الإيرانية قرب مضيق هرمز. ووصفت القيادة الأمريكية الحادثة بأنها ردود دفاعية على هجمات إيرانية، وصفتها بأنها "غير مبررة". ولم يتم التحدث عن وقوع أي خسائر بشرية أو تسلسل واضح لما حدث، في بيان القيادة المركزية الأمريكية.
الرواية الإيرانية
تختلف الأحداث بحسب الرواية الإيرانية، فبحسب المصادر الإيرانية المطلعة التي تحدثت لـ"عربي بوست"، وقعت جولات من الاشتباكات وليست جولة واحدة، وبدأت الاشتباكات عندما هاجمت القوات الأمريكية زوارق بحرية تابعة للحرس الثوري الإيراني.
ويقول مصدر أمني إيراني رفيع المستوى لـ"عربي بوست"، "فوجئنا بالقوات الأمريكية تستهدف الزوارق الإيرانية، وتأكد مقتل حوالي 5 عسكريين إيرانيين، فجاء الرد الإيراني سريعا بإطلاق عدداً من الصواريخ المضادة للسفن باتجاه السفن الأمريكية قرب مضيق هرمز".
ويضيف المصدر ذاته قائلاً "بعدها أسقطنا طائرة مسيرة أميركية، دخلت الأجواء الإيرانية، هدأت الأمور لبضع ساعات، ومن ثم قصف الأمريكان مواقع لإطلاق الصواريخ الإيرانية وأنظمة دفاع جوية وتم التعامل مع هذا الهجوم واستهداف ثان للسفن الأمريكية قرب بحر العرب".
ما يعقد الأمور أكثر، أن الاشتباكات وقعت على جولات متعددة، مما يجعل احتوائها أصعب بحسب المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ"عربي بوست".
إلى الآن لا يمكن الجزم بمدى تأثير هذه الاشتباكات على الحراك الدبلوماسي الحالي، والمفاوضات غير المباشرة الجارية بين البلدين. ولكن هذه الحادثة تُثير تساؤل أوسع: كيف قد ترد إيران على تجدد الحرب في حال انهيار المسار الدبلوماسي الحالي؟
لإجابة هذا السؤال، تواصل "عربي بوست"، مع مصادر سياسية وعسكرية إيرانية في محاولة لتوضيح الخطط الإيرانية المستقبلية في حال حدوث جولة جديدة من الصراع بين إيران والولايات المتحدة واسرائيل.
انتظار جولة جديدة من الحرب
في بداية حديثه لـ"عربي بوست"، قال مسؤول أمني إيراني مقرب من الحرس الثوري، "منذ الدقيقة الاولى لتوقيع وقف إطلاق النار المؤقت مع الامريكان ونحن في حالة انتظار جولة جديدة من الحرب، ونستعد لها".
وأضاف المصدر ذاته قائلاً "حتى مع الزخم الدبلوماسي الحالي والاقتراب المحتمل من الاتفاق على مذكرة التفاهم، فالقيادة الإيرانية تتوقع أنه احتمالات انهيار الدبلوماسية في فترة الـ 30 يوماً المنصوص عليها في مذكرة التفاهم، عالية، وأن الحرب ستتجدد في أي لحظة".
جدير بالذكر أن إيران اشترطت في مذكرة التفاهم التي تم نقلها إلى الجانب الأمريكي عبر الوسيط الباكستاني، فترة تتراوح ما بين 30 إلى 60 يوماً للعمل بمذكرة التفاهم التي ذكرناها في تقرير سابق لـ"عربي بوست"، ومن بعدها سيتم الدخول في مفاوضات أوسع وأشمل لمناقشة المسائل النووية.
وفي هذا الصدد، يقول الخبير السياسي مهدي درخشان المقرب من المؤسسة العسكرية الايرانية، لـ"عربي بوست"، "إذا افترضنا أنه تمت الموافقة على مذكرة التفاهم المطروحة الآن من قبل كلا الجانبين، فإن توقعات فشل المفاوضات النووية المستقبلية بين البلدين تزداد يوما بعد يوم".
وأضاف درخشان قائلاً "المؤسسة العسكرية والسياسية الإيرانية، ترى أن مطالب الجانبين من الصعب أن تتقابل في نهاية الطريق. فترامب يصر على مسألة الحصول على مخزونات إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، بينما ترفض طهران هذا الأمر، كما يطمح ترامب في الحد من البنية التحتية النووية الإيرانية بشكل كبير، وهذا خط احمر بالنسبة للمؤسسة العسكرية الايرانية، لأن البرنامج النووي الإيراني لا يمكن التنازل عنه فهو أمر متجذر في أيديولوجية النظام".
لذلك، ونظراً للفجوة بين مواقف الجانب الإيراني والأمريكي، وعدم ثقة طهران في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ترى القيادة الإيرانية وبالأخص القيادات العسكرية أن جولة أخرى من الصراع باتت أكثر ترجيحاً.
توقعات طهران
بحسب المصادر الأمنية والعسكرية الإيرانية المطلعة التي تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن القيادات العسكرية الإيرانية تتوقع أكثر من سيناريو للجولة الجديدة المحتملة للحرب مع الولايات المتحدة واسرائيل.
فيدور النقاش داخل دوائر صنع القرار الايرانية، حول رغبة واشنطن في إنجاز مهمة الجولة الثانية بشكل أسرع ولكن بهجمات مكثفة تُصيب أكبر عدد من الأهداف الحيوية داخل إيران.
وتتوقع المؤسسة العسكرية الإيرانية ضربات أمريكية-إسرائيلية مكثفة لإلحاق الضرر بالبنية التحتية للطاقة في إيران، بالإضافة إلى التركيز على البنية التحتية العسكرية وخاصة مواقع إطلاق الصواريخ التي مازالت إيران تحتفظ بـ70% منها بحسب أحدث تقارير الاستخبارات الأمريكية التي تم تسريبها إلى وسائل الإعلام الغربية.
كما تتوقع قيادة الحرس الثوري الإيراني، بحسب المصادر التي تحدثت لـ"عربي بوست"، أن تلجأ الولايات المتحدة واسرائيل إلى عملية برية دقيقة للاستيلاء علي مخزونات إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، بالإضافة إلى محاولات للاستيلاء على جزر إيرانية واحتلالها بمساعدة دولة الإمارات العربية المتحدة.
وتناقش القيادات العسكرية الإيرانية في الوقت الحالي، احتمالية أن تلجأ واشنطن إلى محاولة إعادة فتح مضيق هرمز بالقوة، خاصة وأن الولايات المتحدة قد زادت من جنود المشاة البحرية والبحارة في الأسابيع الأخيرة الماضية، وترى القيادة الإيرانية أن هذه الزيادة التركيز على حملات استكشافية للمنطقة.
وتتوقع القيادات العسكرية الإيرانية أن تلجأ إسرائيل في الجولة الثانية المحتملة للحرب، إلى استهداف أكبر وأشمل للمؤسسات الأمنية والشرطية داخل ايران، لتمهيد الطريق أمام الجماعات الكردية المعارضة لدخول البلاد في ظل حالة الانفلات الأمني جراء قصف المنشآت الامنية، والتي بدأتها إسرائيل في الجولة الاولى من الحرب.
الخطط الإيرانية
وفي محاولة لفهم نظرة عامة عن الخطط الإيرانية المتوقعة لمواجهة الجولة الثانية المحتملة من الحرب مع الولايات المتحدة واسرائيل.
يقول مصدر عسكري إيراني لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم الكشف عن اسمه نظراً لحساسية الموضوع، "هناك الكثير من الدروس المستفادة من الجولة الأولى، بالإضافة إلى هذه الدروس، فإن الجولة الاولى من الحرب لم تنهي النظام الإيراني ولم تشل البلاد كما كان يريد الأمريكيون والإسرائيليون، وهذا الأمر أعطى دفعة من القوة والثقة للمؤسسة العسكرية والأمنية في إيران".
وأضاف المصدر ذاته قائلاً "لذلك فإن النقاشات الداخلية في إيران قد تخطت مسألة قدرة طهران على الرد، والآن تتم مناقشة استراتيجية إيران للرد على المرحلة الجديدة المتوقعة وضرورة أن تكون هذه الاستراتيجية أسرع وأدق من المخططات الأمريكية والإسرائيلية".
لم تستبعد المصادر الإيرانية المطلعة والتي تحدثت لـ"عربي بوست"، جولة جديدة من الاستهداف الإيراني لدول الخليج في حال تجدد الصراع مع الولايات المتحدة واسرائيل. ولكن هذه المرة سيكون الاستهداف مختلفاً.
وفي هذا الصدد، يقول مصدر مقرب من الحرس الثوري الإيراني لـ"عربي بوست"، "في الجولة السابقة استهدفت إيران القواعد الامريكية في دول الخليج ولكن بنمط بطيء وغير مكثف، لأن طهران كانت ترى أن هذه الحرب ستكون طويلة ويجب الحفاظ على مخزونات الصواريخ والمسيرات، ولكن في حال تجدد الحرب، ستكون الهجمات على دول الخليج والبنية التحتية للطاقة في الخليج مكثفة وسريعة لاستعادة الردع بشكل أسرع من الجولة الأولى".
وبحسب المصادر الإيرانية، فإن طهران أصبحت ترى أن الإمارات باتت محوراً رئيسياً في تهديد إيران، لتقديمها الكثير من الخدمات اللوجيستية للولايات المتحدة في حربها ضد إيران. وترى القيادات الإيرانية أن التهديد القادم في الجولة الثانية من الحرب سيأتي بشكل مركز من الإمارات، خاصة مع ظهور تقارير تفيد بأن مسؤولين في إدارة دونالد ترامب قد شجعت الإمارات على الاستيلاء على جزيرة لافان الإيرانية.
لذلك تنظر طهران إلى أن أي تحرك عدائي تجاه الجزر الإيرانية سيكون مقابله رداً عسكرياً إيرانياً مكثفاً ضد أهداف إماراتية حيوية.
وأشار المصدر ذاته، إلى أن الاهمية في الجولة المقبلة المحتملة ستكون كثافة استهداف إسرائيل أكثر من الجولة السابقة، فيقول لـ"عربي بوست"، "أيضا استهدفت إيران، إسرائيل بوتيرة أبطأ لأنها كانت تهدف أن تكون الهجمات بشكل مستمر وطويل الأمد، ولكن في الخطط التي تتم مناقشتها سيتم التركيز على الأهداف المدنية والحيوية داخل إسرائيل باستخدام صواريخ أدق وأسرع وإطلاق هجمات صاروخية متعددة من مواقع مختلفة مما سيتطلب تنسيقاً أوثق مع باقي الحلفاء في محور المقاومة".
كما تنظر طهران إلى أن الإغلاق التام لمضيق هرمز، مع إغلاق باب المندب بمساعدة الحوثيين في اليمن، سيكون رداً محتملاً مقابل أي تحرك أمريكي-إسرائيلي داخل الأراضي الإيرانية بشكل مباشر عن طريق تدخل بري.
ويرى الخبير السياسي مهدي درخشان، المقرب من المؤسسة العسكرية الإيرانية، أن المرحلة الثانية من الحرب ستكون آثارها مضاعفة على المنطقة والاقتصاد العالمي. فيقول لـ"عربي بوست"، "لو كانت إدارة ترامب تفكر في مهاجمة إيران للضغط عليها من أجل الموافقة على الشروط الأمريكية لإبرام اتفاق نووي، فلن تؤدي الجولة الجديدة إلى تحقيق هذا الهدف بل إنها ستزيد من تفاقم الأزمة على الجميع".
وأضاف درخشان قائلاً "بدء جولة جديدة من الصراع، لن تدفع طهران نحو التسوية والرضوخ للمطالب الأمريكية، على العكس فإنها ستدفع القيادة الإيرانية إلى توسيع رقعة الحرب وزيادة التكاليف على المنطقة بأكملها، ستكون المرحلة الجديدة من الحرب أكثر خطورة وأوسع نطاقاً على مستوى المنطقة".