بعد سنوات من تعثر المسار الانتخابي في ليبيا بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، دفعت بعثة الأمم المتحدة باتجاه صيغة محدودة عُرفت إعلامياً بـ"4+4″، بدأت من روما، وانتقلت إلى تونس في 12 مايو/ أيار 2026، لمناقشة واحد من أعقد ملفات الأزمة الليبية: الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات.
لكن تحرك المجلس الأعلى للدولة بإعادة تشكيل لجنة القوانين الانتخابية المعروفة بـ"6+6″، ثم تشكيل لجنة من 15 عضواً للتواصل مع مجلس النواب، بدا كأنه محاولة لاستعادة زمام المبادرة من الطاولة الأممية لتحديد شكل المسار الانتخابي في ليبيا.
المجلس الأعلى للدولة لا يرفض فقط ما يعتبره تجاوزاً لصلاحياته، بل يحاول إعادة ملف المسار الانتخابي في ليبيا إلى القناة التقليدية التي ظلت تمنح مجلسي النواب والدولة موقعاً مركزياً في إنتاج الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات التي طال انتظارها.
ومع تسريبات اجتماع تونس، اتضح أن النقاش لا يتعلق بالقوانين وحدها، بل بعقدة أعمق: هل تُجرى الانتخابات تحت السلطة التنفيذية القائمة، أم يصبح توحيد الحكومة شرطاً سابقاً لأي اقتراع؟ هنا تتحول القوانين الانتخابية من نصوص تنظيمية إلى أدوات تفاوض على مركز السلطة.
روما تكسر احتكار المجلسين
لم يكن اجتماع روما، الذي عُقد في 29 أبريل/ نيسان 2026 برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، مجرد لقاء تشاوري عابر ضمن سلسلة الاجتماعات السابقة، بل جاء كخطوة تحمل دلالة سياسية واضحة تتجاوز الطابع التقني الظاهري.
فقد خرج الاجتماع بتفاهمات أولية حول إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وهي واحدة من أكثر النقاط حساسية في المسار السياسي الليبي، نظراً لدورها المركزي في إدارة أي استحقاق انتخابي قادم، ولارتباطها المباشر بشرعية النتائج التي يمكن أن تفرزها صناديق الاقتراع.
وبحسب بيان البعثة الأممية، فقد كُلّفت المجموعة المصغّرة بمناقشة الخطوتين الأوليين من خارطة الطريق الأممية، في اجتماع استضافته العاصمة الإيطالية روما، مع توصية بمعالجة الخلاف حول رئاسة المفوضية عبر ترشيح النائب العام لقاضٍ مشهود له بالكفاءة والنزاهة والحياد، على أن يجري تعيينه وفق الإجراءات المعمول بها.
كما جرى الاتفاق خلال اجتماع روما على تسمية 3 أعضاء من مجلس النواب و3 من المجلس الأعلى للدولة في مجلس المفوضية الجديد، في محاولة لإيجاد توازن شكلي بين المؤسستين داخل هذا الجسم الحساس، لكن أهمية اجتماع روما لا تكمن فقط في هذه المخرجات، بل في الصيغة التي اعتمدها.
فبدلاً من انتظار توافق واسع بين مجلسي النواب والدولة بشأن المسار الانتخابي في ليبيا، وهو توافق أثبتت التجارب السابقة صعوبة تحقيقه، اختارت البعثة الأممية طاولة مصغّرة يُفترض أنها أكثر قدرة على تجاوز التعطيل السياسي المزمن.
هذه الصيغة بحد ذاتها شكّلت تحولاً في طريقة إدارة الملف الليبي، وفتحت الباب أمام تساؤلات جدية حول مدى شرعية اتخاذ قرارات تمس جوهر العملية السياسية خارج الأطر التقليدية التي تستند إلى الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي.
حاولت البعثة الأممية احتواء هذا الجدل مبكراً عبر التأكيد أن المسار المصغّر لا يلغي المسار السياسي الأوسع، وأنه مخصص لمعالجة عقد محددة ضمن خارطة الطريق، وليس بديلاً عن التفاهمات الكبرى التي يفترض أن تتم بين المؤسسات الليبية.
فقد أكدت المبعوثة الأممية هانا تيته أن صيغة "4+4" لا تستبدل الحوار المهيكل، بل تعمل كآلية مكملة لمعالجة عقبات محددة، خصوصاً ما يتعلق بالإطار الانتخابي ومجلس المفوضية.
غير أن هذا التوضيح، على الرغم من أهميته، لم يكن كافياً لاحتواء القلق المتصاعد داخل المجلس الأعلى للدولة، الذي رأى في هذه الصيغة تجاوزاً ضمنياً لصلاحياته، وتهديداً لموقعه داخل المعادلة السياسية، ويعتبرها سابقة قد تؤسس لمسار يُعاد فيه تشكيل قواعد اللعبة السياسية من خارج المؤسسات القائمة.
المجلس الأعلى للدولة يتحرك
جاء رد المجلس الأعلى للدولة على هذه التحركات التي تهم المسار الانتخابي في ليبيا سريعاً، لكنه لم يكن مجرد رد فعل تقني أو سياسي محدود، بل خطوة تحمل أبعاداً استراتيجية واضحة.
في 5 مايو/ أيار، صوّت المجلس على إعادة تشكيل لجنة القوانين الانتخابية المشتركة مع مجلس النواب، المعروفة بلجنة "6+6″، بحيث تضم 3 أعضاء من اللجنة السابقة و3 من اللجنة الحالية التي شكّلها رئيس المجلس محمد تكالة.
كما أعلن المجلس تشكيل لجنة من 15 عضواً للتواصل مع مجلس النواب، في خطوة عُدت محاولة لإعادة تنشيط القناة الثنائية بين المؤسستين، وإعادة الملف إلى مساره التقليدي.
ووفق مصادر إعلامية، فإن لجنة التواصل لا تستهدف القوانين الانتخابية وحدها، بل تستعد لاستئناف النقاش مع مجلس النواب حول الإطار الدستوري، والمناصب السيادية، والميزانية العامة، وتوحيد المؤسسات، والسلطة التنفيذية.
ويعني ذلك أن المجلس الأعلى للدولة لا يحاول فقط استعادة ملف الانتخابات، بل يسعى إلى إعادة فتح السلة السياسية كاملة مع مجلس النواب، في محاولة لإعادة ضبط الإيقاع السياسي الذي بدأ يتشكل خارج إرادته.
وتحمل هذه الخطوة رسالة مزدوجة، فمن جهة، هي موجهة إلى البعثة الأممية، مفادها أن أي مسار لا يمر عبر المؤسسة لن يكون ملزماً لها، وأن الشرعية القانونية لا تزال تمر عبر القنوات التقليدية.
ومن جهة أخرى، هي رسالة إلى مجلس النواب بأن الفرصة لا تزال قائمة لإعادة ترتيب المشهد عبر التعاون الثنائي، قبل أن تتحول صيغة روما وتونس إلى مركز ثقل سياسي جديد يصعب تجاوزه.
لكن استدعاء لجنة "6+6" من جديد لا يخلو من مفارقة واضحة، فهذه اللجنة نفسها كانت، في نظر قطاعات واسعة من الليبيين، جزءاً من أزمة التعطيل لا جزءاً من الحل، إذ أنتجت في مراحل سابقة تفاهمات قانونية ظلت موضع جدل، ولم تنجح في نقل البلاد إلى انتخابات فعلية.
لذلك تُقرأ عودتها اليوم بطريقتين: إما محاولة لإنقاذ المسار من تجاوز أممي، أو عودة إلى أدوات قديمة جرّبها الليبيون طويلاً دون نتيجة حاسمة.
ماذا عن أزمة التفويض بالمجلس؟
في قلب هذا الاشتباك، برزت أزمة التفويض داخل المجلس الأعلى للدولة كأحد أبرز العوامل التي زادت من تعقيد المشهد. فقبل اجتماع روما، صوّت المجلس على تجميد عضوية أي عضو يشارك في إبرام اتفاقات سياسية أو الانخراط فيها دون تفويض صريح منه، في سياق محاولة تنظيم مشاركة أعضائه وتمثيلهم في الحوارات التي ترعاها البعثة الأممية.
لكن بعد اجتماع روما، لم يكتفِ المجلس بهذا الإجراء، بل صعّد موقفه بشكل واضح، معلناً أن مخرجات الاجتماع لا تمثله ولا تلزم مؤسساته، ومتهماً بعثة الأمم المتحدة بتجاوز الأطر القانونية المنظمة للعمل السياسي في ليبيا.
كما أكد المجلس أن مشاركة شخصيات محسوبة عليه في لقاء روما لم تكن بتكليف أو تفويض رسمي، وأن أي نتائج صادرة عن هذه الاجتماعات لا يُعتد بها قانونياً أو سياسياً، وقال محمد امعزب، رئيس اللجنة السياسية بالمجلس الأعلى للدولة، إن المشاركين من المجلس في مسار "4+4" لا يملكون أي صفة تمثيل رسمي.
وأشار امعزب إلى أن المجلس سبق أن أصدر القرار رقم 4 لسنة 2026، الذي ينص على عدم الاعتداد بأي تمثيل للمجلس الأعلى للدولة في أي تسوية أو مفاوضات، ما لم يكن ذلك بتفويض صريح صادر عن المجلس بموجب قرار يتخذ في جلسة عامة رسمية مكتملة النصاب.
كما أن إحالة ترشيح رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات إلى النائب العام، يقول امعزب، مخالفة للاتفاق السياسي المضمن في الإعلان الدستوري. وأوضح أن المادة 15 من الاتفاق السياسي الليبي تنص على أن هذا النوع من الترتيبات يتم بالتشاور بين مجلسي النواب والدولة، وليس عبر مسارات موازية.
وفق المصدر ذاته، فإن اتفاق بوزنيقة بين المجلسين حدد آلية التعامل مع هذه المسألة، وأن المجلسين شرعا بالفعل في معالجة ملف مجلس المفوضية، وأنجزا موضوع أعضاء مجلس الإدارة، بينما بقي منصب الرئيس معلقاً. وذهب إلى أن تدخلات البعثة في ملف رئاسة المفوضية ساهمت في تعطيل التوافق السابق بين المجلسين، بدلاً من تسهيله.
واعتبر امعزب أن اللجوء إلى صيغة "4+4" يمثل مخالفة جسيمة للإعلان الدستوري والاتفاق السياسي واتفاق بوزنيقة، وضرباً للسيادة الليبية، محذراً من أن هذا التوجه قابل للطعن، وقد يؤدي، في حال اعتماده، إلى فشل الانتخابات وعدم قبول نتائجها.
هذه النقطة تحديداً تكشف جوهر الصراع، فالمجلس الأعلى للدولة لا ينازع فقط على مضمون التفاهمات، بل على صفة من يجلس إلى الطاولة، ومن يملك حق تمثيل المؤسسة واتخاذ القرار باسمها. وهي مسألة تتجاوز الإجراء إلى صلب الشرعية السياسية.
صمت مجلس النواب
إذا كان المشهد داخل المجلس الأعلى للدولة قد اتسم بالتصعيد ورفع سقف الخطاب، فإن الصورة على الضفة الأخرى بدت مختلفة تماماً.
فقد التزم مجلس النواب صمتاً لافتاً حيال التطورات الأخيرة المرتبطة باجتماعي روما وتونس، وهو صمت لا يمكن قراءته باعتباره مجرد غياب عن المشهد، بل أقرب إلى تموضع محسوب داخل معادلة معقدة تتداخل فيها حسابات الشرعية مع حسابات التوقيت.
مجلس النواب، بخلاف مجلس الدولة، لم يندفع إلى إعلان رفض مباشر لصيغة "4+4″، ولم يصدر مواقف حادة تجاه مخرجات اجتماع روما، رغم أن هذه المخرجات تمس بشكل مباشر أحد أهم اختصاصاته، وهو منح الغطاء التشريعي لأي ترتيبات انتخابية.
هذا الصمت يعكس، في جانب منه، إدراكاً داخل البرلمان بأن المسار الأممي، رغم طابعه المصغر، لم يقصه بالكامل، بل أبقى له دوراً أساسياً في تسمية أعضاء مجلس المفوضية، وهو ما يمنحه موقعاً داخل المعادلة الجديدة دون أن يتحمل كلفة المواجهة المبكرة.
لكن هذا الصمت لا يعني الحياد، بل يمكن قراءته كنوع من "الانتظار الاستراتيجي"، فمجلس النواب يدرك أن أي تفاهمات تُنتج خارج قنواته الرسمية ستظل بحاجة في نهاية المطاف إلى المرور عبره كي تتحول إلى نصوص قانونية نافذة. بمعنى آخر، يحتفظ البرلمان بما يمكن وصفه بـ"حق التصديق النهائي"، وهو ما يمنحه قدرة على إعادة تشكيل أي مخرجات وفق حساباته الخاصة.
من هذه الزاوية، يبدو أن مجلس النواب يراهن على عامل الوقت، وعلى إمكانية أن تتبلور نتائج مسار "4+4" بشكل يسمح له بالتدخل لاحقاً، إما لتبنيها وإعادة صياغتها، أو لعرقلتها إذا ما تعارضت مع مصالحه أو مع توازنات القوى التي يمثلها.
كما أن الانقسام الواضح داخل المجلس الأعلى للدولة حول مسألة التفويض يمنحه هامشاً إضافياً للمناورة، إذ يمكنه استثمار هذا الانقسام لتقوية موقعه التفاوضي، سواء في مواجهة البعثة الأممية أو في إطار المسار الثنائي التقليدي.
هذا التباين بين تصعيد مجلس الدولة وصمت مجلس النواب يعكس، في العمق، اختلافاً في تقدير الموقف بين المؤسستين. فبينما يرى المجلس الأعلى للدولة في صيغة "4+4" تهديداً مباشراً لشرعيته، يبدو أن مجلس النواب يتعامل معها كفرصة محتملة لإعادة التموضع، دون التخلي عن أوراقه الأساسية.
ورغم هذا التباين، فإن القاسم المشترك بين المجلسين يتمثل في حقيقة أنهما، رغم تراجع قدرتهما على التحكم الكامل في المسار السياسي، لا يزالان يحتفظان بقدرة كبيرة على تعطيله.
فلا يمكن إنتاج قوانين انتخابية مستقرة دون غطاء تشريعي، ولا يمكن إعادة تشكيل المفوضية بطريقة آمنة سياسياً إذا بقي أحد المجلسين يطعن في شرعية المسار. كما أن ملفات الحكومة الموحدة، والميزانية، والمناصب السيادية، وتوحيد المؤسسات، لا تزال تمر، بشكل أو بآخر، عبر هاتين المؤسستين.
لكن ما خسره المجلسان في المرحلة الحالية ليس السلطة القانونية بقدر ما هو احتكار الإيقاع السياسي، فلم يعودا يقودان المسار كما في السابق، لكنهما لا يزالان قادرين على منعه من الوصول إلى نهايته. هذه هي المعادلة الجديدة: تراجع القدرة على المبادرة، مقابل بقاء القدرة على التعطيل.
ماذا عن المسار الأمريكي؟
في موازاة هذا المشهد الداخلي، يتحرك مسار آخر يزيد من تعقيد الصورة، ويتمثل في الحضور الأمريكي المتزايد عبر تحركات مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية.
ورغم عدم وجود وثيقة رسمية تثبت أن مسار "4+4" هو تنفيذ مباشر لمبادرة بولس أو جزء منها، فإن تزامن المسارين خلق مناخاً من الريبة داخل المشهد الليبي، خصوصاً لدى الأطراف التي تخشى من إعادة هندسة السلطة من خارج الإطار الوطني.
فقد قال بولس، في تصريحات نُشرت عبر وسائل إعلام، إن مستقبل ليبيا يعتمد على التقدم في 3 مجالات أساسية: تعزيز التكامل بين المؤسسات العسكرية والأمنية، وتعزيز التعاون السياسي بين الشرق والغرب والجنوب، وبناء حوكمة شفافة واقتصاد موحد.
كما شدد المسؤول الأمريكي على أن أي مبادرة سياسية يجب أن تضم ائتلافاً واسعاً من الفاعلين، وتحظى بدعم شامل عبر المناطق والمؤسسات والمجتمعات.
هذه التصريحات، رغم طابعها العام، تُقرأ في الداخل الليبي باعتبارها مؤشراً على توجه أمريكي نحو إعادة ترتيب المشهد السياسي، ليس فقط من خلال الانتخابات، بل عبر بناء منظومة حكم جديدة أكثر تماسكاً. وقد تعزز هذا الانطباع مع تقارير تحدثت عن مساعٍ أمريكية لتوحيد ليبيا عبر تفاهمات بين الشرق والغرب، وهو طرح أثار تحفظات واسعة داخل البلاد.
هذا السياق جعل أي تحرك أممي، مهما كان محدوداً، يُقرأ في ضوء هذه الخلفية الأمريكية، إذ بالنسبة لبعض الأطراف، لا تبدو صيغة "4+4" مجرد آلية تقنية، بل جزءاً من مناخ سياسي أوسع يتم فيه البحث عن تسوية شاملة، قد تشمل إعادة تشكيل السلطة التنفيذية، وليس فقط تنظيم الانتخابات.
وتزداد حساسية هذا التقاطع مع التصريحات الصادرة من داخل مسار "4+4" نفسه، فقد أشار الشيباني بوهمود، عضو لجنة "4+4" عن القيادة العامة، إلى أن بعض الأطراف في المنطقة الغربية "قد تجد نفسها مضطرة في نهاية المطاف للقبول بحكومة توافقية تجنباً لاستثنائها من المشهد".
هذه العبارة، رغم بساطتها، تحمل دلالة سياسية عميقة، إذ تربط بشكل غير مباشر بين مسار الانتخابات ومسألة تشكيل الحكومة.
ورغم أن بوهمود نفى وجود صراع حقيقي على المناصب، معتبراً أن كثيراً من هذه السرديات "غير دقيقة" وتهدف إلى تشويه المشهد، فإنه أقر بأن التعاطي مع المبادرة الأمريكية تم "بدافع وطني بحت"، رغم عدم وجود حماس لها، وذلك لحسابات مرتبطة بمصلحة البلاد.
كما شدد على أن الحل الحقيقي للأزمة الليبية يبدأ من الداخل، عبر توافق وطني حقيقي، لا عبر الإملاءات أو التدخلات الخارجية.
هذه التصريحات تكشف أن بعض المشاركين في المسار المصغّر لا ينظرون إليه كمسار تقني بحت، بل كجزء من نقاش أوسع حول شكل السلطة في المرحلة المقبلة، وهي قراءة تعزز مخاوف الأطراف الرافضة من أن يتحول النقاش حول المفوضية والقوانين الانتخابية إلى مدخل لترتيبات سياسية أعمق.
"حل واقعي" للأزمة الليبية
في المقابل، يبرز صوت مختلف من داخل مجلس النواب، يمثله عصام الجهاني، الذي يرى أن التحرك الأمريكي في الملف الليبي جاء نتيجة تغيّرات سياسية بعد الانتخابات الأمريكية الأخيرة، وأفرز ما بات يُعرف بـ"المسار الأمريكي"، معتبراً أن مبادرة مسعد بولس قدمت "حلاً واقعياً" للأزمة الليبية.
وقال الجهاني، في تصريح، إن ليبيا تحتاج اليوم إلى "حلول عملية واقعية تقود على الأقل إلى استقرار نسبي، وتفتح الطريق للحلول الدائمة وعلى رأسها الدستور". كما اعتبر أن البعثة الأممية، عبر نائبة المبعوثة، تبنّت المبادرة الأمريكية بشكل صريح، معتبراً أن ذلك يمثل سابقة في عمل البعثة خلال أكثر من عقد.
غير أن هذا التقدير يبقى موقفاً سياسياً منسوباً إلى الجهاني، خصوصاً أنه يتعارض مع تصريحات المبعوثة الأممية التي نفت وجود علاقة بين مسار "4+4" والمبادرة الأمريكية. لكن أهمية هذا الموقف تكمن في أنه يعكس وجود تيار داخل المؤسسة التشريعية يرى في التحرك الأمريكي فرصة للخروج من حالة الجمود، وليس تهديداً للسيادة.
في قراءة أكثر توازناً، قدّم جلال حرشاوي تحليلاً يضع المسارين الأممي والأمريكي في سياق واحد دون دمجهما، ويرى أن شهر أبريل/ نيسان كان يفترض أن يشهد محطة مهمة للدبلوماسية الأمريكية في ليبيا، بعد التوقيع على إطار موحد للإنفاق العام، وانطلاق تدريبات عسكرية مشتركة في سرت، مع توقعات بالكشف عن هيكل موحد للحوكمة، غير أن هذا المسار لم يكتمل.
حرشاوي أشار في تصريح لـ"عربي بوست" إلى أن هذا التعثر سمح بعودة الدور الأممي إلى الواجهة، من خلال إطلاق صيغة "4+4″، التي ركزت في مرحلتها الأولى على ملف الانتخابات، باعتباره أحد أعمدة خارطة الطريق الأممية. ويرى حرشاوي أن إعلان البعثة أن مجلسي النواب والدولة أضاعا أشهراً دون تقدم يمثل تحولاً مهماً، لأنه يمنح الأمم المتحدة مساحة للتحرك دون البقاء رهينة للمؤسسات القائمة.
كما أن إحياء صيغة "6+6″، وفق حرشاوي، جاء من خارج الطلب الأممي، ما يعكس محاولة من المجلسين لاستعادة المبادرة، في وقت لا تبدو فيه الأجندة الأمريكية متطابقة مع الأجندة الأممية. وبينما تحاول البعثة إنقاذ مسار الانتخابات، لا تبدو واشنطن، وفق تقديره، مهتمة بالانتخابات بقدر اهتمامها بإعادة تشكيل منظومة الحكم.
هذه القراءة تضع المشهد الليبي أمام مسارين متوازيين: مسار أممي يركز على الانتخابات، ومسار أمريكي يركز على السلطة. وبينهما، تجد الأطراف الليبية نفسها مضطرة للمناورة، دون القدرة على حسم الاتجاه بشكل نهائي.
العقدة الحقيقية للانتخابات الليبية
إذا كان اجتماع روما قد كسر الجمود وفتح مساراً موازياً لإنتاج تفاهمات انتخابية، فإن اجتماع تونس، الذي انعقد في 12 مايو/ أيار، كشف بوضوح أن العقدة الحقيقية لا تزال في مكان آخر، وأن المسألة لم تعد تتعلق فقط بصياغة القوانين، بل بطبيعة السلطة التي ستُشرف على تطبيقها.
بحسب معطيات متقاطعة من داخل اجتماعات "الحوار المصغّر"، خُصصت جلسات تونس لمناقشة الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات، في محاولة للانتقال من التفاهمات الأولية في روما إلى نقاش أكثر تفصيلاً حول القواعد التي ستنظم العملية الانتخابية.
لكن هذا الانتقال سرعان ما كشف عن تباينات عميقة، ليس فقط في التفاصيل القانونية، بل في الرؤية السياسية الكاملة للمرحلة المقبلة.
ووفق مصدر مطلع على الاجتماعات، فقد طُرح خلال النقاش مقترح سبق أن قدمته حكومة الوحدة الوطنية خلال لقاء روما، ويقضي بإجراء انتخابات برلمانية استناداً إلى القانون رقم 10 لسنة 2014، وهو القانون الذي كان قد استُخدم في انتخابات مجلس النواب السابقة.
وذكر المصدر، الذي صرح لـ"عربي بوست" مفضلاً عدم ذكر اسمه، أن هذا المقترح كان قد حظي بقبول أولي من فريق "القيادة العامة" خلال اجتماعات روما، باعتباره صيغة عملية يمكن البناء عليها لتجاوز حالة الجمود.
لكن ما بدا في روما خياراً تقنياً قابلاً للنقاش، تحول في تونس إلى نقطة خلاف سياسية جوهرية، إذ إن اعتماد القانون رقم 10 لسنة 2014 يعني، عملياً، إمكانية إجراء الانتخابات تحت السلطة التنفيذية القائمة، دون الحاجة إلى تشكيل حكومة جديدة أو توحيد المؤسسات قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع.
وهذا ما اعتبرته البعثة الأممية خياراً واقعياً من الناحية العملية، في ظل صعوبة التوصل إلى توافق سريع حول تشكيل سلطة تنفيذية موحدة. وهنا تحديداً انكشف جوهر الصراع، فالمسألة لم تعد تدور حول القانون نفسه، بل حول ما يترتب عليه سياسياً.
فإذا جرت الانتخابات تحت الحكومة الحالية، فإن ذلك يعني إعادة إنتاج الشرعية من داخل الوضع القائم، دون إعادة توزيع السلطة التنفيذية مسبقاً. أما إذا جرى ربط الانتخابات بتوحيد الحكومة، فإن العملية الانتخابية تتحول إلى أداة تفاوضية لفرض إعادة تشكيل السلطة قبل الاقتراع.
وبحسب المصدر ذاته، فقد تمسك فريق "القيادة العامة"، بعد التداول بشأن القانون رقم 10، بمخرجات لجنة "6+6" وفقاً للتعديل الدستوري الثالث عشر، ولا سيما ما يتعلق باشتراط توحيد السلطة التنفيذية التي ستشرف على العملية الانتخابية قبل المضي في أي استحقاق.
كما دعا إلى معالجة الإشكاليات المرتبطة بقوانين لجنة "6+6″، بما في ذلك مسألة تزامن الانتخابات الرئاسية وانتخابات مجلس الأمة، وترابط المسارين ببعضهما البعض.
هذا الموقف يعكس تحوّلاً واضحاً في حسابات هذا الطرف، فبعد أن أبدى في روما استعداداً للنقاش حول إجراء انتخابات برلمانية وفق القانون رقم 10، عاد في تونس ليشدد على ضرورة ربط الانتخابات بإعادة تشكيل السلطة التنفيذية، وهو ما يكشف إدراكاً متزايداً بأن القوانين الانتخابية ليست مجرد أدوات تنظيمية، بل مدخل مباشر لإعادة توزيع السلطة.
في المقابل، طُرح رأي آخر داخل الاجتماعات يدعو إلى أن يكون توحيد السلطة التنفيذية ضمن مسار أوسع، يرتبط بالمبادرة التي يقودها مسعد بولس، باعتبارها إطاراً سياسياً وأمنياً أشمل لمعالجة الانقسام القائم. وأعاد هذا الطرح وصل ما حاولت البعثة الأممية فصله، أي الربط بين المسار الفني الخاص بالقوانين الانتخابية، والمسار السياسي الأوسع المتعلق بإعادة تشكيل السلطة.
بهذا المعنى، لم يعد من الممكن الفصل بين "المسار الأممي" و"المسار الأمريكي" بشكل كامل، حتى وإن كانت البعثة تحرص رسمياً على التأكيد على استقلالية تحركاتها. فمجرد طرح فكرة توحيد الحكومة ضمن سياق المبادرة الأمريكية داخل اجتماعات تونس يعكس أن هذه المبادرة باتت حاضرة، ولو بشكل غير مباشر، في خلفية النقاشات.
مأزق تفاوضي حقيقي
تكشف هذه المعطيات أن فريق "القيادة العامة" وجد نفسه أمام مأزق تفاوضي حقيقي، فمن جهة، سبق أن أبدى مرونة تجاه فكرة إجراء انتخابات وفق القانون رقم 10 لسنة 2014، وهو ما يُفسر كقبول ضمني بإجراء الانتخابات دون تغيير فوري في السلطة التنفيذية.
ومن جهة أخرى، أدرك لاحقاً أن هذا الخيار قد يضعف قدرته على التأثير في شكل الحكومة المقبلة، ما دفعه إلى العودة للتمسك بمخرجات لجنة "6+6" كإطار يربط الانتخابات بإعادة تشكيل السلطة.
هذا التحول يعكس طبيعة التفاوض في الحالة الليبية، حيث لا تُطرح القوانين باعتبارها حلولاً تقنية، بل باعتبارها أدوات ضمن صراع أوسع على النفوذ. فكل نص قانوني يُقرأ من زاوية تأثيره على موازين القوى، وليس فقط من زاوية صلاحيته التنظيمية.
في هذا السياق، يصبح من الواضح أن اجتماع تونس لم يكن مجرد محطة تقنية ضمن مسار "4+4″، بل لحظة انكشاف حقيقية لطبيعة الصراع. فالنقاش حول القانون رقم 10 لسنة 2014 لم يكن في جوهره نقاشاً قانونياً، بل كان نقاشاً حول سؤال السلطة: من يحكم خلال المرحلة الانتقالية؟ ومن يملك الإشراف على الانتخابات؟ ومن يحدد شكل النظام السياسي الذي سينتج عنها؟
هذا الانكشاف يعيدنا إلى السؤال المركزي الذي يطبع المشهد الليبي اليوم: هل تُستخدم القوانين الانتخابية أداةً لفتح الطريق إلى الاقتراع، أم وسيلةً لإعادة التفاوض على السلطة التنفيذية قبل الوصول إلى الصناديق؟ وفي ظل هذه المعطيات، يمكن القول إن ليبيا تعيش مواجهة دقيقة بين منطقين متوازيين، بل متصادمين في بعض الأحيان.
الأول هو منطق الشرعية القانونية، الذي يتمسك به مجلسا النواب والدولة باعتبارهما الجسمين المخولين دستورياً بصياغة الإطار الانتخابي والتفاهم على الترتيبات السياسية الكبرى.
والثاني هو منطق الفاعلية السياسية، الذي تدفع به البعثة الأممية، انطلاقاً من قناعة بأن الجمود الطويل بين المؤسسات يتطلب البحث عن صيغ أكثر مرونة، حتى وإن أثارت جدلاً قانونياً.
لكن هذا التوازن هش بطبيعته، فلا يمكن تجاوز المؤسسات بالكامل دون إنتاج أزمة شرعية جديدة، وفي الوقت نفسه لا يمكن ترك هذه المؤسسات تستخدم صلاحياتها لتعطيل أي مسار لا يخدم مصالحها. بين هذين الحدين تتحرك الطاولة الأممية، محاولة إنتاج تفاهمات محدودة يمكن البناء عليها، دون القدرة على فرضها بشكل كامل.
وتزداد تعقيدات هذا المشهد مع تداخل المسار الأمريكي، الذي لا يركز بالضرورة على الانتخابات كهدف بحد ذاته، بل ينظر إلى الأزمة الليبية من زاوية أوسع، تشمل إعادة تشكيل منظومة الحكم والأمن والاقتصاد.
وهذا ما أشار إليه جلال حرشاوي في تحليله، عندما اعتبر أن الأجندة الأمريكية لا تبدو متطابقة مع الأجندة الأممية، وأن الانتخابات ليست بالضرورة في صلب الاهتمام الأمريكي.
في المقابل، تحاول البعثة الأممية، بقيادة هانا تيته، الحفاظ على تركيزها على المسار الانتخابي، باعتباره أحد الأعمدة الأساسية في خارطة الطريق التي طرحتها. وقد حرصت تيته على نفي وجود علاقة مباشرة بين صيغة "4+4" والمبادرة الأمريكية، مؤكدة أن البعثة ليست جزءاً من تحركات الولايات المتحدة، وأن إطار عملها لا يسمح بتغيير شكل القيادة التنفيذية.
لكن هذا الفصل النظري بين المسارين لا يصمد بالكامل أمام الواقع. فمجرد تداول فكرة توحيد الحكومة ضمن سياق المبادرة الأمريكية داخل اجتماعات تونس يكشف أن الحدود بين المسارين أصبحت أقل وضوحاً، وأن الأطراف الليبية باتت تتعامل معهما كجزء من مشهد واحد، حتى وإن لم يكن هناك تنسيق مباشر بينهما.
الخلاصة: انتخابات معلقة
في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن ما يجري بعد روما وتونس لم يعد مجرد تنافس بين صيغتي "6+6" و"4+4″، بل تحول إلى صراع مركّب على من يملك حق كتابة قواعد الانتخابات، ومن يملك السلطة التي ستشرف على تنفيذها.
فمجلسا النواب والدولة لم يعودا يحتكران الإيقاع السياسي كما في السابق، لكنهما لا يزالان يمتلكان أدوات الاعتماد والطعن والتعطيل. وفي المقابل، تحاول البعثة الأممية كسر هذا الاحتكار عبر طاولة مصغّرة، لكنها لا تستطيع الاستغناء بالكامل عن شرعية المؤسسات.
وتكشف مواقف محمد امعزب والشيباني بوهمود وعصام الجهاني، إلى جانب قراءة جلال حرشاوي، أن الخلاف تجاوز القوانين إلى سؤال أوسع بكثير: هل تقود الانتخابات إلى تجديد الشرعية من داخل النظام القائم، أم تتحول القوانين الانتخابية إلى مدخل لإعادة ترتيب السلطة التنفيذية قبل الاقتراع؟
أما تسريبات اجتماع تونس، فقد أوضحت جوهر هذا المأزق بشكل لا لبس فيه. فالقانون رقم 10 لسنة 2014 قد يفتح الطريق أمام انتخابات تُجرى تحت الحكومة الحالية، بينما تتمسك أطراف أخرى بمخرجات لجنة "6+6" أو بمسار بولس كمدخل لتوحيد السلطة التنفيذية أولاً، قبل أي استحقاق انتخابي.
وفي الحالتين، لم تعد القوانين الانتخابية في ليبيا مجرد نصوص تنظم الاقتراع، بل أصبحت ساحة اختبار حقيقية بين من يريد الوصول إلى الشرعية عبر صناديق الاقتراع، ومن يسعى إلى إعادة توزيع السلطة قبل الوصول إليها. وهذه هي العقدة التي تجعل الانتخابات، رغم حضورها الدائم في الخطاب السياسي، مؤجلة فعلياً إلى حين حسم سؤال السلطة.