ممرات إيران البديلة.. خريطة المسارات الجديدة لطهران مع دول آسيا لمحاولة تجاوز حصار مضيق هرمز

عربي بوست
تم النشر: 2026/05/13 الساعة 18:32 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/05/13 الساعة 18:34 بتوقيت غرينتش
إيران تبحث عن ممرات بديلة لمضيق هرمز-عربي بوست

في ظل تصاعد التوترات في مضيق هرمز واتساع نطاق الاضطراب في حركة الملاحة البحرية، تتحرك إيران نحو مرحلة إعادة تموضع استراتيجية تتجاوز مجرد إدارة المخاطر الآنية، إلى محاولة تقليص الاعتماد البنيوي على أحد أهم الممرات البحرية الحيوية عالميًا.

ومع تصاعد احتمالات التصعيد العسكري وتكرار الاحتكاكات الأمنية في نطاق المضيق، بدأت طهران الدفع باتجاه تطوير مسارات بديلة للتجارة والطاقة، تقوم على تنويع البنية اللوجستية عبر توسيع استخدام الممرات البرية والسككية، وتعزيز الترابط الاقتصادي مع عدد من الدول الآسيوية. ويأخذ هذا التوجه شكل إعادة هندسة تدريجية لشبكات النقل، بحيث لا تبقى حركة الصادرات والواردات مرهونة بمسار بحري واحد، بل تُوزَّع على منظومة أوسع تشمل امتدادات إقليمية باتجاه آسيا الوسطى وباكستان، إضافة إلى ربطها بمشاريع نقل عابرة للحدود.

في هذا التقرير، نرصد بالتفصيل خريطة الممرات البرية التي تعمل عليها إيران حاليًا مع دول آسيوية، من أجل إيجاد بدائل تقلل من خسائرها الاقتصادية جراء إغلاق مضيق هرمز أو تشديد الرقابة البحرية على السفن الإيرانية الخارجة من الخليج.

أزمة هرمز

تشهد حركة الملاحة في مضيق هرمز حالة من الاضطراب الشديد، وسط تصاعد التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، ما أدى إلى شبه توقف في حركة الشحن التجاري، وتزايد المخاوف لدى شركات النقل البحري العالمية، بحسب ما يرى الأكاديمي الإيراني مسعود فكري في حديثه مع "عربي بوست".

وبحسب بيان صادر عن القيادة المركزية الأمريكية، تعرضت مدمرات أمريكية لإطلاق نار خلال عبورها المضيق، شمل استخدام صواريخ وطائرات مسيرة وزوارق سريعة إيرانية. واستهدفت العمليات، وفق البيان، ثلاث مدمرات هي: "ماسون" و"رافائيل بيرالتا" و"تروكستون"، أثناء توجهها نحو خليج عمان، في إطار سلسلة من الاحتكاكات المتكررة في المنطقة.

تزامن ذلك مع إطلاق إدارة ترامب ما أسمته "مشروع الحرية"، وهي عملية عسكرية تهدف إلى تأمين ممر دفاعي للسفن التجارية الراغبة في عبور المضيق. وبحسب تقارير عسكرية، أرسلت البحرية الأمريكية عددًا من المدمرات إلى المنطقة عقب الإعلان عن المشروع، دون الكشف عن أعدادها الدقيقة، في وقت امتنعت فيه القيادة المركزية عن تقديم تفاصيل إضافية حول التحركات البحرية.

في المقابل، ردّت إيران بسلسلة هجمات خلال أيام متتالية استهدفت سفنًا عسكرية وتجارية باستخدام صواريخ وطائرات مسيرة وزوارق هجومية سريعة. كما أعلنت طهران عن إنشاء "هيئة مضيق الخليج الفارسي"، وهي آلية تنظيمية جديدة تهدف إلى إدارة عمليات العبور وفرض رسوم على السفن المارة عبر المسارات التي تقول إنها خاضعة لإشرافها.

إلى جانب التصعيد العسكري، واصلت الولايات المتحدة فرض قيود على حركة النفط الإيرانية، حيث اعترضت ناقلات وقصفت أجزاء من بعض السفن المتجهة عبر الخليج. ووفق بيان للقيادة المركزية الأمريكية، تم استهداف ناقلة نفط إيرانية بعد تجاهلها تحذيرات متكررة، كما تعرضت ناقلتان أخريان لهجمات مماثلة أثناء محاولتهما تجاوز المنطقة البحرية المتوترة.

انعكس هذا التصعيد مباشرة على قطاع الشحن العالمي، حيث تراجعت حركة العبور في مضيق هرمز بشكل حاد. وتشير بيانات تتبع السفن إلى انخفاض ملحوظ في عدد السفن العابرة خلال أيام متتالية، إذ سُجلت عمليات عبور محدودة للغاية بعد الإعلان عن "مشروع الحرية"، بينما شهدت بعض الأيام توقفًا شبه كامل لحركة الشحن.

على الصعيد الاقتصادي، انعكست التوترات على أسعار النفط العالمية، إذ تجاوز سعر خام برنت مستويات مرتفعة قبل أن يشهد تذبذبًا مع ترقب الأسواق لمآلات الصراع. ويعبر نحو 20% من إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي اضطراب فيه مؤثرًا بشكل مباشر على الأسواق العالمية وأسعار الطاقة.

وفي ظل استمرار العمليات المتبادلة، يبقى مضيق هرمز نقطة اشتعال رئيسية في معادلة أمن الطاقة العالمي، مع تصاعد المخاوف من أن يؤدي أي خطأ في الحسابات إلى توسيع نطاق المواجهة وتعطيل أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو ما دفع إيران إلى البحث عن مسارات بديلة، وفق ما يقول الأكاديمي الإيراني مسعود فكري في حديثه لـ"عربي بوست".

ممرات باكستان

المسار الأول للممرات انطلق من باكستان، وبتنسيق صيني، حيث بدأت باكستان وإيران والصين في بناء واقع جيوسياسي جديد على سواحل بحر العرب، عنوانه الأساسي تقليل الاعتماد على الخليج العربي ومساراته البحرية التقليدية، وفتح شبكة ممرات برية بديلة.

وقد صدر قرار باكستاني في بداية مايو 2026 بتفعيل ستة مسارات برية تربط موانئ جوادر وكراتشي وقاسم بإيران. ولم يكن هذا القرار مجرد خطوة لوجستية عابرة لحل أزمة تكدس الحاويات، بل يمثل بداية تحول استراتيجي في خريطة التجارة الإقليمية، ويكشف عن محاولة متسارعة لإعادة رسم خطوط النقل والطاقة والنفوذ في جنوب آسيا وغربها، في وقت تتزايد فيه المخاطر الأمنية في الخليج، وتتفاقم فيه الحسابات المرتبطة بالعقوبات الأميركية والرقابة الدولية على التجارة المرتبطة بإيران.

بدأ هذا التحول فعليًا بعد أزمة اختناق لوجستي حادة شهدتها الموانئ الباكستانية خلال الأشهر الأخيرة، حين تراكمت آلاف الحاويات المخصصة لإيران داخل ميناءي كراتشي وقاسم، نتيجة تعطل بعض المسارات البحرية، وارتفاع المخاطر في محيط مضيق هرمز، إضافة إلى تعقيدات مرتبطة بعمليات التفتيش والتأمين والشحن الدولي.

ومع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، أدركت إسلام آباد أن استمرار الاعتماد الكامل على النقل البحري التقليدي لم يعد خيارًا مستقرًا، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من التجارة المتجهة إلى إيران كان يعتمد تاريخيًا على ميناء جبل علي في دبي، الذي لعب لعقود دور المركز الرئيسي لإعادة تصدير البضائع نحو السوق الإيرانية. غير أن تشديد العقوبات والرقابة المالية، والضغوط الأميركية على الشركات وشبكات الشحن المرتبطة بإيران، دفع باكستان والصين وطهران إلى البحث عن بدائل أقل عرضة للتعطيل السياسي والبحري، وهنا بدأت الممرات البرية الجديدة بالتحول من مجرد فكرة لوجستية إلى مشروع جيوسياسي واسع النطاق.

ممر جوادر

يُعد أكثر هذه الممرات حساسية وأهمية هو الطريق الذي يربط ميناء جوادر بمعبر غبد الحدودي المقابل لمعبر ريمدان الإيراني. هذا الممر القصير نسبيًا يحمل أهمية تتجاوز حجمه الجغرافي بكثير، لأنه يضع للمرة الأولى ميناء جوادر في قلب شبكة التجارة البرية بين جنوب آسيا وإيران.

قبل تشغيل هذا الطريق، كانت الشاحنات القادمة من الموانئ الباكستانية تحتاج إلى رحلة طويلة وشاقة تمر عبر عمق إقليم بلوشستان وصولًا إلى معبر تفتان التقليدي، وهو ما كان يرفع زمن النقل إلى نحو 18 ساعة أو أكثر، فضلًا عن ارتفاع تكاليف الوقود والتأمين والتشغيل.

أما الآن، فأصبحت الشاحنات الخارجة من جوادر قادرة على الوصول إلى الحدود الإيرانية خلال ساعتين أو ثلاث ساعات فقط، وهو تحول كبير في منظومة النقل البري. إذ يعني اختصار الوقت بهذا الشكل تقليل التكلفة التشغيلية بشكل مباشر، وتقليص المخاطر المرتبطة بالتأخير أو التعرض لهجمات أو تعطلات لوجستية، إضافة إلى تقليل الحاجة إلى المرور عبر المسارات البحرية التقليدية المرتبطة بالخليج.

أهمية جوادر

لا تتعلق أهمية جوادر بإيران فقط، بل بالصين بالدرجة الأولى. فالميناء يمثل أحد أهم المشروعات الاستراتيجية ضمن مشروع "الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني" (CPEC)، الذي تبلغ استثماراته أكثر من 60 مليار دولار، ويُعد أحد الأعمدة الأساسية لمبادرة الحزام والطريق الصينية.

تنظر بكين إلى جوادر باعتباره منفذًا استراتيجيًا على بحر العرب، يمكنه تقليل اعتماد الصين على مضيق ملقا والخطوط البحرية التقليدية التي تمر عبر مناطق تخضع لنفوذ بحري أميركي كثيف.

ومن هنا، فإن أي ربط بين جوادر وإيران يعني عمليًا فتح محور تجاري جديد يسمح للبضائع الصينية بالتحرك غربًا نحو إيران ثم تركيا والقوقاز وأوروبا، دون المرور الكامل بالمسارات البحرية التقليدية. وبالنسبة للصين، لا يُعد هذا مجرد مشروع اقتصادي، بل جزءًا من استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى بناء شبكة طرق وموانئ تقلل من قدرة واشنطن على خنق التجارة الصينية أو تعطيلها وقت الأزمات.

الطريق الساحلي

لكن الطريق الساحلي الممتد من كراتشي وقاسم عبر أورمارا وباسني وصولًا إلى غبد يحمل بدوره أهمية مختلفة لا تقل خطورة. فهذا الممر لا يربط فقط الموانئ الباكستانية بإيران، بل يعيد توزيع الثقل اللوجستي داخل باكستان نفسها.

فبدل الاعتماد الكامل على كراتشي كمركز وحيد للحركة التجارية، باتت إسلام آباد تسعى إلى إنشاء شبكة نقل ساحلية متكاملة تسمح بنقل الحاويات والبضائع على طول ساحل بحر العرب، ما يمنح الحكومة مرونة أكبر في إدارة حركة التجارة ويقلل من مخاطر الاختناق داخل ميناء واحد.

كما يمنح هذا الطريق جوادر دورًا متصاعدًا كمركز لإعادة توزيع البضائع القادمة من الخارج، وهو ما كانت الصين تسعى إليه منذ سنوات، بعدما ظل الميناء لفترة طويلة مشروعًا ضخمًا دون نشاط تجاري يتناسب مع حجم الاستثمارات الصينية فيه.

معبر تفتان

في المقابل، يظل معبر تفتان التاريخي عنصرًا أساسيًا في هذه الشبكة الجديدة، رغم أن الطرق المرتبطة به أطول وأبطأ نسبيًا. فالطريق الممتد من كراتشي عبر خضدار ودالبندين وصولًا إلى تفتان يمثل الممر التقليدي بين باكستان وإيران منذ عقود، وقد تشكلت حوله بنية تحتية متراكمة تشمل مراكز جمركية ومحطات وقود ومسارات شاحنات ونقاط تفتيش وشبكات دعم لوجستي.

تكمن أهمية هذا الطريق في اتصاله المباشر بالشبكة البرية الإيرانية الممتدة نحو زاهدان وكرمان وطهران ثم تركيا، ما يجعله حتى الآن الممر الأكثر جاهزية لنقل الشحنات الثقيلة والتجارة التقليدية واسعة النطاق. لكن تبقى مشكلته الرئيسية في طول المسافة والتحديات الأمنية التي تواجه القوافل العابرة عبر مناطق صحراوية شاسعة داخل بلوشستان، وهي مناطق تشهد نشاطًا مستمرًا لشبكات التهريب وجماعات مسلحة.

الطريق الأطول

أما الطريق الأطول الممتد من جوادر عبر تربت وهوشاب وبنجغور وخضدار وكويتا ونوكندي وصولًا إلى تفتان، فيمثل العمود الفقري البري الحقيقي للمشروع الصيني في المنطقة. هذا الطريق لا يرتبط فقط بالتجارة الإيرانية، بل يدخل ضمن التصور الصيني الأوسع لإنشاء محور بري يمتد من غرب الصين حتى بحر العرب ثم غرب آسيا.

تنظر بكين إلى هذا المسار باعتباره جزءًا من شبكة أوراسية ضخمة تهدف إلى إعادة تشكيل طرق التجارة العالمية بعيدًا عن الهيمنة البحرية الغربية. وإذا نجحت هذه الرؤية، فإن البضائع الصينية القادمة من إقليم شينجيانغ قد تتمكن مستقبلًا من الوصول إلى إيران وتركيا وأوروبا عبر شبكة برية متصلة. ويُعد هذا السيناريو تهديدًا استراتيجيًا طويل المدى بالنسبة لواشنطن، لأنه يقلل من قدرتها على استخدام الممرات البحرية كورقة ضغط جيوسياسية.

مخازن عائمة مؤقتة

مع تصاعد حدة التوترات العسكرية وازدياد المخاطر المرتبطة بالملاحة في مضيق هرمز، شرعت إيران في تنفيذ إعادة هيكلة تدريجية لمسارات تصدير النفط وسلاسل الإمداد المرتبطة به. وتأتي جزيرة خرج في قلب هذه المعادلة، باعتبارها المنفذ الرئيسي لتصدير النفط الإيراني، حيث تمر عبرها النسبة الأكبر من الشحنات، والتي تُقدّر بنحو 90% من إجمالي الصادرات النفطية. وتكتسب الجزيرة أهمية مضاعفة في ظل التهديدات الأمريكية المتكررة باستهداف البنية التحتية النفطية الإيرانية، إذا استمر التصعيد داخل مضيق هرمز أو تهديد الملاحة الدولية فيه.

في مواجهة هذا الضغط، اتجهت إيران إلى اعتماد أساليب تشغيلية بديلة، من أبرزها استخدام ناقلات النفط كمخازن عائمة مؤقتة في عرض البحر، بما يسمح بتخزين كميات كبيرة من الخام إلى حين توفر ظروف تصدير أكثر أمانًا أو تحسن أسعار السوق. ويهدف هذا الأسلوب إلى تفادي التوقف الكامل للإنتاج، ومنح طهران مساحة مرونة في إدارة صادراتها في ظل العقوبات والمخاطر الأمنية.

بالتوازي مع ذلك، وسّعت إيران استخدام شبكات لوجستية غير تقليدية، تشمل عمليات إعادة شحن النفط في عرض البحر، وتغيير مسارات السفن، والاعتماد على وسطاء وشركات تعمل خارج النظام المالي والتجاري الغربي، بما يقلل من قابلية التتبع والضغط.

وفي السياق نفسه، تعمل إيران على تعزيز ارتباطها الاقتصادي مع الصين ودول آسيا الوسطى عبر تطوير شبكات السكك الحديدية والممرات البرية. ويدعم هذا التوجه توسع مشاريع الربط اللوجستي المرتبطة بـ"مبادرة الحزام والطريق" (Belt and Road Initiative)، في ظل قناعة صينية متزايدة بأن الاعتماد الحصري على الممرات البحرية التقليدية، خاصة الواقعة تحت النفوذ الأمريكي، يشكل تهديدًا استراتيجيًا طويل المدى لأمنها الطاقوي والتجاري.

ضمن هذا الإطار، تتجه إيران إلى توسيع الربط البري مع عدة محاور رئيسية:

  • روسيا عبر بحر قزوين وشبكات السكك الحديدية
  • الصين عبر آسيا الوسطى
  • الهند عبر ممر الشمال–الجنوب

كما تعمل طهران على تطوير البنية التحتية اللوجستية المرتبطة بهذه الشبكات، بما يشمل الموانئ والمناطق الحرة وخطوط السكك الحديدية العابرة للحدود، بهدف تحويل موقعها الجغرافي إلى عقدة ربط مركزية داخل شبكة التجارة الأوراسية.

ممر بحر قزوين

على المستوى الإقليمي، لجأت إيران إلى تنشيط مسارات بديلة لنقل البضائع عبر الدول المجاورة، من بينها النقل البري بالشاحنات عبر باكستان وتركيا وأرمينيا وأذربيجان، إلى جانب استخدام ممرات بحر قزوين لنقل السلع القادمة من روسيا، التي تُعد أحد أبرز الشركاء الاستراتيجيين لطهران. كما تدرس إيران توسيع استخدام السكك الحديدية لنقل النفط إلى الصين، التي تمثل الشريك التجاري الأكبر في قطاع الطاقة.

وفي هذا السياق، صرح النائب الإيراني إبراهيم نجفي لوسائل إعلام محلية بأن بلاده تعتمد على مسارات برية متعددة تمر عبر باكستان وتركيا وأرمينيا وأذربيجان، إضافة إلى ممرات بحر قزوين، لتأمين وارداتها الأساسية من السلع.

موانئ باكستان

كما فتحت باكستان في 25 أبريل موانئها أمام شحنات البضائع المتجهة إلى إيران من دول ثالثة، ما أسفر عن إنشاء ستة مسارات برية لنقل البضائع من موانئ جوادر وكراتشي وبورت قاسم إلى الحدود الإيرانية. وتُستخدم هذه المسارات بشكل أساسي في نقل سلع استراتيجية مثل الأرز واللحوم وحليب الأطفال.

وبحسب البيانات الرسمية الإيرانية، فإن نحو 3000 حاوية كانت متجهة إلى إيران ظلت عالقة في الموانئ الباكستانية منذ بدء القيود المرتبطة بالحصار الأمريكي في 13 أبريل.

معبر كابيكوي – رازي (تركيا–إيران)

في المقابل، يربط معبر كابيكوي–رازي إيران بتركيا، وهو جزء من ممر تجاري يصل غرب آسيا بأوروبا، ويُعد من المسارات المهمة لتدفق التجارة الإقليمية. ولا تزال مستويات استخدام إيران لهذا الممر محل متابعة، في ظل غياب بيانات دقيقة حول حجم الزيادة الفعلية في الواردات بعد التصعيد الأخير.

إلى جانب تأمين قنوات استيراد بديلة، تعمل إيران على تطوير مسارات تصدير جديدة، خاصة فيما يتعلق بالنفط. إذ ترتبط البنية التحتية للسكك الحديدية الإيرانية بمدينتي ييوو وشيان في الصين، كما تم تدشين ممر كازاخستان–تركمانستان–إيران عام 2014، وتم لاحقًا توسيعه عبر خط نقل بضائع صيني يمتد لمسافة تقارب 10,400 كيلومتر، اكتمل تطويره في عام 2025، ما عزز الربط اللوجستي بين الصين وإيران ضمن شبكة أوراسية متنامية.

العلاقة مع روسيا

بدأت إيران وروسيا في إعادة صياغة توظيف الموقع الجغرافي لكل منهما بشكل أكثر احترافية لمواجهة العقوبات الغربية وتجاوز آثار الحرب، حيث تم التفاهم حول الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب (INSTC)، الذي يعيد رسم خريطة التجارة البرية والبحرية بين روسيا والهند مرورًا بإيران.

يمثل هذا الممر محاولة لبناء طريق تجاري موازٍ للمسارات البحرية التقليدية التي تمر عبر قناة السويس أو المحيط الأطلسي. ويمتد لمسافة تقارب 7200 كيلومتر، ويعتمد على دمج النقل البحري والسككي والبري، بحيث يربط الموانئ الروسية في بحر البلطيق وبحر قزوين بالموانئ الإيرانية، ثم يمتد جنوبًا نحو الهند.

تشير التقديرات إلى أن هذا المسار قد يخفض زمن الشحن من نحو 45 يومًا عبر الطرق التقليدية إلى أقل من 25 يومًا، أي تقليص يقارب 40%، وهو فارق كبير في اقتصاديات التجارة العالمية المعتمدة على السرعة ودوران رأس المال.

لا تكمن الأهمية الجيوسياسية للممر في كونه طريقًا أسرع فقط، بل في كونه محاولة روسية لإعادة التموضع خارج نطاق السيطرة البحرية الغربية. فالمسارات التقليدية تمر عبر نقاط اختناق استراتيجية مثل قناة السويس ومضيق هرمز وباب المندب، وهي مناطق تخضع بدرجات متفاوتة لنفوذ غربي.

في المقابل، يقدم INSTC مسارًا بريًا–بحريًا داخليًا نسبيًا يمر عبر روسيا وإيران، وهما دولتان تخضعان لعقوبات غربية، ما يجعلهما شريكتين في بناء نظام بديل للبنية التجارية القائمة.

تلعب إيران دورًا محوريًا في هذا المشروع، ليس فقط كدولة عبور، بل كبنية تحتية مركزية. إذ يعتمد الممر على تطوير خطوط السكك الحديدية داخل إيران، وتحديث الموانئ على بحر قزوين، وربطها بالموانئ الجنوبية على الخليج. غير أن أحد أبرز التحديات يتمثل في ضعف بعض البنى التحتية، وتأخر استكمال خطوط حيوية، وعلى رأسها خط رشت–أستارا، الذي يُعد حلقة مفقودة في الربط بين بحر قزوين والحدود الأذربيجانية، ما يفرض استخدام النقل متعدد المراحل ويقلل من الكفاءة التشغيلية.

تحولات الجغرافيا

في قراءة لتحولات الجغرافيا الاقتصادية في الإقليم، يرى الأكاديمي والدبلوماسي الإيراني عباس خامه يار، في تصريحات لـ"عربي بوست"، أن ما يجري حول مضيق هرمز لا يمكن اعتباره مجرد أزمة ملاحة، بل يمثل انتقالًا في بنية النظام التجاري الإقليمي من الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية إلى إعادة توزيع تدريجي لشبكات الحركة بين البر والبحر، تحت ضغط التوترات الجيوسياسية والعقوبات وإعادة تموضع القوى الكبرى.

ويشير، في تصريحاته، إلى أن مضيق هرمز، الذي ظل لعقود طويلة يمثل نقطة الارتكاز الأساسية لصادرات الطاقة الإيرانية وحركة النفط العالمية، بدأ يتحول من "ممر استقرار اقتصادي" إلى "نقطة اختناق استراتيجية"، وهو ما يدفع طهران إلى إعادة التفكير في بنية اعتمادها اللوجستي بالكامل. فبحسب هذا التصور، لم يعد التحكم في المضيق أو الاعتماد عليه كافيًا لضمان استمرارية التدفقات الاقتصادية في بيئة أمنية غير مستقرة، الأمر الذي يفرض البحث عن بدائل متعددة المستويات.

وفي هذا السياق، يربط خامه يار بين التحول الإيراني نحو الممرات البرية والسككية وبين ما يسميه "تفكك مركزية البحر في الاقتصاد السياسي الإقليمي". فالممرات التي يجري تطويرها عبر باكستان وآسيا الوسطى، أو تلك المرتبطة بالمشاريع الصينية الكبرى، لا تُقرأ فقط بوصفها حلولًا لوجستية، بل باعتبارها جزءًا من إعادة هندسة أوسع لخرائط النفوذ التجاري. ويؤكد أن إيران، بحكم موقعها الجغرافي، تتحول تدريجيًا من دولة ممر بحري إلى عقدة وصل برية–بحرية داخل فضاء أوراسي أوسع.

كما يوضح أن التصعيد في الخليج، وما يرافقه من تهديدات متبادلة وعمليات عسكرية متقطعة، ساهم في دفع شركات الشحن العالمية إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالمرور عبر المضيق، وهو ما انعكس في ارتفاع تكاليف التأمين وتراجع معدلات العبور خلال فترات متقطعة. ويرى أن تأثير هذا العامل لا يقتصر على إيران وحدها، بل يمتد ليعيد تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، خصوصًا في قطاع الطاقة الذي يعتمد بدرجة كبيرة على استقرار هذا الممر.

وفي ما يتعلق بالممرات البديلة، يرى خامه يار أن التوجه الإيراني نحو تنويع منافذ التصدير لا يقوم على فكرة الاستغناء الكامل عن مضيق هرمز، بل على تقليل "مركزية المخاطر" المرتبطة به. ويشير إلى أن تطوير شبكات الربط مع باكستان، وامتدادات السكك الحديدية نحو آسيا الوسطى، والممرات المرتبطة بالصين وروسيا، يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الاقتصاد المعاصر لم يعد يحتمل الاعتماد على نقطة اختناق واحدة، مهما كانت أهميتها التاريخية.

ويضيف أن الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب، إلى جانب المشاريع المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق، يمثلان في جوهرهما محاولة لإعادة توزيع مراكز الثقل في التجارة العالمية بعيدًا عن الممرات البحرية الخاضعة لنفوذ القوى الغربية. ومن هذا المنظور، فإن إيران لا تتحرك فقط كفاعل إقليمي يبحث عن بدائل، بل كجزء من تحالفات اقتصادية أوسع تسعى إلى بناء نظام لوجستي موازٍ.

ويخلص في تحليله إلى أن المرحلة الحالية لا تعكس مجرد استجابة تكتيكية للأزمات، بل بداية انتقال تدريجي نحو نموذج جديد في الجغرافيا الاقتصادية، تصبح فيه الممرات البرية والسككية امتدادًا استراتيجيًا للممرات البحرية، وليس بديلًا عنها فقط، بما يعيد رسم العلاقة بين الجغرافيا والسياسة والاقتصاد في الإقليم الممتد من شرق آسيا إلى شرق المتوسط.

مقاربة مختلفة

وفي مقاربة مختلفة عن الطرح الذي يركز على التحول البنيوي في الجغرافيا الاقتصادية، ينظر الأكاديمي الإيراني مسعود فكري، في تصريحاته الخاصة، إلى ملف الممرات من زاوية أمنية–تشغيلية أكثر ارتباطًا بإدارة المخاطر المباشرة داخل بيئة مضطربة، معتبرًا أن ما يحدث في محيط مضيق هرمز لا يعكس فقط إعادة توزيع للتجارة، بل يعكس أيضًا "تآكلًا تدريجيًا في قابلية الاعتماد على الممرات عالية الحساسية في لحظات الصراع".

وفي هذا الإطار، يرى فكري أن التوتر في هرمز لا يمكن قراءته بمعزل عن التحول في طبيعة الحروب البحرية الحديثة، حيث لم تعد السيطرة على المضائق مرتبطة فقط بالقوة العسكرية التقليدية، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بقدرة الأطراف على خلق حالة من "الضغط غير المباشر" على سلاسل الإمداد عبر التهديد، والاستهداف المحدود، ورفع كلفة العبور والتأمين. ويشير إلى أن هذا النوع من الضغط يحقق نتائج استراتيجية حتى دون الوصول إلى إغلاق فعلي للمضيق.

ومن هذا المنظور، يلفت إلى أن أحد أهم التحولات الجارية يتمثل في انتقال الدول الإقليمية، وعلى رأسها إيران، من منطق "الممر الواحد الحاكم" إلى منطق "تشظي الممرات"، أي توزيع الحركة التجارية بين مسارات متعددة لتقليل أثر أي نقطة اختناق منفردة. ويؤكد أن هذا التوجه لا يُدار فقط بدوافع اقتصادية، بل أيضًا بدوافع أمنية تتعلق بالقدرة على الاستمرار في التصدير والاستيراد تحت ضغط العقوبات أو التهديدات العسكرية.

ويختلف فكري في تفسيره عن القراءات التي تركز على البعد الجيوسياسي طويل المدى، إذ يركز بصورة أكبر على البنية التشغيلية للممرات، معتبرًا أن التحدي الحقيقي أمام إيران لا يتمثل فقط في إيجاد بدائل لمضيق هرمز، بل في ضمان "استمرارية تشغيلية" لهذه البدائل داخل بيئة تتداخل فيها العقوبات مع المخاطر الأمنية. فالممر البري أو السككي، بحسب قراءته، لا يصبح بديلًا فعليًا إلا إذا امتلك القدرة على العمل تحت الضغط، وليس فقط في الظروف الطبيعية.

كما يشير إلى أن التعاون مع باكستان والصين في تطوير مسارات النقل لا يجب قراءته فقط كتحالفات استراتيجية كبرى، بل أيضًا كاستجابة عملية لمشكلة الاختناق اللوجستي التي ظهرت بوضوح خلال السنوات الأخيرة، سواء في الموانئ أو في مسارات التأمين البحري. ويرى أن هذه المشاريع تمثل، في جوهرها، محاولة لتقليل "زمن التعطل السياسي" الذي قد يصيب أي ممر بحري في لحظات التوتر.

وفي ما يتعلق بمضيق هرمز تحديدًا، يؤكد فكري أن التحول الأهم لا يتعلق بإمكانية إغلاقه أو عدمها، بل بـ"تراجع كفاءته النسبية" مقارنة بتكلفة الاعتماد عليه. فحتى دون إغلاق فعلي، يكفي ارتفاع المخاطر والتأمين وتذبذب حركة العبور لدفع الفاعلين الاقتصاديين إلى البحث عن بدائل أكثر استقرارًا، وهو ما يفسر تسارع الاستثمار في الممرات البرية والسككية.

ويضيف أن التحول نحو هذه الممرات لا يعني نهاية دور المضائق البحرية، بل إعادة تعريفه داخل شبكة أوسع من الطرق المتوازية، بحيث يصبح جزءًا من منظومة، وليس مركزها الوحيد. ويؤكد أن هذا التغيير التدريجي يعكس تحولًا أعمق في بنية الاقتصاد السياسي الإقليمي، حيث لم تعد الجغرافيا وحدها المحدد الأساسي للتجارة، بل أصبح الأمن التشغيلي وسلاسل المخاطر عنصرًا مكافئًا لها في الأهمية.

تحميل المزيد